تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة - الملتقى الأول

تاريخ البداية

09 مارس 2014

تاريخ الانتهاء

10 مارس 2014

استضافت أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، المنتدى العالمي "تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" الذي عقد على مدى يومي الأحد والإثنين 07-08 جمادى الأولى 1435، الموافق 09-10 مارس 2014، في محاولة منه أن يقدم للعالم؛ توضيحاً للمفاهيم، وشرحاً للمضامين، وبياناً للحق، ونداء للأمة الإسلامية وللإنسانية، أصدره جمهور من العلماء والمثقفين وقادة الفكر والمفتين في العالم، لإطفاء الحريق ولتدارك هذه الأوضاع، بمحاصرة نيرانها وحصار الأفكار الجائرة الظالمة التي أنتجتها، حيث ناقش العلماء والباحثون مجموعة محاور وموضوعات، تسعى إلى إخماد الحرائق والضغائن والأحقاد المتأججة في جسم الأمة، التي تهدد نسيجها الاجتماعي بالتفكك والخراب، وتضعف كل عوامل المناعة الذاتية، في مواجهة التحديات والأطماع والمؤامرات. وتركزت المناقشات والحوارات على تحرير المفاهيم وتصحيح التصورات، والحفر في الأصول الفكرية والحالة الثقافية، التي أفرزت هذه الأوضاع، تمهيداً لمعالجة عللها ومحاصرة آثارها.

  • تواجه المجتمعات الإسلامية في المرحلة الراهنة تحديات عديدة على كل المستويات التنموية؛ مثل محاربة الفقر والبطالة ومكافحة الأمراض والإدمان بأنواعه وسلامة البيئة، وامتلاك التقنيات اللازمة للتحديث. وهي تحديات ليست بجديدة على العالم الإسلامي، وربما تعود إرهاصاتها الأولى إلى نهايات القرن التاسع عشر، أو بدايات حملة نابليون على مصر التي نهض بمواجهتها الإصلاحيون الأوائل. 
    ولكن هذه التحديات بدت في الآونة الأخيرة وكأنها مستعصية على المواجهة أو الحلول، بسبب الصراع الفكري والطائفي الذي طغى على سطح الوعي الإسلامي في الوقت الراهن، وهو ما صرف الأمة عن جهود استكمال هُويتها الإسلامية المعاصرة  ودفع بها إلى الشقاق والافتراق واستقواء كل طرف بمن يعينه، ويحتضنه ولو على حساب مصلحة الأمة ومصيرها؛ فضعفت الثقة وغابت أجواء الأمن والطمأنينة، وابتعدت المجتمعات الإسلامية عن حقيقة الجسد الواحد المتراحم المتآزر المتعاون على البر والتقوى. وهي ظواهر تُسأل مؤسسات الأمة عن سبب استفحالها مقابل ضمور قيم المحبة والتعايش والسلم في المجتمعات الإسلامية مع كونها من أمهات القيم في سلم المقاصد الشرعية، ومن مقومات الاستقرار والبناء في سنن المجتمع البشري.
    ويزيد من ثقل المسؤولية وضرورة الإسراع بالاستجابة لهذه التحديات تطور هذه الصراعات في العقد الأخير، وتسارع وتيرتها حتى أضحى أثرها الواقع والمتوقع على الأمة في غاية الخطورة، وتتجسد في خمسة أبعاد هي التالية:
    أولاً: البعد النوعي المتمثل في درجة العنف غير المسبوق الذي لم يستثن أي نوع من الأسلحة، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل، التي يستعملها أبناء الوطن الواحد بعضهم ضد بعض. 
    ثانياً: البعد المكاني المتمثل في الاتساع والانتشار، الذي شمل رقعة واسعة من البلاد العربية والإسلامية، والمرشح لشمول مناطق أخرى. 
    ثالثاً: البعد الزمني، حيث إن هذه النزاعات أصبحت في استمرارها وديمومتها وكأنها أمر معتاد، لا تلوح له نهاية في الأفق. 
     رابعاً: البعد الفكري والنفسي، وهو بعد يغذي الأبعاد الثلاثة السالفة، حيث أفرزت هذه الفتنة أشد الأفكار تطرفاً، وأكثر الفتاوى شذوذاً وأشد الآراء تعصباً وتحريضاً، فاشتعلت الساحة بكم هائل من فتاوى التكفير والتضليل والاتهام بالفسق وإثارة البدع، فاستبيحت الدماء، ولم يعد للشرعية في الطاعة وصيانة الدماء وتجنب شق عصا الأوطان مكان، بل استبدلت بها دعوى الجهاد في غير محله، والنهي عن منكر بغير ضوابطه، مما يؤدي إلى ما هو أنكر. 
     خامساً: البعد الدولي، حيث أدى كل ما سبق إلى تشويه صورة الإسلام عالمياً، وكاد دين الرحمة والرشد، أن يوصف بأنه "دين إرهاب" إلى درجة أن بعض المتطرفين أضحوا يقترحون أن يحاكم الإسلام وأهله تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة!.
    إن هذه الصورة البشعة المأساوية، بالتأكيد  لا تمثل حقيقة الإسلام  دين المحبة والإنسانية، الذي أسس لقيم العدل والتسامح والشورى والرحمة والإحسان والوئام. 
    ذلك ما حاول "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" الذي عقد في أبوظبي على مدى يومي الأحد والإثنين 08-07 جمادى الأولى 1435، الموافق 10-09 مارس 2014 أن يقدمه للعالم؛ توضيحاً للمفاهيم، وشرحاً للمضامين، وبياناً للحق، ونداء للأمة الإسلامية وللإنسانية، أصدره جمهور من العلماء والمثقفين وقادة الفكر والمفتين في العالم، لإطفاء الحريق ولتدارك هذه الأوضاع، بمحاصرة نيرانها وحصار الأفكار الجائرة الظالمة التي أنتجتها، حيث ناقش العلماء والباحثون مجموعة محاور وموضوعات، تسعى إلى إخماد الحرائق والضغائن والأحقاد المتأججة في جسم الأمة، التي تهدد نسيجها الاجتماعي بالتفكك والخراب، وتضعف كل عوامل المناعة الذاتية، في مواجهة التحديات والأطماع والمؤامرات. وتركزت المناقشات والحوارات على تحرير المفاهيم وتصحيح التصورات، والحفر في الأصول الفكرية والحالة الثقافية، التي أفرزت هذه الأوضاع، تمهيداً لمعالجة عللها ومحاصرة آثارها، من خلال أربعة محاور رئيسية تندرج تحتها موضوعات متعددة هي التالية: 
     المحور الأول: القيم الإنسانية والعيش المشترك. 
    لا يوجد أدنى اختلاف في القيم الأساسية الكبرى كالحق في الحياة وكرامة الإنسان والحرية والمساواة والعدل؛ وإن احترام هذه الحقوق الضرورية ومراعاة ثقافة الاختلاف وترسيخ أهميتها، وإقامة الجسور بين مختلف الشعوب والأمم، هو وحده الذي يعيدنا إلى قيمة الإنسان، ويذكرنا أننا جميعاً نستحق هذه القيم بغض النظر عن العرق أو اللون أو الجنس أو الدين. ومن هنا تبرز أهمية دور علماء الدين وأهل الفكر في ترسيخ هذه القيم، وتحجيم القيم المضادة، ليكونوا جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة، كما يشاهد من انزلاق بعضهم في إثارة نعرات الخلاف بما يعود سلباً على قيم التضامن الإنساني وحسن التفاهم. 
    كذلك تناولت النقاشات في هذا المحور، مضامين القيم المركزية في تحقيق العيش المشترك، وبناء الأسس الفكرية والثقافية للتلاحم الاجتماعي والتراحم الإنساني على مستويين، هما:
        - تدبير الاختلاف، وثقافة الحوار.
        -آليات التعاطي مع المواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان. 
    المحور الثاني: تصحيح المفاهيم.  
     تتداخل وتتقاطع في المجال العلمي والعملي، وفق ما اصطلح عليه العلماء بالسياسة الشرعية  مجموعة من المصطلحات والمفاهيم؛ أصبحت بعض طوائف الأمة -لأسباب مختلفة - تتذرع بها لإثارة الفتن واستحلال الدماء المعصومة والأموال المصونة، وهو ما أوجب العكوف على دراسة هذه المفاهيم، وتمييز الفهم الأصيل المنبثق من مقاصد الشريعة وقواعدها الكبرى التي يشكل سوء فهمها وتنزيلها مدخلاً إلى فتنة الأمة وتفريق وحدتها وتنازع البقاء فيها.
    ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:  
    -  الطاعة بين الإثبات والنفي مفهوماً ومقصداً.
    -   الدوافع الرائجة للتكفير (الولاء والبراء، عدم تطبيق الحدود الشرعية...).
    -   الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوجوب إلى الحظر. 
    -الجهاد.. المفهوم والضوابط.
    المحور الثالث: الفتوى في زمن الفتن. 
    الهدف من دراسة قضايا الفتوى في المنتدى، هو بيان خطورة ما يترتب عنها في زمن الفتنة وغموض الرؤية والتباس الحق بالباطل، بغض النظر عن النيات والمقاصد الموكولة إلى العليم بذات الصدور، ومن ثم جرت معالجة ما يُشترط في الفتوى، ومن تصدر عنه  من شروط ذاتية وموضوعية في أوضاع دقيقة، وسياقات خاصة لم يفت أعلام الأمة التنصيص على بعضها أو الإشارة والإيماء إلى البعض الآخر. 
    كما سعى المنتدى إلى بيان المسؤولية الشرعية وتضمين المفتين عن فتاويهم، أو الدعاة الذين قد يسهمون في نشر عدد من الفتاوى  يقتنعون بها ويتبنونها.
     وحتى لا تظل المعالجة العلمية لقضايا الفتوى والمفتين صيحة في واد، تُوِّج هذا المحور بالبحث في مناهج إعداد العلماء والمفتين لتمكينهم من الاضطلاع بأدوارهم إزاء مجتمعاتهم. فإصلاح أمر الفتوى لا يتم من دون تصور جديد لتكوين علماء ومفتي المستقبل، مع مزيد من العناية بفقه الواقع والمتوقع بكل أبعادهما وآثارهما. ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية: 
     -  صفات المفتي ومؤهلاته، وشروط الفتوى وضوابطها.
     -  الفرق بين فتوى الأفراد وفتوى الأمة. 
    -  مسؤولية المفتي والداعية. 
     - مناهج إعداد العلماء لتمكينهم من الاضطلاع بمهمة الفتوى.  
    المحور الرابع: إسهام الإسلام في السلم العالمي.   
    في عصر تطورت فيه قدرات الإنسان على التدمير وتعددت فيه المبررات لإشعال الحروب والفتن، من مصلحة الإنسانية أن تعيد اكتشاف وقراءة المخزون القيمي والمفاهيمي  الذي تحتضنه رسالة الإسلام. كما أنه من واجب المسلمين قبل غيرهم - ومن مصلحتهم - أن يقفوا وقفة متأنية يسائلون فيها أنفسهم: كيف يتعايشون في ما بينهم؟، وكيف يعيش معهم غيرهم  كما عاشوا من قبل آمنين مطمئنين على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، متمتعين بحقوقهم المعنوية والمادية؟، ويسهمون في عصر العولمة باستلهام مبادئ دينهم وقيمه في تقديم رؤى وتصورات ووسائل ونظم عملية لنبذ ثقافة العنف، وإيجاد سبل لفض النزاعات والصراعات المسلحة وإحلال السلام والوئام بين الشعوب والدول. فكما أن البشرية اليوم تمتلك وسائل إغناء كل أشكال الحياة على ظهر الكوكب، فإنها أيضا تمتلك وسائل جعل البشر يحيون حياة نعيم غير مسبوق في التاريخ، وإن ما تكتنزه الطبيعة البشرية من خير، وفقا لما يؤمن به أهل الاسلام وكذلك أهل كل الأديان ليشكل داعياً رئيساً للأمل الدافع للعمل الجاد، بل المستميت، لتعزيز السلم في مجتمعاتنا وفي مجتمعات العالم كافة. 
      ويتمثل أول أساس لتحقيق هذا الأمل، في اعتبار التعددية والاختلاف وتدبيرهما من أهم قيم السلوك الإنساني، وهما أمران قد شهدا في المنطقة خلال السنوات الأخيرة تراجعاً كبيراً بسبب المقاربات التي تستند إلى المكاسب الصغيرة وقصيرة المدى التي قد تأتي بها التوجهات الإقصائية. 
    ولا مناص من أجل تجاوز المشاكل الناجمة عن الخلاف، أو التنافس السياسي أو الأيديولوجي، من السعي إلى بناء جماعات محلية وإقليمية، تُدني التعددية ولا تقصيها، من خلال العمل التأسيسي الذي يشعر الأفراد والطوائف والمجتمعات من خلاله  أنهم موضع توقير واحترام رغم الخلاف. ولا سبيل إلى ذلك دون بناء قدرات الأفراد وتكوينهم لاستبطان هذه المعاني استمداداً من المرجعيات المعتمدة، ولا شك أن بلوغ هذه الغاية يحتاج إلى مرونة وإبداع، إذ إن الحاجة لا تدعو فقط إلى وضع الحلول الممكنة والاتفاق عليها، ولكن تدعو أيضاً إلى تنزيل تلك الحلول على أرض الواقع بشكل يسهم فيه الإعلام ويقوده العلماء.
    ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية: 
     -  المعاهدات والاتفاقيات الدولية في الإسلام.
     -  الإسلام وحرية التدين والعبادة.
    -  دور العلماء والإعلام في تعزيز السلم. 
