2017

طباعة | المشاركة | أرسل إلى صديق

أرسل إلى صديق

 
  
 
  

2017

Programs البرنامج

00

Speakers المتحدثون

00

Sessions الجلسات

00

المحتوي قريبا‎‎‎

Venue for Forum 2017

The St. Regis Resort Saadiyat Island, Abu Dhabi, is located on Saadiyat Island, one of the luxury resorts in Abu Dhabi. Saadiyat

The St. Regis Abu Dhabi +971 2 659 3888

الحصول على الاتجاهات على الخريطة

"السلم العالمي والخوف من الإسلام"

تثير العمليات الإرهابية الشنيعة التي ترتكب باسم الإسلام وخاصة منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001م جدلا كبيرا في العالم الإسلامي وفي الغرب على حد سواء. وإذا كانت الأغلبية الساحقة من المسلمين تبرِّؤ دينها وتتبرأ من هذه الظاهرة؛ بل وإذا كانت مواقف وتصريحات معظم الساسة وكثير من المفكرين ورجال الدين الغربيين المرموقين تنصف الإسلام والمسلمين؛ فإن ربط الإرهاب والقتل بتعاليم الإسلام نفسه وشريعته، واعتبار قيم الحياة الاجتماعية الإسلامية غير قابلة للتواؤم والتعايش مع غير المسلمين من الأفكار التي تلاقي رواجا متزايدا في المجتمعات الغربية وينظّر لها مفكرون وخبراء استراتيجيون وفاعلون سياسيون ومؤسسات إعلامية وفنانون.

وتكمن خطورة هذا الموقف في أنه يؤدي إلى حلقة مفرغة؛ فاتساع دائرة الخوف والتخويف من الإسلام والمسلمين في المجتمعات الغربية يدفع على مستوى العلاقات الدولية كما على مستوى العلاقة بالأقليات المسلمة إلى اتخاذ مواقف وانتهاج سياسات خارجية أو داخلية تضعف الثقة بين الطرفين وتشجع انتشار الخطاب المعادي للغرب في المجتمعات المسلمة على أساس المفاصلة الدينية التي تتغذى أيضا من ذاكرة الإرث الاستعماري الغربي ...وقد بات واضحا أن الموقف السلبي التحريضي ضد الإسلام نفسه وضد قيم المسلمين وثقافتهم يشكل اليوم في المجتمعات الغربية -وخاصة تلك التي للمسلمين فيها وجود ملحوظ- ورقة انتخابية ناجحة بل واستثمارا تجاريا مربحا أحيانا. فبرغم كون المسلمين في الغرب يعيشون في دول لا تفرقة فيها -نظريا وقانونيا- على أساس الدين أو العرق، والناس فيها متساوون في المواطنة وفي قرينة البراءة؛ إلا أنهم أصبحوا مضطرين إلى المجاهرة كل مرة بتبرئة دينهم ومجتمعهم من تهمة الدعوة إلى التطرف والعنف والإرهاب؛ كما لو كانت تصرفات فئة شاذة جمعت بين الضلال والإجرام تلزمهم جميعا.

فهل يشكل الإسلام باعتباره دينا تهديدا حقيقيا للسلم في المجتمعات الغربية وفي علاقة المسلمين مع المجتمع الدولي عموما؟ وهل يسوغ علميا وأخلاقيا اعتبار تصرفات مجموعات إجرامية هامشية ليست لها أي شرعية ممثلة لأكثر من مليار من المسلمين؟ أليس "السلام" عند المسلمين اسما من أسماء الله الحسنى، وتحيتهم اليومية تحية سلام، وإيمانهم لا يتزعزع بكون رسولهم -عليه الصلاة والسلام- جاء رحمة للعالمين؟

إن الإسهام في كسر هذه الحلقة المفرغة من الارتياب والتوجس والخوف المتبادل، الحاضنة لمشاعر الكراهية والعنصرية والإقصاء، والمؤججة لأشكال محتملة من الفتن والصراعات المهددة للسلم الاجتماعي والدولي... بات إحدى الأولويات التي تحظى باهتمامات "منتدى تعزيز السلم". وبناء على ذلك اختار "المنتدى" تخصيص ملتقاه السنوي الرابع (منتدى 2017م) لموضوع "السلم العالمي والخوف من الإسلام".