    -   المسلمون والسلم العالمي.

    الورقة التصورية
  • بسم الله الرحمن الرحيم 
    الحمد لله رب العالمين السلام المؤمن، خلق الإنسان وأوضح له سبيل السلام، ودعاه إلى دار السلام.
     والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، الذي جعل وسيلة الإيمان الحب وسبيل الحب إفشاء السلام وذلك في قوله: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا أوَ لا أدلُّكم على شيء إذا أنتم فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم). 
    فلا تمام للإيمان بدون حب ولا حب بدون سلام. 
    أيها السادة: لماذا هذا المؤتمر؟ 
    إنه مؤتمر غير مسبوق في موضوعه وأوضاعه، أما موضوعه فهو "السلم"، وأما "الأوضاع" التي دعت إليه: فإنها الأوضاع الكارثية لهذه الأمة التي أصبحت لعبة الموت أمراً معتاداً فيها، وسبيل الحياة أمراً مستبعداً، تلك مشاهد الدماء والأشلاء والخراب والدمار لا تحتاج إلى تعليق. 
    لقد أصبح من المذهل والمحزن أنه ما من أمة اليوم يستشري فيها الصراع وإراقة الدماء أكثر من هذه الأمة، تحت عناوين وذرائع وشعارات لا يقرها شرع ولا يقبلها عقل. 
    كيف نشعب الصدوع ونلأم الجراح ونخيط خروق ثوب الأمة ونجبر كسر القلوب؟ على الرغم  من مقولة الشاعر: 
    إن القلوب إذا تَنافر ودُّها *** مثل الزجاجة كسرها لا يشعب
    أم كيف نطفئ هذه الحرائق؟ التي تلتهم الأمة وتفني زهرة شبابها، بل تقتل الصغار والكبار ولا تستحي النساء. أم كيف ننقذ ما بقي؟ أم كيف نسقي البلاد مياه العافية بعد أن رويت من دماء سكانها؟، كيف نضيء مصباحاً في هذا النفق؟ كيف ننير حوالك الظلمات التي لا صبح لها؟ 
    ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل
    كيف يشرق الإصباح ويكون أمثل أيضاً؟، وبعبارة واحدة: كيف نبدأ رحلة السلم؟ 
    ذلك ما ستبحثونه، ذلك ما سنفكر فيه معاً، وقبل كل شيء ما نسأله تعالى وهو القريب المجيب المرجو لكشف الضر وتفريج الكروب عنا وعن الأمة، أن يوفقنا لإنجازه بالنية الصادقة والكلمة الطيبة والنصيحة الحكيمة وأن يفتح آذان الناس وقلوبهم لكلمة الخير، وخير الكلم كما فتح بنبينا عليه الصلاة والسلام آذاناً صماً وقلوباً غلفاً. فتعاملنا هنا مع العقول والقلوب انطلاقاً من تلك الحكمة التي وردت في ديباجة ميثاق منظمة اليونسكو: إذا كانت الحروب تتولد في عقول البشر ففي عقولهم يجب أن نبني حصون السلم. 
    إنكم أيها العلماء تقومون بواجب ديني وإنساني، لهذا فإن طموحنا هو أن نبين الطريق الأفضل في ظل وعينا بعصرنا ونضع الجسور، ونشرح أهمية السلم، لعل أحدهم أن ينظر إلى هذا الطريق ليسلكه أو أن يستمع إلى هذه الموعظة فيتأمل فيها. إننا في هذا المنتدى نبحث عن مسوغات السلم والعافية بدلا من مبررات الفتن والحروب الجاهلية التي يحشها الإعلام المجنون، نعوذ به تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. 
    نريد أن نؤكد بدهية أولى وهي أن السلم الاجتماعي أفضل من الاحتراب وأن الوئام خير من الخصام. فواجب العلماء هو شن حرب على الحرب؛ لتكون النتيجة سلماً على سلم، إنه واجب شرعي، وإنه خدمة لديننا، إنه من أعظم الخدمات وأفضل القربات؛ إذا خلصت النيات. 
    إنكم أيها المسؤولون الكبار الذين احتضنتم هذه الدعوة ودعمتم هذه الفكرة إنما تخدمون دينكم وأمتكم خدمة جليلة. فنسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. 
    إنَّ مسؤولية المرجعيات الدينية كبيرة في هذه الفترة بالذات، وإن التكلفة البشرية والإنسانية "لا يمكن أن تترك أي شخص متفرجاً بل يجب علينا أنْ نكون إطفائيين؛ والإطفائي لا يسأل عمن بدأ وإنما يحاول أن يطفئ الحريق، ومن الواجب شرعاً أن يقوم العلماء والحكماء ببذل الجهد لإطفاء نار الفتن، وللإصلاح امتثالاً للأمر الإلهي العظيم وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا في سورة الحجرات، حيث وردت خمسة أوامر فيها أمر "فَأَصْلِحُوا" ثلاث مرات، والعدل "فاقسطوا" الجهد لتحقيق ما يمكن من الإصلاح؛ إنه واجبنا الديني والأخلاقي. 
      وأنتم هنا تتهيؤون للقيام بهذا الواجب الشرعي الذي يتحتم على كل من يستطيع أن يسهم فيه ولو بكلمة أن يفعل ذلك. وندعو العلماء الحاضرين والغائبين عن هذا التجمع أن يتأملوا هذه الرسالة، وأن ينخرطوا في هذه المبادرة، فالعبرة في ذات القول لا في القائل، فرب مقصر في العلم والعمل مثلي ينطق بالكلمة من الحكمة فينتفع بها من هو أرسخ منه قدماً وأعلى كعباً. 
    ويجب أن أوضح ثلاثة أمور من خلال الإجابة عن ثلاثة أسئلة: 
    أولها: لماذا لا تبينون المحق والمبطل؟ـــــ حسب وجهة نظر القائل ـــــــ .
     والثاني: أين قضية فلسطين وقضايا الأمة الأخرى؟.
     والثالث: لماذا لا تتحدثون عن السلم العالمي بدلاً من السلم الإقليمي؟  
    فأقول: 
    أولاً: إننا لم نأت هنا لتنصيب محكمة لفصل الخصام وتوزيع الأحكام، لنحكم لزيد على عمرو أو العكس، وبالتالي لنستمع إلى أقوال الخصوم والشهود والمحامين، جئنا هنا لنقول كلمة بسيطة هي حكم وحكمة : "الدعوة إلى السلم حق".
    ولنا في ذلك سلف من أصول الشرع ومن عمل العلماء، فمن المعلوم أن القاضي، وهو المنتصب لفصل الخصومات يدعو إلى الصلح بعد أن تبين له الحق خوفاً من الفتنة، وهي الاقتتال. 
    ولعلنا هنا نُذكِر بمذهب مالك، فيقول ابن عاصم الغرناطي: 
    والصُّلحُ يَسْتَدْعي لهُ إنْ أَشْكَلاَ       حُكْم، وَإنْ تَعَيَّنَ الحقُّ فَــــــــــــــــــــــــلا 
     مَا لمْ يَخَفْ بنافِذِ الأحـــكــــــــــــــــــــــامِ           فتنةً أو شَحنا أولي الأرحامِ   
    ويقول خليل: "وَأَمَرَ بِالصُّلْحِ ذَوِي الْفَضْلِ وَالرَّحِمِ كَأَنْ خَشِيَ تفاقم الأمر" ومعنى تفاقم الأمر: الفتنة بين المحكوم عليه وله، فيجب على القاضي أن يأمرهما بالصلح دفعاً للمفسدة ولا يحكم بما تبين له من الحق. فكيف بمن ليس قاضياً ولا محكماً بل قصارى أمره أن يكون داعياً أو منادياً إلى الخير؟ 
       أما السؤال الثاني، فنحن لا نتنكر لقضايا الأمة الكبرى في فلسطين أو غيرها، ولكننا  نبحث عن تعزيز السلم داخل المجتمعات المسلمة، فمن لم يرتب بيته لن يستطيع أن يحقق شيئاً في القضايا الكبرى لا سلماً ولا غيره. 
    أما السؤال الثالث: فنحن عندما نتحدث عن المنطقة، نتحدث عن أولوية من حيث  الضرورة، ونعتقد أن السلم في هذه المنطقة سينعكس على العالم كله. نريد أن نرفع شعاراً واحداً يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ.
    ولكن ما الذي يمكن أن يقترحه العلماء والحكماء؟ بل ما الذي يمكن أن ينصح به النصحاء؟ 
    أيها القادة، أيها العلماء، والحكماء: 
    أنتم الناصحون للأمة، أنتم الإطفائيون، لبيتم هذه الدعوة، وتناديتم اليوم، وتداعيتم لتدارك هذا الأمر الجلل، والخطب الأجل مدعوون إلى التفكير لهذه الأمة، لمحاولة التدبر والتدبير، لمحاولة التبصر والتبصير، لمحاولة إيقاف لعبة التدمير، لذلك فإنكم ستتحدثون عن مقصد السلم الاجتماعي، عن أولويته على غيره في سلم المقاصد، وما يؤدي إليه إهماله تحت أية ذرائع من المفاسد؛ سواء كانت راجعة إلى الاصطفافات الطائفية والمذهبية أو المفاصلات الأيديولوجية والتي أدت بالأمة إلى نفق مظلم لا يلوح ضياء في نهايته، أو راجعة إلى إشكالية التكفير المتبادل أم آيلة إلى فتاوى التضليل وإباحة الدماء واحتكار الحق أو الديمقراطية أو الديكتاتورية. 
    إننا هنا نحاول أن نؤصل كيف؟ بدلاً من أن نقف مع لماذا؟ 
      فإذا كان سؤال: لماذا يتعلق بالسبب الذي يحمل قيمة الدعوى التي قد تكون الجور والظلم والكفر مقابل الإيمان والديمقراطية والحرية والحداثة، فإننا لاختصار المسافة نقول: إذا كانت المطالبة بالحق حقاً فإن البحث عن السلم أحق، وهو بحث قد لا يلغي أصل الدعوى، ولكنه سيغير وسائلها فما كل عدل أو حق أو إيمان أو طغيان يبرر وسائل أسوأ ونتائج أردأ. 
      تلك هي دعوتنا ودعوانا، وهي: أن ليس كل الوسائل مقبولة ومبررة لصاحب حق يدعيه أو صاحب دعوى يحاول إثباتها، لأن البحث عن السلم حق، بل هو أحق في كثير من الأحوال من الحقوق الحقيقية أو المزعومة، لأنه حق الكافة في الحياة والراحة في الحركة والسكون والسعي في مناكب الأرض، فلا يحق لأي طرف أن يحرمهم أو يتسبب في حرمانهم من هذا الحق. 
      وسنبدأ حديثنا عن "كيف" بمقدمة عن أولوية السلام على الحقوق الثابتة أو المزعومة مادية أو معنوية فردية أو جماعية دينية أو دنيوية،لأن الحقوق فرع عن السلام فلا ثبوت لفرع دون أصل. 
    إن المبررات الدينية، والمظلوميات المتبادلة، والحق الذي أشبه الباطل، والباطل الذي أشبه الحق أدخل العلماء في فضاء الشبه والاشتباه الذي يؤججه الإعلام الذي أربك الأفهام وأزل الأقدام، كل ذلك لن يكون مهماً إلا في ثاني حال. 
      هناك ثلاثة أسئلة مفاتيح: ماذا؟ لماذا؟ كيف؟.
    إن الجواب عن السؤال الأول لن يتطلب من مؤتمرنا هذا عناء، إن الواقع يقدم الجواب الفظ المر. إنه واقع الخصومة والاحتراب الذي أشرنا إليه آنفاً، وكل يوم نستمع إلى الشروح المختلفة والخطب الملتهبة لم نقتنع بأي تبرير لعملية الإفناء المتبادل بأدوات الموت التي اخترعها الإنسان فلنتجاوز سؤال لماذا أيضاً، لأنه سؤال السببية الباحث عن العلة، والسبب يجب أن تترتب عليه المسببات والتي ترتبت عليه في الواقع لكنها مسببات لا شرعية ولا عقلية فنحن لا نريد أن نبحث عن أسباب تنتهي إلى نتائج لا شرعية ولا عقلية ... بل نكتفي بقوله تعالى:قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ
    أولا- معنى السلم ومفهومه :
    فما هو السلم الذي نبحثه اليوم وعنه؟ فالسلم ككل كلي مشكك منه ما هو من صميمه، ومنه ما ليس منه قطعاً ومنه ما يتمارى فيه كما يقول أبو حامد. فعدم الحرب هو سلم، وهو حد أدنى إذا فسرنا الحرب بأنها مواجهة مسلحة بين مجموعتين للوصول إلى الغلبة، كما هو التفسير الغربي باختصار، فقيام الحرب ليس سلماً مطلقاً، ويبقى وجود تحرشات وخصومات هل يدخل في السلم أو لا لأنه ينذر بالحرب والكراهية والبغضاء، فهذا الذي يتمارى فيه. 
    لهذا يمكن تعريف السلم: بأنه حالة تسود فيها الطمأنينة النفسية والروحية والسكينة بين أفراد المجتمع لتنعكس على العلاقات بين الأفراد والجماعات، ليكون السلم الاجتماعي حالة من الوفاق تضمن بالدرجة الأولى الكليات الخمس ومكملاتها: المحافظة على الدين، النفس، الأموال، الأعراض، العقول. 
      وتتمظهر في التضامن والتعاون لإيصال النفع إلى الجميع ودرء الضر عن الجميع، وتتجلى في اللغة والسلوك والمعاملة، فلا عنف في اللغة ولا اعتداء في السلوك ولا ظلم في المعاملة. 
      السلم يُوجد بيئة الحب والسعادة والانتماء إلى الأمة والوطن والانخراط في مصالحه، وهو قبل كل شيء مصالحة مع الذات قبل أن يكون مصالحة مع الغير، إنه قيم ونعم لا يدركها إلا من ذاق طعم الحرب؛ كما قال عمرو بن معد يكرب: 
        مَن يَذُقِ الحَربَ يَجِد طَعمَهَا  *** مرا وتتركه بِجَعْجَاعِ 
    أو كما قال الأعشى: 
           أذاقتهم الحرب أنفاسها  *** وقد تكره الحرب بعد السلم 
    نتفق مع الفيلسوف سبينوزا عندما يقول: ليس السلم عدم الحرب وإنما السلم اتحاد الأرواح. فإن كلمة اتحاد الأرواح حكمة، والحكمة ضالة المؤمن، فاتحاد الأرواح يعني اعتماد قيم راسخة في النفوس تمثل السلم الاجتماعي، تجلب الطمأنينة وتنزل السكينة وتتشكل في مظاهر التضامن والتعاون والتعاطف والتجاوب في الأفراح والأتراح. 
     من تلك المعاني ومن خلال ظلالها المختلفة المتفقة والمتنوعة المنسجمة يمكن أن نختصر السلم بأنه تجنب للخصومة والحرب وسعي للألفة والحب، وبالتالي يمكن أن ينقسم إلى موقف سلبي وإلى موقف إيجابي ديناميكي، قد يذكر هذا بالتقسيم"الكانتي" الذي خصص الفصل الأول من مشروعه للسلم الدائم من الزاوية السلبية، والثاني للمقترحات الإيجابية، ومازالت بعض الدول الأوروبية تدرسه الآن في مناهجها التعليمية 
      إننا نجيب عن كيف قبل أن نجيب عن لماذا؟ لأن الإطفائي الذي يحاول إطفاء الحريق والإنقاذي الذي يحاول إنقاذ الغريق لا يسأل لمَ ؟ بل يسأل عن كيف؟ وهذا لا يعني إلا أن الإنقاذ والإطفاء أهم الآن.  
    إن هذا المنطق يعترف بأن لماذا التي ستكون في مقام متأخر قد تلغيها نتائج الإجابة عن كيف، أو تسهل معرفتها لمعالجتها من أجل السلام الدائم المعروف عند إيمانويل كانت، الذي ألف قبل 200 سنة كتابه "نحو السلام الدائم" لأوروبا في حالة مشابهة من الحروب
    .
    ثانيا- تأصيل السلم وإسهام الإسلام فيه تاريخياً
      بدون سلام لا حقوق، لأن فقدان السلم هو فقدان لكل الحقوق بما فيها الحق في الوجود! فالسلام هو الحق الأول والمقصد الأعلى الذي يحكم على كل جزئيات الحقوق، ومن خلال الاستقراء، الذي هو أوثق طريق لتأكيد المقصدية يمكننا أن نؤكد اليوم، أنه لا مقصد يعلو على مقصد السلم، والدليل على ذلك: 
    1 - إن السلام  هو اسمه تعالى وهو اسم جنته التي أعدها لعباده المؤمنين، وهو تحيته التي اصطفاها للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة على ألسنة أنبيائه، فاسمه الملك القدوس السلام المؤمن
    وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ، ويحيي أهل الجنة بالسلام سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ، وابراهيم يستقبل ضيوفه الملائكة بالسلام رداً على سلامهم قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ، ويقول لأبيه: سلام قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ ، وعيسى  يقول: إنه محفوف بالسلام وٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا .. وفي قداس المجد عند المسيحية: المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وللناس المسرة. وموسى مازالت تحيته في العبرية "شالوم" يقول لفرعون: فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِ‍َٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ . وأمر الباري جل وعلا عباده بالبحث عن السلام وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ، وأمر المؤمنين أن يدخلوا في بيت السلم يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ، ووصف عباده الأتقياء بالرد على الإساءة بالسلاموإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا، وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ   ونحن نسلم على نبينا والصالحين في صلواتنا كلها يومياً. 
    وهذه الآيات والآثار تشير إلى السلوك العملي الذي يقدم السلام على طلب الحق، ويجب أن لا يفهم السلام بأنه مجرد كلمة بل هو قول وسلوك وقيمة كبرى ومبدأ ثابت.  
    2 - تعلمنا سيرة النبي ﷺ حرصه على السلام وتقديمه له على الحقوق الأساسية، وهذه أمثلة عامة وخاصة. ففي صلح الحديبية يتحلل النبي وأصحابه من واجب العمرة إلى البيت بعد أن أحرموا من أجل السلام، وكان أصحابه على استعداد للدخول في الحرب للرد على المشركين الذين منعوهم من دخول الحرم لأداء واجب شرعي، ولكنه حاورهم وفاوضهم ووقع معهم اتفاقا كان بعض الصحابة يرونه مجحفاً بما فيهم عمر ، وكان علي هو الذي يكتب الاتفاق بين يديه منزعجاً، من اعتراض قريش على اسمه تعالى الرحمن الرحيم " وعلى  وصف محمد رسول الله بالرسالة فقالوا: لا نعرف الرحمن الرحيم، ولا نعترف برسالتك، اكتب اسمك واسم أبيك، فقال له النبي: امحُ. فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فأخذ الكتاب منه ومحا بيده الشريفة، إلى غير ذلك من الشروط التي تتضمن تسليم من أسلم ولجأ إليه من أبنائهم دون أن يسلموا أحداً.  لقد كان عمر يقول: لم نعطي الدنية في ديننا؟. إنها معاهدة عظيمة تعلمنا أهمية السلام ومآلاته المختلفة عن مآلات الحرب. وقد قال عليه:"والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". قال الخطابي في شرح هذا الحديث: (إن حرمات الله هي القتال في الحرم والجنوح إلى المسالمة والكف عن إراقة الدماء). 
    وقال النووي في شرحه لحديث الحديبية من صحيح مسلم: (قال العلماء: والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلها ودخول الناس في دين الله أفواجاً. وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي كما هي، ولا يحلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاؤوا إلى المدينة وذهب المسلمون إلى مكة وحلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي مفصلة بجنباتها ومعجزاته الظاهرة وأعلام نبوته المتظاهرة وحسن سيرته وجميل طريقته؛ وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازدار آخرون ميلاً إلى الإسلام فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب، قال تعالى: " إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا"، فسمى الباري جل وعلا ذلك الصلح فتحاً. 
    كل ما ذكر يدل على ثلاثة أمور: 
    - إن الفرصة التي يمنحها السلم للمصالح الدينية والدنيوية أنجع من الفرص التي تعد بها الحرب. 
    - إن السلم أرجح من الحقوق الجزئية. 
    - إن المفاسد المترتبة على التقاتل تفوق تلك المترتبة على التنازل. 
    وفي غزوة المريسيع (غزوة بني المصطلق)، لما كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، ونادى كل منهم باسم فريقه، اعتبرها الرسول دعوة جاهلية قائلاً: "دعوها فإنها منتنة". وتكلم رجال من المنافقين بكلام فيه إساءة شديدة، قال تعالى: يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ، فرحل النبي  في الهاجرة لوأد الفتنة في القصة المشهورة. 
    وحين انسحب خالد في غزوة مؤتة في معركة مع الروم سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فتحاً، "وأخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليه". 
    3 - ومن الأدلة على ذلك شهادته لسبطه سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما وأرضاهما بأنه سيد، لأنه سيتنازل عن حقه في الخلافة من أجل السلم. فقال رسول الله  كما تذكر الآثار في سيدنا الحسن: "إن ابني هذا سيد، وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". وكان تنازل الحسن لمعاوية بعد أن بايعه الذين كانوا مع أبيه علي رضي الله عنهما من أهل الحجاز والعراق، ومكث سبعة أشهر خليفة على العراق وما وراءه، قبل أن يصالح معاوية بتسليم الأمر إليه على أن يكون له من بعده وأن لا يطلب أحداً بتبعة، ودامت بينهما المفاوضات حتى أرسل معاوية إليه رقاً ليكتب فيه شروطه، وقال إنه ملتزم بها، وكان أصحاب سيدنا الحسن متحمسين لقتال أهل الشام، ولكن سيدنا الحسن قال قولته المشهورة: "والله ما أحببت أن ألي أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم   على أن يهراق في ذلك محمجة دم". 
    وكذلك لم يشارك أحد من أهل البيت النبوي الشريف في حرب الحرة ضد جيش يزيد، فقد نقل ابن كثير: عن أبي جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين رضي الله عنهما أن أحداً من آل أبي طالب وبني عبد المطلب لم يشارك في وقعة الحرة، وكان مع والده سيدنا زين العابدين في المدينة حرصاً منهم على السلم الأهلي.  
    4 -  من الأدلة على ذلك أن الإسلام سن المعاهدات فما كانت العرب تعرف إنهاء الحروب بالمعاهدات، فكانت تتفانى وربما استمرت الحرب بين القبيلتين عقوداً من الزمن، حيث دامت حرب البسوس أربعين سنة بين بني بكر وبني تغلب، وهما حيان ينتميان إلى أب واحد هو وائل. ووقع رسول الله عشرات المعاهدات مع مختلف الفئات والديانات لنشر السلم في جزيرة العرب كان آخرها عهودا في سفره إلى تبوك لتأمين الحدود مع الروم حيث لم يجر قتال؛ بل أعطى عهداً ليوحنه بن روبة صاحب أيلة أمنه على سفنه وقوافله في البر والبحر مقابل السلم، كما صالح أهل أذرح وأهل جربا، ولم يقع قتال ولا غنائم - حسب ما قاله صاحب السيرة الحلبية– . 
    وعظم سبحانه وتعالى شأن المعاهدات وجعلها تقوم على حسن النية والشفافية إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡ‍ٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ.
    وقد أرسى صلوات الله عليه، أسس السلام في صحيفة المدينة "دستور" في الداخل بين كل مكونات المجتمع مع اختلاف الديانات والأعراق، وأسس السلام الخارجي بتلك المعاهدات والاتفاقات في داخل الجزيرة وعلى حدودها. 
     واقتدى المسلمون في تاريخهم بهديه، في نشر السلم عن طريق الاتفاقيات والمعاهدات، فأبرموا أكثر من ألف اتفاقية ومعاهدة مع أوروبا خلال قرون عدة، وبذلك أسهموا تاريخياً في إرساء أسس السلم العالمي، كما أنهم كانوا يمثلون الجدار الحاجز بين الشرق والغرب، الذي حمى أوروبا في القرون الوسطى من موجة اجتياح المغول، فامتص الصدمات قبل أن يصبح المغول مسلمين.  
    5- ومن ذلك أن الإسلام ألغى قضايا الثأر الجاهلي، "وأن دماء الجاهلية موضوعة". وألغى مبادرة الأفراد والجماعات للثأر، وجعل ذلك للحاكم فقط، وجعل القتال الخارجي "الجهاد"، لا يقوم به إلا الحاكم لأنه لو قام به الأفراد لنشبت الفتن واضطرب السلام، فهو تدبير حكومي. 
    ومن ذلك ما فرضه الإسلام من الآداب الشرعية في العلاقة بين الوالد والولد من البر، والاحسان بالوالدين وحسن التربية للأولاد، وبين الحاكم والمحكوم من الطاعة للأول والعدل للآخر. 
    كل تلك الآداب لا تعتبر خنوعاً ولا مذلة ولكنها سلوك واع وأدب رفيع يسهم في تماسك المجتمع والسلم الاجتماعي وأنسنة العلاقات، التي لا تقوم على جدلية الصراع الهيغلي - المؤكد بأن التناقض هو المبدأ المحرك الحقيقي للعالم- ولكن على روح التسامح، لذلك  كان مبدأ العفو عن السيئة ومقابلتها بالحسنة ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ ، وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ من أهم المبادئ الخلقية لتعزيز السلم، ومعناها عمليا أنك لا تترك  حقك فقط، بل إنك تعفو عن من ظلمك،  وتصل من قطعك وتعطي من حرمك. 
    6 - ووضع الإسلام فقهاً متكاملاً لحل النزاعات بالوسائل السلمية العاقلة، تتمثل مفردات هذا الفقه في "كتاب الصلح"، وهو باب عظيم في كل كتب الفقه الإسلامي. 
    فقد عرفوا الصلح بأنه: معاقدة يرتفع بها النزاع بين الخصوم، ويُتَوصّل بها إلى الموافقة بين المختلفين. فهو عند أكثر الأئمة مندوب، وعند المالكية يكون واجباً إذا خيفت الفتنة والشر، فيعدل القاضي عن الحكم ويدعو إلى الصلح، كما أسلفنا. 
    وقد تقدمت مشروعية الصلح من الكتاب والسنة وإجماع الأئمة، وحكمته كما يقول الزاهد البخاري: هي أن الصلح رافعٌ لفساد واقع، أو متوقع بين المؤمنين، إذ أكثرُ ما يكونُ الصلحُ عند النزاع، والنزاع سبب الفساد، والصلح يهدمه ويرفعه، ولهذا كان من أجل المحاسن. 
    وأمر الله تعالى به في كثير من الآيات ودعا إليه في قوله: لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۢ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا . قال القاضي أبو الوليد ابن رشد: وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين.    