وسيتدارس العلماء والمفكرون والباحثون والفاعلون السياسيون والإعلاميون وغيرهم من المعنيين بالموضوع بأبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة من 05 إلى 07 ديسمبر2017م -بحول الله- المحاور التالية:


المحور الأول - الدين والهوية والسلم العالمي:

يتضمن هذا المحور موضوعين اثنين هما:

  • البيئة الدولية للسلم العالمي.
  • البيئة الإقليمية للسلم العالمي.

ويسعى هذا المحور إلى الرصد والتحليل الإجمالي للعوامل التي تشكل تهديدا محتملا للسلم على المستويات الإقليمية أو الدولية؛ سواء كانت هذه العوامل عائدة إلى الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو عائدة إلى الأفكار والثقافات وتمثُّل المعتقدات.

وعلى رأس النوع الأول من العوامل وجود أسلحة دمار شامل في إطار نظام عالمي قائم على توازن الرعب مع غياب الضمانات الكافية لعدم استعمالها؛ وخروج بعضها عن مراقبة الدول وسلطتها. كما تتضمن هذه العوامل التنازع على السيادة في بعض المناطق أو على الثروات الطبيعية والمياه، والمطالب الانفصالية، والجريمة المنظمة، والمجاعات، والهجرات الجماعية غير المقننة، دون أن ننسى مخاطر التلوث البيئي على المستوى العالمي.

وفيما يرجع إلى النوع الثاني من العوامل تشكل بعض النزعات الفكرية المتمركزة حول الذات المؤمنة بضرورة "صدام الحضارات" و"نهاية التاريخ"، والهويات المتشنجة، والنزعات العنصرية، والتطرف الديني أيا كان مصدره ... خطرا على السلم الاجتماعي والدولي بدءا بالإقصاء والتهميش في حق الأقليات الإثنية أو الدينية إلى التطهير العرقي والديني والإرهاب العابر للقارات وصولا إلى شن الحروب الاستباقية على أعداء محتملين باعتبارهم مختلفين في رؤيتهم للعالم والقيم ونمط العيش.

وتتكفل ورشتان من هذا المحور بتعميق النظر في هذا النوع الأخير من العوامل مركزة على دراسة طبيعة علاقة الأديان عموما والإسلام خصوصا بظاهرة العنف. فقد أصبحت فكرة وجود أسس دينية للعنف شائعة في الأوساط العلمية والسياسية بسبب ما يقع اليوم في العالم من أحداث مأساوية. لكن شيوع هذا الفكرة لا ينبغي أن يحجب عنا أسئلة تعنى بما وراء المظاهر: هل الأديان التي جاءت لتزكية الإنسان ليعيش مع غيره ومع الكون كله في سلام تدعو إلى العنف؟ وهل يجوز أن نتعامل مع النصوص الدينية التي لا تنسجم في ظاهرها مع قيم السلم بطريقة تعزلها عن سياقاتها العامة والخاصة؟ وهل ما يقع اليوم باسم الأديان هو بسبب الأديان نفسها أم بسبب استغلالها وتوظيفها لمآرب دنيوية آثمة؟

وبالنظر إلى المظاهر المتجددة والنتائج المؤلمة لصراع الهويات تطرح ورشة ثالثة من هذا المحور للنقاش طبيعة العلاقة بين الهويات والعنف؛ من خلال استنطاق مفهوم الهوية نفسه، وتحليل إمكان تداخل وتلاقح الهويات، وشروط استثمارها لتعزيز قيم العيش المشترك.


وبذلك تكتمل ورشات هذا المحور الثلاث:

  • الدين والعنف.
  • الهويات والسلم العالمي.
  • الإسلام ومقتضيات السلم العالمي.