    فالصلح يكون في كل النزاعات والخلافات، كما سلف، ويكون مع كل الناس، سواء أكانوا دولاً أم أفراداً، ويكون في الخلافات الزوجية، كما يكون في الحروب الدولية أو الثورات الداخلية. وقد ذكر العلماء خمسة أنواع من الصلح حسب الطرف المشارك، والصلح يكون مع دولة معادية تختلف ديانة وسياسة، تدخل في حرب مع دولة مسلمة، ويسمى هدنة وعهداً  بنص القرآن الكريم. وبين الحكومة والخوارج "البغاة" الثوار وهو بنص القرآن، والصلح بين الزوجين خيفة الشقاق، والصلح في الجنايات، والصلح في الأموال.
    ومن مفردات هذا الفقه: 
    - التحكيم وهو: تولية حُكمٍ لفصل خصومة بين مختلفين، وهذه التولية قد تكون من القاضي، وقد تكون من قبل الخصمين، ويعتبر وسيلة لحل النزاع بواسطة طرف ثالث. 
    - الإبراءُ وهو عبارةٌ عن: إسقاط الشخص حقاً له في ذمة آخر أو قِبله. أما عن العلاقة بين الصلح والإبراء ، فلها وجهان أحدهما: أن الصلح إنما يكون الصلح بعد النزاع عادة، والإبراء لا يُشترط فيه ذلك. والثاني: أن الصلح قد يتضمن إبراءً، وذلك إذا كان فيه إسقاط لجزءٍ من الحق المتنازع فيه، وقد لا يتضمن الإبراء، بأن يكون مقابل التزام من الطرف الآخر، دون إسقاطٍ، ومن هنا: كان بين الصلح والإبراء عموم. 
    - العفو: ويكون في الدماء، فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ  .
     وهذه المصطلحات منتشرة في كتب الفقه في كل المذاهب، وهي مفردات فقه السلم، ولها آليات وآثار ونتائج، هي فض النزاعات بالحسنى، دون تدخل القضاء الذي قد يكون صعب التقبل. 
      أما قواعد فقه السلم وكلياته فهي: 
    * النظر في المآلات والعواقب. 
    * درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، 
    * اعتبار ترتيب التفاوت في المصالح، وتفاوت المفاسد، فيقدم الأهم على المهم، وهكذا للوصول إلى مرتبة الإلغاء. 
    كل هذه المظاهر وتلك الصور التي تتشكل أمامنا لبحث الإسلام عن السلم، باستقراء النصوص الشرعية ووقائع السيرة النبوية، يمكن منها استنباط مقصد أعلى هو مقصد السلم، الذي يجب تفعيله من خلال قيم واضحة هي: القيم الإسلامية والإنسانية. ومن خلال توضيح فقه السلم والمصالحة بمفرداته وقواعده وجزئياته وكلياته؛ ليرجح التعايش والانسجام ويصحح انحراف المفاهيم في بعض الأفهام، ويروج للمحبة والوئام، ويكبح جماح التكفير والتشهير والخصام، وذلك عن طريق وسائط الاتصال وقنوات التربية المتعددة، لتسود ثقافة العقل والفقه واعتبار المصالح جلبا والمفاسد درءا وسلوك الحكمة حتى يعيش المسلم بدينه في دنياه دون شعور بالاغتراب ولا تعرض للقلق  والحرج والاضطراب، وكل ذلك يدل على أن التراث الفقهي الإسلامي يحتوي على مادة ثرية وثرة لفقه السلم. 
    ثالثا- مفاهيم لخدمة السلم تتحول إلى ضده
    إن مسألة المفاهيم قضية في غاية الأهمية؛ ذلك أن المفهوم هو عبارة عن بناء مركب له دلالة تصورية تسمح بإصدار حكم قيمي. فكيف نصوغ هذه المفاهيم؟ ذلك هو التحدي الذي تقتضي الإجابة عنه، مراجعة المدلول اللغوي والشرعي، وكذلك المقاصد والعلل المولدة للأحكام، والواقع والبيئة التي هي مجال التنزيل.  
    إن المفهوم معرِّفٌ والمبدأ معلِّلٌ فالأول حدٌ والثاني مقصدٌ، وقد يعتمد الأول على الثاني، وذلك يفسر التداخل والالتباس، والمبدأ قد يحتاج إلى تعريف، ومعرِّفه هو المفهوم والحد. 
     فما هي المفاهيم التي يجب أن يصحح انحرافها ويقوم اعوجاجها؟ 
    تلك هي الأسئلة التي نحاول الإجابة عنها. 
    إن  جملة من المفاهيم كانت في الأصل تشكل سياجاً على السلم وأدوات للحفاظ  على الحياة، ومظهراً من مظاهر الرحمة الربانية، التي جاء بها الإسلام على لسان نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، فُهمت على غير حقيقتها وتشكلت في الأذهان بتصور يختلف عن أصل معناها وصورتها، فانقلبت إلى ممارسات ضد مقصدها الأصلي وهدفها وغايتها، فتحولت الرحمة إلى عذاب للأمة، اكتوى به المذنب والبريء واستوى في إشاعته العالم والجاهل. 
    ومن المعلوم أن المفهوم بناء مركب، فإذا اختل جزء من البناء، فقد خاصيته وبطل توظيفه، لأنه قد يأتي بعكس النتائج المرجوة كدواء اختل فيه عنصر أو وُصف من غير طبيب أو لمريض لا يلائمه. 
    تلك هي حالة الأمة إنها مريضة - كما يقول نيتشه: إن الحضارة تمرض وأطباؤها الفلاسفة -  فحضارتنا مريضة، ولكن الأدوية التي وصفت والعلاجات التي استعملت، مركبة تركيباً فاسداً فأهلكتها. 
    ولو تكلمنا بلغة أصولية لقلنا: إن الأحكام الشرعية التكليفية - الوجوب والندب والحرمة والكراهة والجواز- محاطة بخطاب الوضع، وهو الأسباب والشروط والموانع، ومن مجموع خطابيّ التكليف والوضع يتشكل المفهوم الصحيح: فإذا فككنا الارتباط بين الأوامر والنواهي، وبين الشروط توفراً والأسباب وجوداً والموانع انتفاءً، كانت الأحكام لاغية ومُخالفة للشرع.  كما أن انفكاك العلاقة بين المقاصد والغايات والوسائل والأدوات؛ إذ إن وسائل المقاصد السيئة سيئة، وأن لا يتوسل إلى المقاصد النبيلة إلا بوسائل نبيلة.    
    من هذه المفاهيم: 
    - مفهوم الجهاد. 
    - مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 
    - مفهوم تطبيق الشريعة.   
    - الولاء والبراء. 
    - الطاعة. 
    - الديمقراطية والحداثة. 
    ونحن في هذه الورقة سنكتفي بالإشارة إلى مواقع الخلل في توظيف هذه المفاهيم، دون شرح ولا بسط، اعتماداً على إدراك أصحاب الفضيلة. 
    1_ الجهاد بنوعيه الداخلي والخارجي ومبادرة الجماعات 
    وهو لغة بذل الجهد وفَاعَل هنا ليست للمشاركة، وإنما هي مبالغة مغنية عن المجرد  كسافر وجاوز. وفضل الجهاد وكونه ذروة سنام الإسلام أمر مفروغ منه، ولكن ما هو مفهومه وشروطه وأسبابه وموانعه، ومن هي الجهة المخولة للقيام به؟ 
    الجهاد ليس مرادفاً للقتال، ولكن بينهما نسبة العموم والخصوص، أي عموم من وجه، وخصوص من وجه. فليس كل جهاد قتالاً وليس كل قتالٍ جهاداً ولكن وباختصار قد يكون القتال أحد أفراد كلي الجهاد، إذ باستقراء النصوص الشرعية، يتضح أن الجهاد يشمل  كل القربات: فبر الوالدين جهاد "ففيهما فجاهد"، وطاعة الله تعالى جهاد، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داوود في سننه عن فضالة بن عبيد أن رسول الله قال: "والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله وجل". 
    وقد جاء في حديث ضعيف رواه البيهقي عن جابر أنه عند عودته من آخر غزوة تبوك قال: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". وفسره بمجاهدة الهوى.  
    وقد عرف ابن تيمية الجهاد بقوله: هو شامل لأنواع العبادات الظاهرة والباطنة، ومنها: محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر، والزهد، وذكر الله تعالى ومنه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، ومنه ما هو بالدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة والمال". 
     وقسم ابن خلدون الحرب إلى أربعة أنواع  وذلك حسب دوافعها قائلا: إن أصل جميع الحروب إرادة الانتقام، نوعان منها حروب بغي وفتنة: حرب المنافسة (التوسع)، وحرب العدوان التي تقوم بها الأمم المتوحشة. ونوعان عادلان: حربٌ غضبٌ لله تعالى ودينه وهي جهاد، وحرب على الخارجين عن السلطان- وهي حرب للعناية بالمُلك كما سماها- 
    والحربان العادلتان لا يقوم بهما إلا الإمام، أي: الحاكم، فمن يحارب الدولة المعتدية في الخارج ويُجَيش الجيوش، ومن يحارب البغاة في الداخل هو الحاكم، كما يقول القرافي المالكي في فروقه، وهو يتحدث عن تصرفاته، ملاحظا أن هذا النوع من التصرفات لا يجوز للأفراد أن يتعاطوه وإنما يقوم به الحاكم. 
      فالجهاد "القتال"هو دفاع عن حرية المعتقد أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ  وهو دفاع عن المستضعفين وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا، وهو رد للعدوان وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ.
    وأصل العلاقة مع غير المسلمين السلم والجهاد في أصل تشريعه هو البحث عن "السلم الدائم" ولهذا طلب من جميع المؤمنين أن يدخلوا في السلم يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ، وطلب منهم عندما يرون أي بادرة للسلم أن يقبلوها، وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ.
    كان كل ذلك في ظروف لا معاهدات فيها تجمع العالم ولا ميثاق، ولا توجد فيها وسيلة لإبلاغ الدعوة إلا بإسناد حربي، ولا توجد فيها حدود إلا بالقوة أو بعد المسافة ولا توجد فيها أسلحة إبادة شاملة. 
    وقد تغيرت كل هذه المعطيات، فهل يمكن أن يدعو مسلم يفهم نصوص الشريعة ومقاصدها إلى القيام بغزو الأمم؟ إلا أن يكون مُختل العقل جاهلاً بِحقائق الإسلام وواقع العالم. 
     إن مفهوم الجهاد في الأصل كان من أجل السلم والرحمة، وأن المفهوم اليوم قد يستعمله أشخاص في غير محله وخلافاً لأصله فيفسدون في الأرض فساداً كبيراً  لا يرضاه شرع ولا عقل.  
     2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتصرف الأفراد 
    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ من مبادئ نشر السلم في المجتمع المسلم، الذي لم يكن في أيامه ولا أيام خلفائه يعتمد على شرطة منظمة؛ ولكن يعتمد على ضمائر الناس وتعاونهم وتضامنهم، لحفظ النظام العام. قال تعالى: وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ، واستمر هذا الأمر ملزماً لهذه الأمة محاطة بالأسباب والشروط والموانع. 
    وهنا أيضاً توجد مشكلة قيام بعض الطوائف بممارسة العنف الجسدي في تغيير ما تعتبره منكرا، غير ملتزمة بالضوابط الشرعية ولا بتحقيق المناط. يقول ابن القيم: فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده، والثانية: أن يقلّ وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. 
    قال القاضي عبد الجبار في المغني: وقد اتصل بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكلام على الإمامة، ووجه اتصاله بهذا الباب أن أكثر ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقوم بها إلا الأئمة. 
    وفي حديث ابن عباس جاء رجل الى النبي، : فقال: كيف آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ولا تأخذني في الله لومة لائم؟. فقال: ليس ذلك إليك إنما إلى السلطان". ذكره أبو يعلى وابن الفراء. 
    فما تقدم محمول على قضايا يقتضي الإنكار فيها استعمال قوة ليست من صلاحية الأفراد أو يؤدي إنكارهم الى فتنة، وإلا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طبقاً لعموم الآيات والأحاديث، يسوغ لكل من فيه أهليته بشروطه الخمسة ومراتبه الثلاث، ودرجاته الأربع، وإهمال كل هذه الترتيبات والتراتبية يدل على خلل في إدراك المفهوم، وفي تنزيله على الواقع فينقلب من حفيظ للسلم الى مثير للفتنة. 
     3- تطبيق الحدود والتعزيزات الشرعية 
    من البديهي أن أوامر الشريعة لازمة التنفيذ، وأن كل ما يأمر به الله تعالى هو حق وعدل الى يوم القيامة، ولكن الإشكال هو في مفهوم تطبيق الحدود هل هو: أمر كالصلاة يتعلق بكل فرد ليقوم به بشروطه، أو كالصلاة على الميت تقوم به الجماعة، أو أنه نوع آخر من الواجبات له ضوابطه الشرعية لا يقوم به إلا الحاكم. 
    ولإيضاح ذلك نقول: إن القضايا الشرعية منها ما يتعلق أمر الشرع فيها بالأشخاص الطبيعيين، ويسمى بفرض العين، وعبروا عنه بأنه: ما تخص مصلحته الفاعل. وفيها (ما يتعلق بالمجتمع) ويسمى بفروض الكفاية، وعبّروا عنه بأنه: ما مصلحته تحصل بمجرد وقوعه، بغض النظر عمن قام به. وهذا ينقسم الى: ما يجوز لعامة الناس أن يقوم به كالصلاة على الجنائز، وتعلم العلم الزائد على فرض العين. ومنها ما لا يجوز للعامة أن يقوموا به، وهو الأحكام السلطانية، كإقامة الحدود والتعزيرات وإعلان الحرب والسلام بين الأمم، ومختلف التدابير العائدة على المجتمع بالفائدة؛ كنصب القضاة وتعيين الموظفين لجباية المال إذا وجد السلطان. 
    يقول إمام الحرمين: والتعزيزات آيلة إلى الإمام ومن ينوب عنه. وقال عن الشافعي: إن شاء الإمام عفا عنها، وإن شاء أقامها، حسبما يراه من المصلحة.- هذا معنى كلامه فليراجع في الغياثي. 
    ويقول عن الحدود: إن أمرها يرجع الى الإمام أيضاً، ولكن من المقرر أن ليس له الخيرة في إقامتها أو عدمه. 
    وهنا ننبه على مفهوم تطبيق الشريعة لنقول: إن المسلم عليه أن يتابع الشريعة، وأن لا يعدل عنها ولا يحيد، إذا ثبتت ورودا ودلالة؛ قال تعالى: ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ، وقال تبارك اسمه وتعالى جده وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ. 
    ولكن كيف يكون الإتباع؟ للإجابة عنه، فلنقل ما هي الشريعة؟ مع طي الأقوال والآراء الكثيرة حول المفهوم لغة واصطلاحاً. 
    نقول: إنها الإيمان " الاعتقاد"، وإنها الأحكام "العملية". 
    - دليل الأول: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ.
     - ودليل الثاني:  لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ ، فالشرعة الخاصة هي الأحكام العملية، ولهذا فإن المستوى الأول يدخل في دائرة الإيمان بكل ثابت، وهو تصديق الرسول  في كل ما ثبت عنه ثبوتاً قطعياً بدلالة قطعية، ونعني بالثبوت القطعي، أن يكون قرآناً أو حديثاً متواتراً سالماً من معارض قوي. ونعني بالدلالة القطعية أن يكون مفسراً عند الحنفية أو نصاً في مصطلح الجمهور لا يقبل التأويل. 
    أما المستوى الثاني: فهو الأحكام العملية، المحاطة بخطاب الوضع أسباباً وشروطاً وموانع، متفاعلة بأحكام التكليف. فهذه لا ينشأ عن عدم القيام بها خروج عن الملة إذا لم يقترن بإنكار أو جحد لقاطع كما عليه المحققون من علماء السلف والخلف. 
    ولهذا فإن تطبيق الحدود يدخل في الدائرة الثانية، إلا إذا خرجت من دائرة العمل إلى دائرة الاعتقاد، فكيف يحقق المناط في هذه المسألة درءاً للتكفير وإبعاداً لشبح الفتنة، بل وتجنباً للإثم؛ إذا صحت الأعمال وصلحت النيات.  
    إن من أفضل من تناول هذا الموضوع ابن القيم في"إعلام الموقعين" تحت عنوان: اختلاف الفتوى باختلاف المكان والزمان، فالمكان أرض العدو التي جعلها مناطاً لتأخير الحد أو تعطيله، واستدل عليه بالسنة وعمل الصحابة والإجماع والقياس. 
    أما السنة فحديث بسر ابن أبي أرطاة: " أن النبي نهى أن تقطع الأيدي في الغزو". 
    يقول ابن القيم: فهذا حد من حدود الله، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق لصاحبه بالمشركين حمية وغضباً، كما قال عمر، وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم. وقد نص أحمد، وإسحاق والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو. وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يُقام الحد على مسلم في أرض العدو. 
    قلت: ويؤخذ من هذا أن الحاكم الراعي لمصالح الدنيا والدين في مقام التنزيل يجوز له أن يعلق الحد أو القصاص إذا ترتبت عليهما مفسدة أعظم كما فعل عمر رضي الله عنه عام الرمادة في تعليق حد السرقة، وقال في غلمان حاطب بن أبي بلتعة الذين سرقوا: لولا أنكم تجيعونهم لأقمت عليهم الحد، وغرم حاطبا القيمة مضاعفة كما أوقف نفي المحكوم عليه في جريمة أخلاقية خوفاً من التحاقه بدار الكفر، وكذلك أجل علي رضي الله عنه القصاص لانتظار اجتماع الكلمة، وألغى سعد عقوبة شرب الخمر عن أبي محجن الثقفي. 
    والسؤال الذي نطرحه اليوم هو سؤال عن الواقع، ما هي درجة القلق في الكثير من البلاد المسلمة؟ وما هو استعداد الأفراد لقبول إيقاع العقوبة البدنية عليهم، وكيف يتأثر ولاؤهم للدين؟ وهل سيلتحقون بغير المسلمين؟.  
    وهل أوضاع بعض بلاد المسلمين تمثل شبهة لدرء الحدود بالشبهات؟ بناء على تشوف الشارع لدرئها كما في الحديث الذي رواه الحاكم، "ادرؤوا الحدود ما استطعتم" وحديث الذي قال: يا رسول الله إني أصبت حداً فاقم فيَّ كتاب الله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: يا نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال حدك". 
    وأحاديث الستر على النفس والستر على الغير" ياهزال لو كنت سترته عليه بثوبك لكان خيراً لك مما صنعت".
    وفي رسالة عمر بن عبد العزيز لبعض ولاته يأمر بالرجوع إليه في الصلب والقطع" رضي الله عنه " تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وفي رسالة أخرى: "ادرؤوا الحدود ما استطعتم بالشبهات، ولئن تَخطئ في العفو خير من أن تجاوز في العقوبة" .
    وختاماً: فإن وجوب إقامة الحدود في الظروف الاعتيادية لا غبار عليه، والاعتراف به والإقرار يدخل في دائرة الإيمان. أما إيقاعها على الناس فيدخل في دائرة العمل، والذي يقدر ذلك هو الحاكم يقول الشيخ تقي الدين ابن تيمية:  وقدر أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد. ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين  و"القدرة" هي السلطان، فلهذا: وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه. وقال أيضا: وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة. 
    وليس المراد من هذا أن نجامل الواقع لنعذر الحاكم أو المحكوم ولا نتجاهل الواقع لنُعذر.   فالمطلوب تحقيق المناط من الجهات المسؤولة المؤتمنة على البلاد والعباد، وليس بالضرورة أن يكون الفقيه، الذي لا يعرف جلية الأمر، ولا مآلات الأفعال ولا الإشكالات الداخلية، التي تقترب من الحرب الأهلية ولا التدخلات الخارجية التي أصبحت جزءاً من المعادلة في القرارات الوطنية. مع الإشارة إلى قاعدة "لا يسقط الميسور بسقوط المعسور"، ودليلها فاتقوا ما استطعتم"  ومعنى ذلك عملياً: - أن لا يعرو المحلُ عن عقوبة، لأن  الكلي العام هو العقوبة فلا يترك ما يمكن منه. 
    مسألة هامة على الجهات الولائية أن تحقق المناط فيها، وليس المفتي ولا الفقيه، الذي لا صلاحية له في تحقيق المناط في بعض القضايا، التي لا يدرك حقائقها ولا يتوقع مآلاتها. حتى لا يصبح تنزيل مفهوم تطبيق الأحكام الذي شرع من أجل السلم طريقاً إلى العنف والاحتراب؛ لأن بناء المفهوم لم يكن صحيحاً بل كان يتجاهل الشروط الموضوعية والواقع الزمني والإنساني، وهي عوامل تدخل في صياغة المفهوم شرعاً. 
    وبالجملة فإن تحقيق المناط إنما هو في بعض توجهاته تغليب لكلي قد يخفى في مقابل جزئي قد يكون أكثر ظهوراً بالنسبة للمتعاطي. وقد يكون موازنة بين مصلحة ومفسدة أو بين مصلحتين أو مفسدتين، وقد يسمى هذا النوع بارتكاب أخف الضررين أو اعتماد أصلح المصلحتين، أو درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. تلك الموازنات تدخل في تحقيق المناط، 
     قال الزقاق: 
    أخف مكروهين أو حظرين *** إن لم يكن بد كفي الضرين
                                                             قَدِّم،،،،،،
     4- الديمقراطية والحداثة 
      الديمقراطية أفضل السيئ - كما يقول بعض الغربيين- لا أحتاج إلى شرح مآثرها ومثالبها، إلا أن السؤال هو: هل التناقضات الجذرية بمعنى انعدام أرضية مشتركة يمكن أم تحل بطريقة الديمقراطية الغربية بعد تجربة حروب أهلكت ملايين البشرية؟ أم المفروض البحث عن مقاربات أخرى؟. 
    لا بد من علماء من مختلف الطوائف تتبنى فكر السلام الذي يرفض المغالبة والإقصاء وديمومة الخصام، ومن دون إلغاء فكرة الديمقراطية الغربية، التي تقوم على حكم الصوت الواحد، لكل فرد في البيئات المتهيئة لها، فإنه لا بد من إرفاقها بسلسلة من ضمانات السلام، لتكون عاملاً من عوامل السلام، وليست مفجراً وحافزاَ للحرب والخصام، والبحث الجاد عن عوامل العيش المشترك وتنمية المشتركات. 
    لقد قالوا عن الديموقراطية  كثيراً وثناء جميلا ومنه: إن الديمقراطية هي النظام الذي يعترف بالأفراد والجماعات بوصفهم ذواتاً، أي النظام الذي يحميهم. والديمقراطية تتحدد على نحو أوضح، بالأعداء الذين تقارعهم أكثر مما تتحدد بالمبادئ التي تدافع عنها. 
    ينبغي تجديد الديمقراطية لا بوصفها تغلُّب الجامع والشامل على الخصوصيات، بل بوصفها مجمل الضمانات المؤسساتية التي تتيح الجمع بين وحدة العقل الوسائلي وبين تنوع الذكريات، الجمع بين التبادل والحرية، فالديمقراطية هي سياسة الاعتراف بالآخر. 
    هذا أفضل ما يقال عنها إلا أن بعضهم يقول –الفيلسوف الفرنسي آلان باديو- : والحقيقة أن الديمقراطية لم تستطع أن تخفف حدة العنف داخل المجتمعات الغربية إلا بواسطة تحويل هذا العنف الى الخارج. 
    واستشهد على ذلك بحروب الغربيين في العالم ليقول: إنها كذبة أن نقول: إنه بفضل الديمقراطيات نحن نعيش في عالم بلا عنف، الديمقراطية لم تنه العنف بل صدرته إلى الخارج، لأنه إذا كانت ساحة ديمقراطية خاضعة للرأسمالية تريد البقاء عليها أن تكون ساحة رخاء نسبي. 
    ويقول الفيلسوف الألماني ليو ستراوس: إن الديمقراطية هي " استبداد العدد الأكبر"، وفعلاً فإنك ترى الأكثرية ولو كانت بنسبة قليلة من الأصوات المعبر عنها تستأثر بالحكم والثورة، والأقلية محرومة ومضطهدة وقد يدوم ذلك وقتاً طويلاً، حيث يستعمل الحزب الحاكم كل الوسائل للبقاء في الحكم. 
    ألا يحق لنا أن نوجد نظاماً مستوحى من مبدأ الشورى ومقصد العدالة الأعلى لإيجاد حل أفضل؟. ونعني بالديمقراطية والشورى، حقيقة النظامين لا الصور المزيفة والمنافقة، كتلك الانتخابات التي تمثل ديمقراطية الواجهة في بعض النظم العربية.  
    لا بد من البحث عن مقاربات كالشفافية الكاملة وحسن النية والعلانية، بمعنى أن أي طرف لا يريد استغلال انتصاراته لإنزال الأضرار المادية  أو المعنوية الدينية أو الدنيوية بأي طرف في الوطن، فلا استئثار ولا أثرة مع كل ضمانات العيش المشترك والتوافقات والتنازلات المتبادلة والبعد عن روح الانتقام، وادعاء تمثيل الحقيقة، وتقمص رداء الحق المطلق، والتمثيل التاريخي أو الزمني أو الديني للوطن، والوصول الى ميثاق عملي. 
    أما البيئات التي لم تكن أصلا مهيأة للديمقراطية، فقد تكون الديمقراطية فيها دعوة الى الحرب، لكن العدالة بمفهومها الإسلامي – المحافظة على الكليات الخمس والأمن من الظلم والحيف، وتنمية مكارم الأخلاق والسلم الروحي والمجتمعي، والاهتمام بتحسين طرق العيش والكرامة - هي الأسس التي يجب أن يُبحث عنها هناك اليوم، علما أن التكلفة البشرية والمادية للديمقراطية في مجتمع ليست له أرضية مشتركة قد تكون باهظة، وشريعتنا حريصة كل الحرص على صون الدماء، والمحافظة على قدر كبير من الوئام والصفاء. ولهذا فإن الإصلاح بدلاً من الثورة هو السبيل الأمثل والمنهج الأفضل، لأن الثورة تدمير بلا أفق وتدمير الإنسان ليس كتدمير البنيان، ذلك ما يقوله التاريخ. لهذا فمصطلح الإصلاح قد يكون أسعد لأنه مصطلح مألوف في الثقافة العربية الإسلامية. 
    فمفهوم الديمقراطية – التي يجب أن لا تكون ديانة - يجب أن يتم التعامل معه بتحفظ، كما أن مفهوم الحداثة هو الآخر يحتاج الى مراجعة، فالحداثة لا تعني التغريب والتحلل من الأخلاق، بل تعني أن نتمسك بثوابت الأصل، ونتواصل مع العصر في انسجام وتزاوج دون خصومة وصدام. 
     5- الطاعة 
    إن الطاعة التي يقررها العلماء – بناء على أحاديث صحيحة وآثار ثابتة وقواعد ومقاصد معروفة، أهمها، سد الذرائع وتجنب الفتن وسفك الدماء وضمان السلم واستمرار الاستقرار وتحصيل المصالح وتقليل المفاسد - يجب أن لا تُفهم على أنها استسلام للظلم من خلال الدعوة الى السلم، بل إنها التماس للعدل من طرق أقل ظلماً وأقرب رحماً، فالطاعة قد تكون تنفيذاً للقانون وهذه لا خلاف فيها، وقد تكون من باب التنازل عن حق ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ  الذي هو موقف أخلاقي قوي، وليس انهزاما يجعل الآخر في مواجهته، يراجع حساباته ويتراجع لشعوره بالنقص أمام الكمال والفضيلة، ليكون في النهاية ولياً حميماً للمتحلي بها، الذي سينال إعجاب الآخرين لأنه فعل ما لم تتوقعه النفوس الضعيفة الميالة إلى الانتقام. 