المحور الثاني - الخوف من الإسلام: الأسباب والسياقات:

يتضمن هذا المحور موضوعين اثنين هما:

  • الخوف من الإسلام من منظور غربي.
  • الخوف من الإسلام من منظور المسلمين في الغرب.

ويستمد هذا المحور مشروعيته العلمية والعملية من كون خطاب الكراهية يمكن أن يشكل تهديدا حقيقيا للسلم الاجتماعي والدولي خاصة في عالم يعرف أزمات عميقة الأثر على المجتمعات كأزمات الهوية والأزمة الاقتصادية العالمية الخانقة. ويتيح الموضوعان الرئيسيان للمحور فرصة التعرف على زاويتي نظر لظاهرة الخوف المبالغ فيه من الإسلام أو ما يسمى اليوم "الإسلاموفوبيا". وتتوارد زاويتا النظر هاتان على الإجابة عن مجموعة من الأسئلة سعيا إلى مقاربة شاملة ومتوازنة لفهم الظاهرة: ما المقصود بـ"الإسلاموفوبيا"؟ وما دواعي استحداث المصطلح؟ ولماذا التمييز بين "إسلاموفوبيا" كانت قائمة وأخرى جديدة؟ وما هيى أسباب الظاهرة تاريخيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا؟ وما نصيب المسلمين أنفسهم في تعاظم هذه الظاهرة؟ وما هي منطلقاتها الفكرية والإيديولوجية؟ وما هي الآليات الإعلامية والرمزية والتواصلية التي تستعين بها لبث خطابها؟ وما هي آثارها الواقعة والمتوقعة على علاقة الغرب بالإسلام والمسلمين؟

إن الحاجة إلى هذه المقاربة لا تتعلق بالمسلمين وحدهم بل هي مقتضى الوعي بخطورة ما تتضمنه هذه الظاهرة من خنق لفرص التعايش وتدمير لتماسك المجتمعات بل وتدمير لمعاني النبل في الإنسان نفسه إذا كان خبزه اليومي التنقيب عن مثالب الآخر وشيطنته وتحميله مآسي الوطن والعالم.

ولتعميق البحث في ظاهرة "الإسلاموفوبيا" يتعزز هذا المحور بالورشات التالية:

  • الإسلاموفوبيا والإسلاموفوبيا الجديدة.
  • الإسلاموفوبيا والنزعات الشعبوية الجديدة.
  • الإسلاموفوبيا والإعلام ووسائل الاتصال.

المحور الثالث - الإسلام والعالم: رؤية إسلامية للسلم العالمي:

عنوان الموضوع الرئيسي لهذا المحور "رؤية إسلامية للسلم العالمي". فبعد تحليل البيئة الإقليمية والدولية للسلم في أبعادها المادية والمعنوية وتحليل الصورة المروّجة عن المسلمين وعن دينهم باعتبارهم مصدر خوف وتهديد؛ يقتضي المقام طرح رؤية "منتدى تعزيز السلم " لطبيعة الإسهام الذي قدمه الإسلام للسلم العالمي على مستوى المقاصد والأحكام والتجربة التاريخية. وهي فرصة متجددة مع كل ملتقى لـ"المنتدى" لتأصيل المفاهيم وبيان مدلولاتها الحقيقية لفداحة النتائج التي تترتب عن التباس المفاهيم بفصلها عن القيم العليا للإسلام ومقاصد الشريعة وعن السياقات العامة والخاصة لنزول الأحكام الشرعية وعن مآلات تنزيلها على الواقع بمستجداته وتحولاته. ومن اللافت للانتباه أن آفة الاجتزاء هذه يتفق فيها فريقان هما على طرفي نقيض: من يتهمون الإسلام بكونه دين عنف وقتل، ومن يمارسون العنف والقتل باسمه!

وتتكامل مع الموضوع الرئيسي للمحور الورشات الثلاث التالية:

من الدار إلى الجوار:

قد يوحي مفهوم الدار عند الفقهاء في عصور خلت -أي تقسيمهم المعمورة تقسيما ثنائيا إلى دار إسلام ودار حرب أو ثلاثيا بإضافة دار العهد- بأنه لا مجال للثقة في إمكان تعايش إسلامي-عالمي. وقد يتعزز هذا الانطباع باستناد تيارات متطرفة أو إرهابية إلى هذا التقسيم لتبرير الأقوال والأفعال. لكن السؤال الجوهري الذي يرد على هذا الانطباع هو: هل هذه القسمة الثنائية للعالم عند الفقهاء منصوص عليها وثابتة أم هي مفهوم وظيفي أنتجوه توصيفا لوضع قائم ليرتبوا عليه أحكاما تهم المكلفين في عباداتهم ومعاملاتهم؟ وهو سؤال يفتح المجال لأسئلة تفصيلية كثيرة من قبيل: ألم يكن الأصل في ذلكم الوضع الدولي الصراع على النفوذ وحروب التوسع باستثناء حالات نادرة من العهود والمواثيق الجزئية أو الشاملة بين بعض الدول؟ ألم تكن من خصائص المرحلة تداخل السلطة الدينية مع السلطة الزمنية وتفاصُل المجتمعات بمعتقداتها مما يجعل حياة المسلمين خارج "دارهم" مهددة وإقامتهم لشعائر دينهم من باب أولى؟ ألم يتنبه الفقه الإسلامي حتى في أثناء تلك المرحلة لوجود وضع غير خاضع للتصنيف الثنائي أو الثلاثي للدار وهو ما سمي بـ"الدار المركبة" حيث لا توجد السيادة لأحكام الشريعة لكن بوسع المسلمين العيش فيها وإقامة شعائرهم الدينية آمنين مطمئنين[1]؟ وما دام مناط تقسيم المعمورة هو الأمن على النفس وممارسة حق التدين أليس الأصل عند المسلمين -كما في النصوص الشرعية المعززة بشهادة التاريخ- أن البلاد بلاد الله وأن العباد عباد الله، وأن بوسع المسلم أن يعيش حيث طاب له العيش[2]؟

وإذا انتقلنا من الماضي إلى الحاضر: ألم يصبح تقسيم المعمورة الموروث من الفقه الإسلامي عند المسلمين المعاصرين -علماء ودولا -في ذمة التاريخ بعد أن تجاوزه الواقع ولم يعد هناك مجال جغرافي متمحض لدين من الأديان؛ بل وأصبحت حرية التدين حقا تحميه الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية؟

الجهاد والحرب العادلة:

يبدو مفهوم الجهاد محفوفا بالالتباس لدى معظم الرأي العام الغربي وبالمغالطات عند كثير من المثقفين ووسائل الإعلام لأنه يتطابق عندهم مع مفهوم الحرب المقدسة؛ مما يحوله إلى مفهوم مهدد للسلم العالمي. في المقابل يحيل مفهوم الجهاد عند المسلمين إلى مضامين أوسع بكثير من معنى القتال. فالجهاد شامل في دينهم لأنواع العبادات الظاهرة والباطنة وإن قصره الفقهاء في كتبهم على القتال لأن الحديث عن الأبعاد الروحية والتربوية للمفاهيم الشرعية ليس من اختصاصهم.

وتمس الحاجة في هذا المقام إلى التمييز بين نوعين من الجهاد العسكري في الفقه الإسلامي: الأول هو "جهاد الدفع" الذي يشمل أشكالا من رد العدوان، وردع الدول المجاورة المتأهبة لنقض العهود، وتأمين الحدود... وهو حق من حقوق الدول حتى بمعايير المواثيق الدولية المعاصرة. أما النوع الثاني المسمى في الفقه الإسلامي بــ"جهاد الطلب" فهو الحالة الوحيدة التي يرتبط فيها القتال -حسب فهم بعضهم- بالدعوة إلى الدين. وهو الذي ينظر إليه الغربيون من منظور الحرب المقدسة في تاريخهم. وهذا النوع الثاني من الجهاد ارتبط بظروف تاريخية لم تعد قائمة في عصرنا. فلم تكن في الماضي معاهدات دولية ولا حدود إلا تلك الثابتة بقوة السلاح أو بعد المسافة. ومن ثم كان متعذرا على المسلمين المحافظة على ممالكهم وديارهم دون إسناد حربي. ألم تناهز البعوث النبوية المجردة من السلاح إلى قبائل العرب أربعين بعثا حينما أتيحت الفرصة للدعوة السلمية بينما لم تتجاوز المواجهات المسلحة بين المسلمين وبين أعدائهم سبع مرات؟ ولماذا استثنت الفتوحات في العهد النبوي وفي عهد الخلفاء الراشدين مناطق كثيرة مع وجود قوة عسكرية ضاربة عند المسلمين ورصيد معنوي قوي بالإيمان وبالانتصارات؟ وهل نكون مبالغين إذا قلنا إن أشكال الحرب التي تقرها الشريعة لا تخرج عن مفهوم الحرب العادلة حتى بمعايير الفلسفة الأخلاقية والسياسية المعاصرة؟

وتأسيسا على ما سبق هل يجوز اليوم أن يدعو رجل دين أو مجرد عاقل إلى جهاد الطلب في عالم تلاشت فيه الحدود والحواجز في وجه الأفكار والقيم؟ وبوجود ميثاق ومنتظم أممي ينظم العلاقة بين الدول ويجرّم عدوان بعضها على بعض تشوفا إلى سلم دولي شامل؟ ثم إذا كان إعلان جهاد القتال بكل أصنافه قرارا مخولا شرعا للدولة باعتبارها المؤهلة وحدها للموازنة بين المصالح والمفاسد؛ ألا يكون إعلان الحرب على الناس من أجل إدخالهم في الدين - مع مخالفته للمبدأ القرآني (لا إكراه في الدين) - وفي عصر السلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل مجانبا للعقل ومجافيا للشريعة الإسلامية القائمة على الدعوة السلمية وتحصيل المصالح البشرية؟

السلم في مقاصد الشريعة:

تنقلنا هذه الورشة من مستوى المفاهيم والأحكام الشرعية إلى مستوى المقاصد حيث تتناسق الجزئيات وتتكامل لتجاوز آفة الاجتزاء التي سبقت الإشارة إليها في مقدمة هذا المحور. وتروم هذه الورشة الإجابة عن الأسئلة التالية:

أليس استتباب السلم شرطا أساسيا لعمارة الأرض التي هي مقصد من مقاصد الخلق؟ أليس السلم ضامنا لحفظ كل المقاصد الضرورية للشريعة وما يتفرع عنها من مراتب المصالح؟ ألا تختل تلك المقاصد باختلال السلم؟ إذ كيف يتمكن الناس حقا من ممارسة شعائر دينهم ويأمنون على أنفسهم وذويهم وأعراضهم وعلى ممتلكاتهم في وضع لا سلم فيه ولا أمان؟ أليست هذه المعاني حصيلة استقراء لما نطقت به نصوص الشرع وشهدت له التصرفات النبوية وسار عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن اقتفى أثرهم من السلف الصالح؟ وإذا كان الأمر كذلك ألا يكون الإذعان لأولوية السلم على غيره من المصالح فريضة شرعية قبل أن تكون اعتبارا بالتجارب الإنسانية واستفادة من الحكمة البشرية؟

المحور الرابع - الإسلام والعالم: مسارات التعارف والتضامن:

عنوان الموضوع الرئيسي لهذا المحور "مسارات التعارف والتضامن" ووظيفته هي التفكير في سبل الانتقال من علاقة بين المسلمين وغيرهم -وخاصة بلاد الغرب- يطبعها الكثير من سوء الفهم المتبادل والصور النمطية والتوجس؛ بل والكراهية في بعض الحالات، إلى علاقة تعارف وتعايش سيكون لها قطعا -إذا تحققت- آثار إيجابية على السلم داخل المجتمعات التعددية وفي العلاقات الدولية.

وليس في التطلع إلى هذه النقلة غفلة عن العقبات والعوائق الكثيرة التي تجعل تحقق هذا النوع من العلاقات هدفاً يستحق استنفار كل الإمكانات المتاحة؛لأنه اقتناع بضرورة بذل العقلاء والحكماء من الطرفين أقصى جهودهم لبناء حصون السلم في عقول البشر في مرحلة يسهل فيها التواصل الإنساني، وتتشوف فيها مجتمعات كثيرة إلى حكامة سياسية واقتصادية عادلة، وتتداعى فيها منظمات المجتمع المدني إلى إغاثة الملهوفين والتضامن مع المختلفين دينا وعرقا ومواجهة دعوات الكراهية والعنصرية. (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين- البقرة:251).

وتنبثق عن الموضوع الرئيسي لهذا المحور الورشات التالية:

من جهاد القتال إلى جهود الوصال:

تعلمنا الأديان أن مصائر بني الإنسان هي نتيجة اختياراتهم ومواقفهم وتصرفاتهم. وهي أيضا خلاصة تاريخ البشرية التي عانت كثيرا من ويلات الصراعات والحروب ولم تنعم بالسلم والرخاء إلا حيث وجدت الحكمة ورجحت قيادات المجتمعات خيار التعايش. وقد حققت البشرية في القرن الماضي بعد حربين عالميتين إنجازا تاريخيا بانخراط الدول في منتظم أممي ينظم علاقاتها، ويحمي سيادتها وشعوبها من العدوان، ويرجع إليه لفض النزاعات. فهل تستطيع البشرية تحقيق المزيد من الإنجازات وتحصين المكتسبات وتطويرها وتفعيلها في مجالي العلاقات الدولية والعلاقات الثقافية والاجتماعية؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فكيف ننقل العلاقات من دوائر الصدام إلى آفاق التعارف؟ وكيف نطفيء نيران الصراعات التي يوقدها باستمرار الجهل أو الجشع؟ وهل بوسعنا التحرر من الجهل والجشع بدون تحري الحقيقة وإرادة التسامي على الأحقاد ومحبة الخير للجميع والبحث عن المصالح المشتركة؟ وإذا كان الجهل المتبادل بحقيقة الآخر ورؤيته للعالم من مؤججات الصراع ألا يكون الاعتراف بالحق في الاختلاف، وعلاج الخلافات بالحوار، وممارسة النقد الذاتي، شروطا ضرورية للتعارف؟ وماذا عن الذاكرة التاريخية المشتركة المختزلة عادة في الحروب؟ وهل نستطيع صيانة جهود التعارف والتضامن إذا لم يضبط الحق في حرية التعبير بمسؤوليته الميدانية عن نتائج التعبير كما يقع عند تدنيس المقدس؟ وما الذي ينتظر في المقابل من الخطاب الإسلامي؟ ألا تتنامى في المجتمعات المسلمة قيم لا تعكس إنسانية الإسلام وعالميته؟ أليس مطلوبا من الفقه الإسلامي في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ المسلمين وتاريخ العلاقات الدولية أن يكون فقه السلم بامتياز؟

جسور التعارف ودوائر التضامن:

لا تتأسس جهود التعارف والتضامن على فراغ؛ بل بوسع الإنسانية استثمار وتنمية مشتركات في غاية الأهمية رمزيا ووظيفيا، وعلى عدة مستويات:

فعلى المستوى الديني توجد مساحة كبيرة من المشتركات وخاصة بين العائلة الإبراهيمية. وبصفة عامة أليس جوهر الأديان من حيث الممارسة العملية تزكية النفوس لتثمر الفضيلة ومحبة الخلْق وحسن المعاملة والتعاون على الخير؟ ألا يكون من مصلحة أتباع الديانات تجاوز المنطق الغالب في علاقتهم بغيرهم وهو منطق الانتقاد المتبادل إلى منطق العيش المشترك بسلام في الدنيا؟ أليس من الأنفع للبشرية أن تتعاون الأديان في مجال قيم الخير والمحبة والتضامن؟ أليس من الأجدى أن نفوض الحكم على العقائد لله عز وجل؛ فهو يحكم في الآخرة بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون؟

وعلى المستوى الإنساني توجد مساحة أرحب من القيم الأخلاقية والحاجات المعنوية المشتركة المستعصية على الحصر.

وعلى المستوى السياسي والحقوقي يعتبر مبدأ المواطنة في عصرنا أفضل إطار متاح للعيش المشترك لتقريره تساوي السكان في الحقوق والواجبات بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم. ألم تثبت التجارب أن هذا المبدأ حينما يبنى على حق الاختلاف يجنب المجتمعات آفات التصدع؟ ألا تعد اختيارات بعض البلدان التي حرصت على احترام بل وتشجيع الخصوصيات الدينية والثقافية في انسجام مع الدساتير ناجحة وجديرة بالاعتبار منها؟

ومن المشتركات التي تملك الشعوب تنميتها أشكال متنوعة من التبادل الثقافي الذي تغتني به الشخصية الإنسانية على مستوى النظرة إلى العالم والقيم والخبرات الحياتية. وهو تبادل لا يضعف إلا في الأزمات.

ولا يغيب عنا في هذا المقام أن شكلا من أشكال التبادل كان فيما مضى من أهم عوامل التوافق على السلم والتعارف بين الأمم وهو التبادل التجاري والاقتصادي. لكن لا بد من التساؤل اليوم وقد تطورت الحاجة إلى هذا التبادل بشكل لم يعهد من قبل: هل قواعد هذا التبادل ونظمه وآلياته في عصرنا تُوازن بين قيم التعارف ومقتضيات المصالح؟ أليست هذه القواعد من أسباب توتر العلاقات بدل أن تكون جزءا من الحلول؟ ألا تحتاج إلى مراجعة في ضوء قيم العدل والإنصاف؟

استشراف مستقبل التعارف والتضامن في المجال الدولي

إذا كان العالم اليوم على فوهة بركان من المخاطر بما كسبت أيدي الإنسان فإن التعارف بين الديانات والثقافات من شأنه أن يقلص الخلافات بين المنتمين إليها ويمهد لتصالح يحيي الآمال في قدرة الإنسان على صناعة غد أفضل بما وهبه الله من عقل واختيار وفطرة خلقية.

فهل ترفع الديانات هذا التحدي؟ وهل تسهم ديانات العائلة الإبراهيمية -خاصة - بتصافحها وتصالحها في تعزيز روح السلم في العالم وتسهيل الولوج إلى طريق العدالة والخير ومعالجة المظالم والمظلوميات؟

وهل تقوى ثقافات العالم على التوفيق بين الخصوصية وبين ما يشترك فيه الجميع من إيمان بقيمة الإنسان وكرامته وحاجة الشعوب بعضها إلى بعض لاستيلاء النقص على البشر جميعا مهما ارتقت معارفهم ونظمهم؟ ألا يتجه التاريخ إلى إذابة الحواجز الثقافية بين الناس بحكم قوة حركة التواصل والتمازج في عصرنا؟ ألا يدعو هذا الوضع إلى عمل مشترك في خدمة السلم العالمي تتكامل فيه الخبرات وتتبادل فيه التجارب وتتوحد فيها الإمكانات وتُهيَّؤ أجيال المستقبل للعيش في مجتمعات قائمة على التمازج والتنوع ومتشبعة بقبول الاختلاف؟

ويقتضي منهج "منتدى تعزيز السلم" في رصد وتجلية عناصر الأمل أن نتعرف على جهود كبيرة في أرجاء مختلفة من العالم تبذل لتعزيز السلم بين الديانات والثقافات والشعوب.