    إنه موقف متسام، موقف شريف ومقام منيف، هو مقام الأنبياء والأولياء. ولكنه أيضاً بحث عن طرق أكثر نجاعة في إصلاح الظالم، الذي يُنظر اليه بشفقة لأنه ضحية للأهواء. وهكذا فإن نظرية الإصلاح تتغلب على نظرية الجماح؛ إن من يسخر من الحديث عن الطاعة لم يدرك خمسة أمور: 
    - أولها: النصوص الواردة في ذلك، وأكثرها في صحيح مسلم، والذي بنوا عليه اتفاقهم الذي حكاه الحافظ ابن حجر وغيره. 
    - ثانياً: المقصد والغاية، وهو المنع من إراقة الدماء، وتعظيم حرمتها في الإسلام. 
    - ثالثاً: المحافظة على الجماعة، التي تربو مصلحتها على دفع المفسدة التي يراد تجنبها، كما قال هارون لأخيه موسى عليهما السلام إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي. 
    - رابعاً: المآلات المجهولة للفتن إذا نشبت. 
    - خامساً: الأمل في إصلاح الأمور في السلم أكثر من احتمال إصلاحها بالحرب والخصومة. إن الطاعة لها معنيان: معنى الامتثال وهي التي لا تكون إلا في المعروف، ومعنى الاحتمال وهذه بدون قيد إلا الكفر البواح. وهي: عدم الخروج المسلح من باب تسمية اللازم باسم الملزوم.. 
    ليست هذه مرافعة عن الظلم والجور، إنما هي مرافعة ضد المزيد من الظلم، فيصير المظلوم ظالماً إن لم يكن لغيره فإنه ظالم لنفسه. إن البيئات المتشنجة يجب أن تعالج الأمور فيها بالهدوء والتراضي، لهذا كانت الوصية النبوية "لا تغضب". 
     6- مفهوم الولاء والبراء 
    هو من المفاهيم التكفيرية الرائجة، ذلك أن الذين يعتمدون على هذا المفهوم لا يكلفون أنفسهم البحث عن مضمون هذا المفهوم ولا قيوده ولا بنوده، ولا يجمعون بين النصوص، بل لا يذكرون النصوص الداعية الى البر بالآخر، لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ، ولا تقسيم العلماء لمراتب الولاء كالفخر الرازي في تفسيره، وابن العربي المالكي في أحكامه، فأرهقوا الأمة وحرفوا هذا المفهوم الذي كان عاملاً للسلم؛ لأنه كان ولاء للدين وبالتالي فهو للوطن ليصبح طارداً وإقصائياً. قال الإمام أحمد: الولاية بدعة والبراءة بدعة فاحذروا منه، كما في رواية الأصطخري. وقد شرحنا ذلك في كتابنا "صناعة الفتوى وفقه الأقليات
    ".
    رابعا- فقه السلم وقيمه
    بقدر ما يكون المجتمع متمسكاً بقيم أخلاقية مشتركة يكون انسجامه وتعاونه وإيجابيته في الحياة، وبقدر ما لا يتبنى قيماً – بحيث يتجرد  من أي نظرية متسامية الى الحياة- تتدهور علاقته مع الآخر؛ لأنه لن يهتم إلا بمصلحته، أو يتبنى قيماً سلبية تقوم على المطلق بلا حدود في التصرف ليتصور – من حيث لا يدري- هو ذاته المطلق، فلا مقيدات النصوص تقيده، ولا مخصصات العموم تخصصه، ولا مقتضيات المصالح والمفاسد وكليات المقاصد والقواعد تسدده، فيشن الحروب بلا ضوابط، وهذا ما تمثله الأصولية مهما كانت الديانة التي تتدثر بردائها، والمعتقدات التي تتسربل بكسائها، ويتمظهر في منظمات العنف، وتيارات العدوان والعنصرية. أما قيم العقل والعدل والاعتدال والوسطية، فهي التي تحيي الإنسانية وتبث روح المحبة. يجب إحياء قيم المصالحة والمسامحة وليس قيم المغالبة والمضاربة، قيم السلام والوئام بدلاً من الخصومة والصدام. 
    إن قيم الصراع والنزاع ليست قيماً إسلامية ولو حاول البعض أن يكسوها لباس التقوى، إنها قيم غربية هيجلية، فهيجل هو الذي كان يرى أن التدمير هو أساس التعمير- الكلمة المترجمة من الألمانية الى الفرنسية- وأن المجتمع لا يقوم إلا على صراع العبد والسيد. 
    أما قيمنا فتقول إن بناء الثقة في النفوس والمحبة في القلوب هو الأصل، فقد ترك عليه الصلاة والسلام الكعبة ولم يهدمها لكي يبنيها على قواعد إبراهيم كما كان يود تأليفاً لقريش. ولما أراد الخليفة العباسي هدمها وبناءها على مقام ابراهيم نهاه مالك رحمه الله قائلاً: لا تجعل هذا البيت لعبة للأمراء، ولم يهدم وخلفاؤه كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار- والكلام لابن القيم-، ولما ولي الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز الخلافة وقد قل الفقه كتب الى ولاته: لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار. فالتدمير ليس قيمة إسلامية وإنما هي قيمة ناشئة عن جهل وتعصب غير محمود. 
    ولعل مثل السفينة يمثل حالة المجتمع المتضامن: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً".

    فما هي إذاً هذه القيم؟
    1- التعاون والتضامن: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ.
    2- إصلاح ذات البين: وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ.
    3- الأخوة الإنسانية والتعارف: يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ  ، هو أصل العلاقة وليس التغالب كما في الجدلية الهيغلية التي تقوم على المغالبة الدائمة بناء على ما سماه نظرية "السيد والعبد". 
    4- الحكمة: وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ .
    5- المصلحة: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ  .
    6- العدل: إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ .
    7- الرحمة: وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ  .
    8- الصبر: إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ  .
    9- قيمة التسامح الذي يعني اتساع الصدر والتماس العذر ومعرفة مراتب النهي والأمر. فاتساع الصدر يعني قبول ظاهرة الاختلاف، وفي وصايا المقري: تعلم الخلاف يتسع صدرك، فإذا عرف اختلاف العلماء وتباين مداركهم وتفاوت آرائهم اتسع صدره. 
    وإذا تعامل معه غير باحث عن الظهور والغلبة، ولكن عن الحقيقة غير مستعمل الوسائل اللفظية النابية متواضعا غير متعال ولا متعالم. ولعلنا هنا نذكر أنموذج الشافعي رضي الله عنه، قال يونس الصدفي: "ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة"، وقال: ما ناظرت أحداً إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإذا كان الحق معه اتبعته. 
      ومعنى قبول العذر أن لا تحمل من يخالفك على أنه كاذب، بل تحمله على محمل مقبول، كما في حكاية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مع ابن عمر رضي الله عنهما: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن ولكنه لعله أخطأ أو نسي".  "ما عبر الجسر أعلم من إسحاق، وإن كنا نختلف فما زال الناس يختلفون"، كما قال أحمد بن حنبل رحمه الله، أما معرفة مراتب النهي والأمر فهي أن تعرف أن النهي مراتب في الشرع، منه الحرام والكراهة، وأن تعرف أن المنكر مراتب، والأمر مراتب بالمعنيين السابقين كما أسلفنا.  
    10- قيمة الحب:  الحب قيمة، وهو محبة الخير للآخرين.  وهو محبة الله تعالى الذي هو أصل النعم، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي جعله مظهر الرحمة والكرم، ومحبة الناس الذين هم مجال الابتلاء، وفي الحديث "أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه"،  وفي رواية : "أن يحب للناس ما يحب لنفسه". 
    11- قيمة الحوار: وقد رسخ المسلمون هذه القيمة من خلال ما يعرف بآداب المناظرة. اذا لم ترسخ ثقافة الحوار فقد يصبح المجتمع أنانيا ينغلق فيه الأفراد والجماعات، كُلُّ حِزۡبِۢ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ  ، ويصدق فيه الحديث النبوي: "اذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك واترك أمر العامة".  
    12- قيمة الوسطية: وهي تمثل نوعاً من النسبية، التي هي سنة من سنن الكون والحياة، الوسطية في السلوك، الوسطية العلمية بين الظاهرية الحرفية والتأويلية المحرفة، إنها الاعتدال كما سماها الشاطبي.
    خامسا:  مسألة التكفير وفوضى الفتوى في زمن الفتنة
    لا بد من الإشارة الى عاملين من عوامل التحريض على الفتنة هما: فشو التكفير، وفوضى الفتوى. 
    إن التكفير هو إصدار حكم شرعي على شخص، أو جماعة بالكفر سواء كان أصليا أو حادثاً، وقد حذر منه سبحانه وتعالى فقال: وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا 
    .
    وفي الأحاديث الصحيحة النهي الشديد والوعيد لمن يرمي غيره بالكفر، فقد روى البخاري وأحمد: "من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله":إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". والأحاديث بمثل هذا المعنى كثيرة، وما ذلك إلا لما يستلزمه الكفر من النتائج الخطيرة التي من جملتها إباحة الدم، والمال، وفسخ عصمة الزوجية، وامتناع التوارث، وعدم الصلاة عليه، ومنع دفنه في مقابر المسلمين، وغيرهما من البلايا والرزايا نعوذ بالله منها. 
    هذا وقد اختلف العلماء في مسائل التكفير وتبادلت الطوائف تهمته بحق أو بغير حق، إلا أنه بسبب ما ورد فيه من الوعيد حذر أشد التحذير من التكفير جماعة من  العلماء حتى قال الإمام السبكي: "ما دام الإنسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فتكفيره صعب". 
    وقد بالغ الإمام أبو حامد الغزالي حتى نفى الكفر عن كل الطوائف فقال: هؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد، والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين الى القبلة المصرحين بالتوحيد خطأ. 
    وفي جامع الفصوليين روى الطحاوي عن أصحابنا: "لا يخرج الرجل من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه، ثم ما تيقن أنه ردة يحكم بها، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها؛ إذا الإسلام الثابت لا يزول بالشك، مع أن الإسلام يعلو وينبغي للعالم إذا رُفع اليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام مع أنه يقضي بصحة الإسلام المكره". 
    وفي الفتاوى الصغرى:"الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدت رواية أنه لا يكفر". 
    وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه، فعلى المفتي أن يميل الى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم، زاد في البزازية: إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل، وفي التتار خانية: لا يكفر بالمحتمل؛ لأن الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية والاحتمال لا نهاية معه". 
      وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في الفتاوى: وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أن ليس كل من قال قولا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفاً للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع، لكن للناس نزاع في مسائل التكفير قد بسطت في غير هذا الموضع-والمقصود هنا- أن ليس لكل من الطوائف المنتسبين الى شيخ من الشيوخ أو لإمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم، بل في الصحيح عن النبي أنه قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". 
    وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري عن النبي قال: إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة، لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقاً أدخل الله بها الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت ماله ودمه ولقي الله غداً فحاسبه". 
    فلا بد من التفكير في مشكلة التكفير، إن أهم قضية يجب أن يتداول حولها العلماء والمفكرون هي مسألة التكفير المتبادل؛ لأن التكفير هو مفتاح الشرور، لأنه مدخل استباحة الدماء والأموال والأعراض، وأي وطن ينتشر فيه داء التكفير فإن جسد وحدته سيتلاشى، وجدار بنيته سيتداعى وينهار. 
    الجسد والبنيان هما مثالان للمجتمع المتماسك في الإسلام:" مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبّك بين أصابعه. 
    وعندما نحذر من التكفير فإن هذا لا يعني أن غير المسلمين تستباح دماؤهم وممتلكاتهم؛ بل إنّ كل النفوس مصونة ولا يحق لأحد أن يعتدي عليها، وكلما ورد مما يفهم منه خلاف ذلك فهو متعلق بالرد على العدوان والإجرام ويستوي في ذلك المسلم وغير المسلم
    .
    سادسا: مسألة الفتوى في زمن الفتنة
    والفتيا اصطلاحاً: "تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه". قال القرافي: إنها إخبار عن الله تعالى، فالمفتي كالمترجم، وعرفها الزقاق في المنهج بعد تعريف الحكم: 
    ..........................        ورَسْمُهَا: إخبار من قد عرفا
           بــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأنه أهلٌ بحكمٍ شُرِعا     والحكم وهي في ســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــواه
    فالفتوى لها شأن عظيم في الإسلام، فهي خلافة للنبي في وظيفة من وظائفه في البيان عن الله تعالى، فبقدر شرفها وأجرها يكون خطرها ووزرها لمن يتولاها بغير علم، ولهذا ورد الوعيد، ففي حديث الدرامي عن عبيدالله بن جعفر مرسلا:"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار". 
          ولعظيم خطرها ضمّن العلماء غير المجتهد إن انتصب؛ أي ضامنا لما أتلفه من نفس ومال. قال الزرقاني في شرحه لخليل: لا شيء على مجتهد أتلف شيئاً بفتواه، ويضمن غيره إن انتصب، وإلا فقولان، وأغلظ الحاكم على غير المجتهد، وإن أدبه فأهل، إلا أن يكون تقدم له اشتغال فيسقط عنه الأدب وينهى عن الفتوى إذا لم يكن أهلاً. 
      قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم "المفتين" كما فعل بنو أمية وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس الى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟. 
    أما البيئة التي تتجلى فيها هذه الأحكام، فهي الواقع الذي بفهمه وفقهه واستنباط حقيقته؛-حسب عبارة ابن القيم- يتهيأ المحل لتنزيل الحكم. فالواقع هو الأرضية بالتعبير المعاصر لتحقيق المناط. 
    ولأن الواقع هو مرآة المصالح والمنافع التي تجلب، والمفاسد والمضار التي تدرأ، فهو إذاً البيئة الحقيقية باعتبار ذلك المقصد الأعلى الذي تذود الشريعة عن حياضه وترد إليه المقاصد. 
    إن إهمال هذه المنهجية إفراطاً أو تفريطاً أو الإخلال بها يؤدي الى أخلال كبيرة، توقع أحياناً في تضييق شديد وحرج لعدم اقتدار المتعاطي على فتح الأبواب وولوج السُّبل الموصلة الى مقاصد الشرع والميسرة على الخلق، وفي الوقت نفسه المنضبطة بضوابط الاستنباط. 
    ولهذا فيمكن ترتيب قضايا الإفتاء في ثلاث درجات هي : أ، ب، ج. 
    ففي"أ" القضايا المعروفة التي يحتاجها الفرد كل فرد ويعلمها أكثر الناس لأنها مما علم من الدين ضرورة كالصلاة والصوم. 
    وفي "ب" القضايا المستجدة كقضايا المعاملات المعقدة والشركات وغيرها من القضايا الجديدة، وهذه تفتي فيها لجان متخصصة. 
    وقضايا "ج" وهي قضايا فروض الكفايات وبخاصة السلطانية عند الفقهاء: كقضايا الجهاد والحرب والسلم وأنظمة الحكم. وهذه لا يفتي فيها إلا المجامع الفقهية أو الجهات الرسمية المكلفة من قبل الدول المعنية بالفتوى لما قد يترتب على ذلك من المفاسد وتهديد السلم في المجتمعات المختلفة
    .
    الكلمة التأطيرية
  • بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
    البيان الختامي للملتقى الأول لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة
    أبو ظبي 07- 08 جمادى الأولى 1435 هـ/  09- 10 مارس 2014 م
    بناء على حالة الاضطراب والاحتراب التي تسود مجتمعات كثيرة من الأمة الإسلامية وما تخلفه كل يوم بل وكل ساعة من دماء وأشلاء ؛ فلا يعرف القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم سفك دمه؛ حتى صار دم الإنسان المكرم في سائر الملل أهون شيء في واقعنا ، وصار الإرهاب تهمة ملازمة للإسلام والمسلمين. 
    ونظرا لاتساع نطاق استباحة حرمة الأنفس والأعراض والأموال في الأمة، وفداحة مخلفاته على أمنها النفسي والاجتماعي، واستنزافه لطاقاتها البشرية والاقتصادية؛ مع غياب أي بصيص لنور الفرج -بموازين الأسباب البشرية- في آخر هذا النفق المظلم. 
    واعتبارا لنذر بدأت تلوح في الأفق باحتمال تفتيت جسم الأمة وإعادة تقسيمها من جديد على أساس تجزيء المجزأ وتقسيم المقسم؛ والعهد بذلك قريب في أطراف منها؛ مع كثرة الطامعين والمتربصين وقابلية الأطراف المتصارعة إلى الاستقواء بمن يعينها ولو على حساب مصلحة الأمة ومصيرها. 
    وتقديرا لكون خفض حرارة جسم الأمة تفاديا لانفجارها أضحى واجبا شرعيا لا يحتمل التأجيل، وأن ما تحتاجه الآن هو أن يقوم فيها إطفائيون، لا يسألون عمن أوقد الحرائق؛ بل همهم الوحيد كيف يكون إطفاؤها؛ حتى يتعافى جسد الأمة مما يهيضه ويرهقه. وإلا فإن تنازع البقاء يؤدي إلى الفناء.
    ولما كان داء الأمة الذي يهددها بالانفجار اليوم هو غياب السلم؛ مع أن نعمة السلم تضافرت نصوص الشريعة الثابتة، وقواعدها الراسخة على كونها مقصدا أعلى، وتواترت الأخبار على أن تحقيقها كان محور الممارسات النبوية، ومجال تأصيلات أئمة الأمة الإسلامية.
    وإدراكا لحقيقة أنه لم تعد هناك قوة في العالم قادرة على فرض السلم على أي مجتمع من المجتمعات إلا إذا تلمس طريقه إلى السلم باقتناع ذاتي من أبنائه ومبادرة جدية ومسؤولة من نخبه وحكمائه وعقلائه.
    ورجاء أن تكون مبادرة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة، ويتشوف أصحابها إلى أن يكونوا من أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض؛ لا بحثا عن خصومات فكرية أو طائفية أو سياسية؛ بل إشفاقا ونصحا للأمة بكل مكوناتها من عواقب ما تقدم تفصيله. 
    واستحضارا للنصوص الشرعية التي تضافرت وتظاهرت على تحذير المسلمين من الاقتتال وسوابقه ولواحقه، وعلى وجوب الإصلاح بينهم طلبا لتحقيق السلم، وعظم قدره في مراتب الأعمال؛ كقوله سبحانه وتعالى ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم – الأنفال 61) وقوله ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا- النساء 94) وقوله ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما- النساء: 114) وقوله (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين- الأنفال: 01) وقوله (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم – آل عمران:104-105)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا : بلى ، قال : إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة؛ لا أقول تحلق الشعر؛ ولكن تحلق الدين"\، وقوله في معرض الثناء عن سبطه الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما " إن ابني هذا سيد؛ ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
    وبدعوة كريمة ورعاية منيفة من سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة ، ورسالة من فضيلة العلامة الشيخ عبد الله بن بيه رئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد، وتعاون وتواصل مع فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب.
    وتحت شعار قوله تعالى ( ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة- البقرة: 208) التأمت في أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة يومي 07- 08 جمادى الأولى 1435هـ/ 09-10 مارس 2014م ثلة من علماء الأمة ومفتيها ومفكريها ووزراء الشؤون الإسلامية ومسؤولي الهيآت العلمية الشرعية فيها في" منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" أول منتدى شرعي علمي حول السلم ينعقد في العالم الإسلامي ليتداولوا الرأي في تشخيص أسباب الأزمة وفي سبل إيقاف نزيف الأمة.
    وقد انتظمت بحوث المنتدى ومناقشاته في أربعة محاور كبرى هي: 
    1-  القيم الإنسانية والعيش المشترك.
    2-  تصحيح المفاهيم.
    3-  الفتوى في زمن الفتن.
    4- إسهام الإسلام في السلم العالمي.
    وعكفت البحوث – التي ناهزت الثلاثين- والمناقشات مسترشدة بكلمة راعي المنتدى سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وكلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، والكلمة التأطيرية للعلامة الشيخ عبد الله بن بيه على تحليل الأصول الفكرية والحالة الثقافية التي أفرزت التلاشي التدريجي لقيم السلم والتعايش في الأمة؛ مع تلمس سبل العلاج بتحرير المفاهيم وتصحيح التصورات بناء على نصوص الشرع ومقاصده وتراث الأمة في تأصيل السلم تنظيرا وتنزيلا ورصيد البشرية وحكمتها في هذا المجال. 
    وقد خلص المنتدى بتوفيق الله عز وجل إلى النتائج والتوصيات التالية:
     
    الـنـتـائـج:

    أولا: في مفهوم السلم المتشوف إليه:
    السلم حالة تسود فيها الطمأنينة النفسية والروحية والسكينة تضمن الكليات الخمس ومكملاتها: المحافظة على الدين، النفس، الأموال، الأعراض، العقول، وتتمظهر في التضامن والتعاون لإيصال النفع إلى الجميع ودرء الضر عن الجميع. وتتجلى في اللغة والسلوك والمعاملة. 
    ثانيا: في الوعي بخطورة الوضع الحالي للأمة:
    1- التحذير من انفجار الأمة، مما يوجب على الجميع التنازل والتحاور تخفيفا لحرارة جسدها.
    2- التشديد على الضرورة الملحة والعاجلة لإعادة ترتيب البيت الإسلامي وإصلاح مكوناته أفرادا وجماعات ومؤسسات.
    3- التأكيد على الحاجة الماسة إلى تقوية المناعة الذاتية للأمة ضد التطرف والعنف الناشئ داخلها كيفما كان اتجاهه ومصدره.
    4- التذكير بأن المسلمين كانوا يواجهون التحديات والتهديدات بتماسكهم الداخلي واعتصامهم بحبل الله جميعا، وأن انخرام الوحدة وتشتت الصفوف وشيوع الكراهية وهدر الأرواح والأموال يزيد المسلمين ضعفا فوق ما هم عليه من ضعف علمي واقتصادي، ويغري بهم الطامعين والمتربصين .
    ثالثا: في المفاهيم صحيحها وسقيمها:
    1- إننا في عصر قيم كبرى تتداول وتوظف لتكون عامل بناء وتشييد أو لتصير معول هدم وتبديد. ومن ثم كان العكوف على تحرير المفاهيم وتصحيحها وإزالة الالتباس عنها مدخلا لا غنى عنه للعلاج.
    2- إن جزءا كبيرا مما تعيشه الأمة اليوم من فتن مرده إلى التباس مفاهيم شرعية لا غبار عليها في أذهان شريحة واسعة من المجتمعات المسلمة كتطبيق الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وطاعة أولي الأمر.....
    3- إنّ المفاهيم المتقدم ذكرها كانت في الأصل سياجاً على السلم وأدوات للحفاظ على الحياة ومظهرا من مظاهر الرحمة الربانية التي جاء بها الإسلام على لسان نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم. فلما فهمت على غير حقيقتها وتشكلت في الأذهان بتصور يختلف عن أصل معناها وصورتها انقلبت إلى ممارسات ضد مقصدها الأصلي وهدفها وغايتها، فتحولت الرحمة إلى عذاب للأمة اكتوى به المذنب والبريء واستوى في إشاعته العالم والجاهل.
    4- إن من أسباب ذلكم الالتباس: 
    أ‌- فك الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع.وبما أن خطاب الوضع هو الأسباب والشروط والموانع التي تكيف تنزيل خطاب التكليف؛ فإن هذا الأخير لا يتصور في الواقع إلا منزلا على خطاب وضع.
    ب‌-  غموض العلاقة بين الوسائل والمقاصد.
    ت‌- ضمور القيم الأربعة التي تقوم عليها الشريعة، وهي: الحكمة والعدل والرحمة والمصلحة.
    5- إن التربية والتعليم هما مستقبل الأمة وأملها لأن ما تكتوي بناره اليوم هو حصيلة تفشي الأمية من جهة وعجز نظمنا  التربوية من جهة ثانية عن إخراج المسلم الذي يبحث عن الحكمة أنى وجدت، ويحمل رسالة الحب لعيال الله، ويوقن أن الرأي قبل شجاعة الشجعان.
    6- إن الوضع الأمثل والأعدل هو حرص أولياء الأمور على قيم العدل والكرامة الإنسانية ما وسعهم ذلك وتفهم النخب العلمية والفكرية والسياسية لإكراهات أولياء الأمور ما وسعهم ذلك لأن هذا أضمن وأبقى وسيلة للسلم.
    7- إنه يلزم التذكير دفعا لأي شكل من أشكال الالتباس بأن سعي المسلمين في بلدانهم لإقامة الدين كله وإصلاح ما فسد من أحوالهم أمر مشروع باق ما بقي التكليف؛ شرط مراعاة ضوابط الشرع نفسه في فقه التنزيل.  
    8-  إن حقوق المسلمين التي أوجبها لهم الشرع أو ضمنتها لهم الدساتير والقوانين هي حقوق ثابتة ما لم تحل دونها أولويات السلم وشروط الشرع نفسه في تحصيل الحقوق. 
    9- إن السلم من أعلى مقاصد الشريعة الإسلامية لكونه ضامنا لحفظ كل المقاصد الضرورية وما يتفرع عنها من مراتب المصالح؛ وهو ما نطقت به نصوص الشرع وشهدت له التصرفات النبوية وسار عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن اقتفى أثرهم من السلف الصالح. ومن ثم فإن الإذعان لأولوية السلم على غيره من المصالح فريضة شرعية قبل أن تكون اعتبارا بالتجارب الإنسانية واستفادة من الحكمة البشرية.
    10- إذا كانت المطالبة بالحق حقا، فإن البحث عن السلام أحق.
    11- إنه لا حقوق بدون سلام: لأن فقدان السلم هو فقدان لكل الحقوق؛ بما فيها الحق في الوجود! فالسلام هو الحق الأول والمقصد الأعلى الذي يحكم على كل جزئيات الحقوق.
    12- إن منظومة السلم: فقهاً وقيماً ومفاهيم، لا تستهدف غمط الحقوق ولكنها تتغيى الوصول إليها بطرق أكثر سدادا ووسائل أقرب رشاداً، أقله أن الوقت الذي يضيع في المحاربة والمغالبة لو استعمل بشكل عقلاني في جو {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ- فصلت:34} لأعطى نتائج باهرة ترضي كل الأطراف؛ وقد تحظى برضا الله سبحانه وتعالى؛ لأنها صانت الدماء والأموال والأعراض وقللت الكراهية وألفت بين القلوب.
    13- إن كل المفاهيم التي يستند عليها في غير حالة الدفاع الشرعي عن النفس لتسويغ مشروعية العنف والاقتتال بين المسلمين كتطبيق الأحكام الشرعية وتغيير المنكر والجهاد وقتال البغاة... مما هو داخل في خطاب التكليف هي مفاهيم ضبطها الشرع نفسه بخطاب الوضع أي بضوابط التنزيل والتطبيق حتى لا تكر على مقصد السلم بالإبطال. فمن أراد تطبيق الشرع فليحذر من فصل خطاب التكليف عن خطاب الوضع. 
    14- إن حسن النية لا يسوغ التوسل إلى الهدف -مهما كان نبيلا- بالاحتراب ونشر البغضاء والشحناء؛ لأن الهدف النبيل يجب أن تكون وسيلته نبيلة، فلا يجوز التذرع بالوسائل السيئة للوصول إلى مقاصد حسنة في اعتقاد المتذرع.  
    15- إن  الإسلام وضع فقهاً متكاملاً لحل النزاعات بالوسائل السلمية العاقلة. تتمثل مفرداته في كتاب الصلح . والصلح مُعَاقَدَةٌ يرتفع بها النِّزَاعُ بين الخصوم، ويُتوصَّل بها إلى الموافقة بين المختلفين.وهو باب عظيم في كل كتب الفقه الإسلامي.
    16- إن المنظومة الحوارية التي اشتمل عليها التراث للوصول إلى نوع من الرضى والتراضي من قبيل الحوار لإبرام "عقد الصلح" وما أحيط به من الضمانات بالإضافة إلى توسيع مجالات توظيفه ليشمل كل ما يمكن أن يتصور من نزاع وخلاف بدءا من الخلاف العائلي إلى النزاعات الدولية، بمختلف الأدوات من تحكيم أو إبراء أو عفو، يمكن أن تعتبر من أغنى المنظومات التشريعية والأخلاقية. 
    17- إن قواعد فقه السلم وكلياته هي:
     أ- النظر في المئالات والعواقب 
    ب-  درء المفاسد مقدم على جلب المصالح 
    18- اعتبار ترتيب التفاوت في المصالح وتفاوت المفاسد فيقدم الأهم على المهم.
    19- إن فروض الكفايات تنقسم إلى ما يجوز لعامة الناس أن يقوموا به وما لا يجوز لهم أن يقوموا به، وهو أحكام الولاية العامة المنوطة بأولي الأمر كإقامة الحدود والتعزيرات وإعلان الحرب والسلام بين الأمم، ومختلف التدابير العائدة على المجتمع بالفائدة. 
    20- إن الجهاد في أصله وسيلة للسلم ، وهو شامل لكل القربات ، وماض إلى يوم القيامة بأنواعه المختلفة( جهاد الدفع وجهاد العلم والمال وجهاد النفس...) لكن جهاد الطلب بمفهوم غزو امم اخرى ليس مقبولا في عصرنا لزوال القوة المادية المانعة من الاتصال بالناس ودعوتهم إلى الخير.
    رابعا: في سبل العلاج:
    1- إنه آن الأوان أن تتجه المجتمعات المسلمة أفرادا  وجمعيات وتنظيمات سياسية وحكومات ودولا إلى التعاون على البر والتقوى، وتقديم المصالح العليا للإنسان والأوطان على المصالح الخاصة، واعتماد الحوار والتوافق منهجا وحيدا لتحقيق التنمية الشاملة.
    2- الدعوة إلى انفتاح جميع التيارات على بعضها البعض، وبناء جسور التواصل ليعبر منها الجميع إلى السلام. 
    3- الدعوة إلى "حلف فضول" جديد لعقلاء الأمة وإلى بلورة نظرية للتعارف تكون أساسا ثابتا لا يتزحزح للعلاقات الدولية انطلاقا من قوله تعالى ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
    4- إعادة تثبيت سلطة المرجعية في الأمة باستعادة العلماء مكانتهم وريادتهم داخل المجتمعات المسلمة، وقيامهم بواجب النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المنضبط بضوابط الشرع نائين بأنفسهم عن أي صراع أو تخندق فكري أو سياسـي ليكون صوتهم معبرا عن الأمة بكل مكوناتها وتكون كلمتهم محل تقدير وتوقير إن لم تكن محل إجماع. 
    5- بيان خطورة استنباط الأحكام من النصوص الشرعية والمدونات الفقهية مجردة عن حيثياتها وملابساتها للشرائح المتعلمة من الأمة، وتوجيهها إلى وزن الرجال بميزان الحق لا وزن الحق بميزان الرجال.
    6- إعادة إحياء المذهبية الفقهية بأصولها وتقاليدها العلمية باعتبارها سياجا حمى الأمة من الفتن الاجتماعية وضبط الفتوى بضبط أهلها وشروطها وحدودها.
    7- إن الديمقراطية ليست غاية وهدفا في حد ذاتها؛ بل وسيلة في البيئات المتهيئة لها لتدبير اختلاف المشارب الفكرية والمشاريع السياسية. ومن ثم فإن واجب دعاة الإصلاح أن يضعوا نصب أعينهم تحقيق العدل والمساواة دون تقديس للآليات مستحضرين السياقات التاريخية والبيئات والأعراف الخاصة بمجتمعاتهم حتى لا تصبح الديمقراطية في بعض المجتمعات دعوة إلى الحرب الأهلية.
    8- إيلاء عناية خاصة لثقافة السلم في المجتمعات المسلمة بعد أن ضمرت وضعفت وخلا الجو لثقافة العنف والاقتتال وانتزاع الحقوق بكل الوسائل مهما بلغت تكلفتها البشرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
    9-  إحياء فقه السلم المبثوث في بطون أمهات الفقه الإسلامي من كتب مجردة أو نوازل وفتاوى، وتطوير هذا الرصيد باستخراج أصوله وقوعده وضوابطه لاستثماره والبناء عليه وتجديده.
    10- بناء مشروع تربوي متماسك وملائم للعصر ينطلق من مقومات الأمة ومصادرها ويعلي من قيم التعايش السلمي والوئام والتسامح واحترام التنوع والاختلاف.
    11- ترسيخ الوازع التربوي في النظم التربوية وتصحيح الصورة النمطية التي تحصر الدين والشريعة في الوازع العقابي والسلطة التنفيذية .
    12- إعطاء الأولوية في نشر ثقافة السلام وبث قيم الوئام للناشئة وللشباب، ودعوتهم إلى الانخراط الفعلي في نشر ثقافة السلم في المجتمعات المسلمة،  وبلورة مقومات خطاب جديد يناسب احتياجاتهم لأنهم من جهة الأقل حصانة ضد خطاب الكراهية والعنف، ومن جهة ثانية أمل الأمة في تغيير ما بنفسها. 
    خامسا: في الـوسـائـل:
    1- الاستفادة من جميع الاستراتيجيات الهادفة إلى نشر ثقافة وقيم السلم ، ومما راكمته البشرية بخبرتها الطويلة من وسائل وآليات حل النزاعات كمؤسسات التحكيم والوساطة الدولية...
    2- استثمار كل الوسائل المتاحة لنشر ثقافة السلم والوئام (كتب ومجلات وكتيبات ونشرات وقنوات إعلامية ومواقع إلكترونية وتجمعات شبابية وجمعيات ومنتديات...)
    3- دعوة وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي إلى تحمل مسؤولية الكلمة وتقدير آثارها على التعايش والوئام، وإلى الانخراط في تعزيز ثقافة السلم في المجتمعات المسلمة. 
    4- دعوة  المثقفين والأدباء والمبدعين إلى الانخراط في دعم رسالة هذا المنتدى وإلى الإسهام في تعزيز ثقافة السلم والتعايش في المجتمعات المسلمة.
    5- الاستفادة من الحصيلة العلمية للبحث الأكاديمي الشرعي فيما يتعلق بفقه السلام  والوئام والمصالحة (حصر الدراسات وتصنيفها وتقويمها ونشر ما يستحق النشر منها...) 
    6- تطوير عمل المجامع الفقهية وآليات الإفتاء فيها حتى تستجيب للحاجات المتزايدة في المجتمعات المسلمة للفتوى وتساير الوقائع والأوضاع المستجدة في عالم شديد التداخل والتعقيد.
    7- الاستفادة من المبادرات الناجحة في تحقيق السلم في المجتمعات المسلمة.
    8- الانفتاح على فضاء الجامعات ومعاهد البحث، ودعوة المشرفين على البحوث إلى توجيه طلبتهم إلى الكتابة في موضوع السلم وطرق تعزيزه في المجتمعات المسلمة خاصة والعالم عامة.
    9- تشجيع البحث الميداني في مجال التعرف على العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية التي تشكل تربة خصبة لترعرع ثقافة الإقصاء والصراع والعنف.
    10- دعم المجتمعات المسلمة في الغرب تربويا وتعليميا وفقهيا بما يسمح لها ولأجيالها الصاعدة بفهم الإسلام في سماحته ووسطيته، ويجنبها مزالق التطرف والعنف والصدام مع مختلف مكونات المجتمع، ويدفعها إلى الانخراط في تنمية أوطانها بما يضمن التعايش للجميع وتصحيح صورة ديننا الحنيف وصورة أتباعه في الغرب.
    الـتـوصيـات: 
    1-  الشروع في  تأسيس مجلس إسلامي لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة يضم ثلة من ذوي الحكمة من علماء المسلمين وخبرائهم ووجهائهم ليسهموا في إطفاء حرائق الأمة قولا وفعلا. ونقترح أن يسمى " مجلس حكماء المسلمين "،وأن تعد لوائحه التنظيمية خلال شهر رمضان المقبل بحول الله.
    2- عقد منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة سنويا، ونقترح أن تحتضنه أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة.
    3-  نشر أعمال هذا المنتدى لتكون إسهاما في ترسيخ ثقافة السلم في المجتمعات المسلمة.
    4- عقد لقاءات وندوات في البيئات الإسلامية الأحوج إلى استيعاب نتائج هذا المنتدى حتى تكون مقدمة لتحويل ما جلاه من مقاصد وقيم وقواعد إلى ثقافة يعيش في ظلها  المسلمون ويلتمس فيها غيرهم حلولا لنيران انقسام المجتمع وصدامه واقتتاله التي لا تكاد تخبو في منطقة من العالم حتى تشتعل في أخرى.
    5- إنشاء مؤسسات وكيانات همها وهمتها تحقيق السلم وتصحيح المفاهيم ومواءمة مستجدات الواقع والاتفاقيات الدولية مع مقومات الإسلام في حال التحفظ عليها.
    6- إيجاد صيغة مشتركة بين البلدان الإسلامية لتنسيق تحفظاتها على بعض بنود المواثيق الدولية. 
    7- تنظيم مؤتمر دولي حول مقومات السلم اجتماعي بين الغرب والمجتمعات المسلمة.
    8- تخصيص جائزة سنوية لأفضل الدراسات العلمية في موضوع السلم.
    9-  تخصيص جائزة سنوية لأفضل مبادرة وإنجاز في مجال تحقيق السلم في المجتمعات المسلمة.
    10- إصدار مجلة أكاديمية منتظمة تعنى ببحوث السلم في المجتمعات المسلمة.
    11-  تأسيس جهاز إعلامي مسموع ومرئي ومكتوب، لا ينشغل بردود الأفعال بل يؤصل لمفاهيم السلم وقيمه في الأمة بتوضيحها وتبسيطها بالحكمة والموعظة الحسنة. 
    12- تأسيس فرق من الشباب المسلم المتشبع بدينه المتشرب لثقافة السلم، مهمتها القيام بزيارات لكل أنحاء العالم، بما فيها مناطق التوتر المسلمة وغير المسلمة لمخاطبة الشباب برسالة السلم والتعايش، مع تزويد هذه الفرق بوثائق واضحة ودقيقة حتى لا تنقل رسائل مغلوطة.
    وفي ختام أعمال هذا المنتدى المبارك لا يسع المنتدين إلا أن يتوجهوا بخالص الشكر وجزيل الثناء ووافر التقدير لدولة الإمارات العربية المتحدة على ضيافتها الكريمة  وتوفيرها كافة وسائل العمل وظروف التداول الحر للآراء ووجهات النظر،  ويتوجهون بالتضرع لله عز وجل أن يحفظ قائد هذا البلد سمو الشيخ خليفة بن زايد لبلده وشعبه وأمته وأن ينعم عليه بموفور الصحة والعافية، وأن يتغمد الله الشيخ زايد بواسع رحمته ويجعل ثواب هذا المنتدى المبارك في صحائف حسناته. كما يعبرون عن امتنانهم العميق لراعي المنتدى سمو الشيخ عبد الله بن زايد على دعوته الكريمة ورعايته المنيفة داعين الله له بالتوفيق والسداد ودوام السبق للمكرمات. 
    والشكر موصول لفضيلة العلامة الشيخ عبد الله بن بيه على بلائه الحسن في تلمس السبيل إلى عودة العافية إلى الأمة، ولفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف على جهوده وتعاونه في هذا المجال، ولمفتيي البلدان الإسلامية ومسؤولي وممثلي الهيآت العلمية الشرعية. 
    وشكر خاص للعلماء والباحثين الذين كابدوا ليغنوا هذا المنتدى بعلمهم وآرائهم واقتراحاتهم متحملين عناء السفر وبعد المسافة.
    والشكر مستحق لكل من أعان على تنظيم هذا المنتدى.
    والله نسأل أن يحفظ بلد الإمارات العربية المتحدة وسائر بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يديم عليها نعمة الأمن والإخاء والرخاء.
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. 
    لجنة صياغة البيان الختامي   
    البيان الختامي
  • المتحدثون

البرنامج

اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية