2016

طباعة | المشاركة | أرسل إلى صديق

أرسل إلى صديق

 
  
 
  

2016

Programs البرنامج

00

Speakers المتحدثون

00

Sessions الجلسات

00

البرنامج18 ديسمبر 201619 ديسمبر 2016

18 ديسمبر 2016

19 ديسمبر 2016

image

الجلسة الافتتاحية

القـــــــرآن الكــريـم عرض تقديمي (فيديو) كلمة معالي/ الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان - وزير الثقافة وتنمية المعرفة الكلمة الافتتاحية للمنتدى: معالي الشيخ عبدالله بن بيه - رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة كلمة معالي/ محمد عبدالكريم - الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي كلمة سعادة/ د. محمد مطر الكعبي - الأمين العام لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة كلمة معالي/ د. محمد مختار جمعة - وزير الأوقاف بجمهورية مصر العربية كلمة معالي السيد/ عمار ميرغني حسين - وزير الإرشاد والأوقاف السوداني كلمة معالي السيد/ يوسف ادعيس - وزير الأوقاف الفلسطيني كلمة معالي السيد/ أحمد ولد أهل داود - وزير الشؤون الإسلامية الموريتاني كلمة معالي الأستاذ/ د. عباس شومان - وكيل الأزهر الشريف

اقرأ المزيد
image

الكلمة التأطيرية: معالي الشيخ عبدالله بن بيه

رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة

اقرأ المزيد
image

المحور الأول: الدولة في الفكر والتجربة التاريخية الإسلامية

رئيس الجلسة: د. على بن راشد النعيمي - الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين مقرر الجلسة: د. عبدالحميد عشاق - المدير المساعد لمؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط

اقرأ المزيد
image

المحور الثاني: إســـــلاميــــة الـــــدولــــــة

رئيس الجلسة: دة. عزيزة الهبري - مفوض بلجنة الولايات المتحدة الأمريكية للحريات الدينية الدولية مقرر الجلسة: د. عادل قــوته - أستاذ بجامعة الملك عبدالعزيز بجــــدة

اقرأ المزيد
image

المحور الثالث: نـدوة حـول مـوضـوع الـدولـة الـوطنية - المـفهـوم والسيـاق

رئيس الجلسة: د. زياد الدريس - المندوب الدائم للملكة السعودية لدى اليونيسكو مقرر الجلسة: د. إبراهيم مشروح - أستاذ الفلسفة بمؤسسة دار الحديث الحسنية الرباط

اقرأ المزيد
image

المحور الرابع: الــــدولــة الـــوطـنـيـــة وتعــــزيــز الـسلـــم

رئيس الجلسة: د. يوسف الحســــن - ديبـــومــاسـي مقرر الجلسة: د. محمد المنتار - الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب

اقرأ المزيد
image

المحور الخامس: تجــربــة دولــة الإمـــارات العــربيــة المتــحـــدة في تعزيــز الـسلـم

رئيس الجلسة: دة. نوفر الرمول - تلفزيون دبي مقرر الجلسة: أ. عمر الدرعي - الإمـــارات

اقرأ المزيد
image

المحور السادس: إعـــــلان مــراكش للأقلـــيــات الــدينيـــة في البــلاد الإســـلامية

رئيس الجلسة: د. وليا فندلي - منظمة أديــان من أجــل السـلام مقرر الجلسة: د. محمد السنوسي

اقرأ المزيد
image

الجــلســــــة الختـــــــاميـــــة

قـــــراءة البيــــان الختــــــامي

اقرأ المزيد
image

حـفـــل جــائـزة الإمـــام الحســــن بن علي لتعـزيز السلـم

كلمة راعي الجــائزة: الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان - وزير الخــارجية والتعــاون الــدولي كلمة معالي: الشيخ عبدالله بن بيه - رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة كلمة معالي: محمد كــــامون - رئيـــس الـــوزراء الســــابق بجمهـــوريــة أفريقـــيا الـــوسطـى كلمة معالي: آدم جـــانــق - مبعــــوث الأمــم المتحــــدة لـلإبـــادات الجمـــاعيــــة تســـــليـم الجـــــــائزة البيـــــــان الخــتــــــامي للملتقــى الثالث لمنتــدى تعــزيز السـلم في المجتمعات المسلـــمة

اقرأ المزيد
فضيلة الشيخ/ أحمد الطيب

فضيلة الشيخ/ أحمد الطيب

الإمام الأكبر و شيخ الأزهر الشريف
مصر

اقرأ المزيد
الأستاذ/ محمد كمال الدين إمام

الأستاذ/ محمد كمال الدين إمام

أستاذ الحقوق والمقاصد الشرعية بجامعة الإسكندرية
مصر

اقرأ المزيد
د. أحمد عبد العزيز الحداد

د. أحمد عبد العزيز الحداد

كبير المفتين في دبي ومدير دائرة الإفتاء
الامارات

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. رضوان السيد

الأستاذ/ د. رضوان السيد

أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية
لبنان

اقرأ المزيد
د. أحمد عبادي

د. أحمد عبادي

الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء المغرب
المغرب

اقرأ المزيد
فضيلة الشيخ/ حمزة يوسف

فضيلة الشيخ/ حمزة يوسف

مؤسِس ورئيس جامعة الزيتونة في كاليفورنيا
امريكا

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. أحمد أبو الوفا

الأستاذ/ د. أحمد أبو الوفا

أستاذ بكلية الحقوق - جامعة القاهرة
مصر

اقرأ المزيد
د. اسلمو ولد سيد المصطفى

د. اسلمو ولد سيد المصطفى

رئيس جامعة المخاطر
موريتانيا

اقرأ المزيد
د. أمحند أمشنان

د. أمحند أمشنان

مستشار وزير الشؤون الدينية
الجزائر

اقرأ المزيد
د. عادل الفلاح

د. عادل الفلاح

وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
الكويت

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. عادل عبد القادر قوته

الأستاذ/ د. عادل عبد القادر قوته

أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز بجدة
السعوديه

اقرأ المزيد
الأستاذة/ عزيزة الهبري

الأستاذة/ عزيزة الهبري

أستاذة جامعية في كلية تي سي وليامز للقانون التابعة لجامعة ريتشموند
امريكا

اقرأ المزيد
السفير/ د. عارف علي النايض

السفير/ د. عارف علي النايض

مؤسس ومدير كلام للبحث والإعلام
ليبيا

اقرأ المزيد
د. عبدالله بوصوف

د. عبدالله بوصوف

مدير المعهد الأوروبي الإسلامي للثقافة وللحوار ببروكسيل
أنغولا

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. عبد الحكيم جاكسون

الأستاذ/ د. عبد الحكيم جاكسون

أستاذ بجامعة كاليفورنيا الجنوبية
امريكا

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. فهمي جدعان

الأستاذ/ د. فهمي جدعان

أستاذ بالجامعة الأردنية
الاردن

اقرأ المزيد
د. محمد السرار

د. محمد السرار

رئيس مركز ابن القطان للدراسات والبحوث في الحديث والسيرة
المغرب

اقرأ المزيد
د. محمد السماك

د. محمد السماك

أمين عام اللجنة الوطنية اللبنانية للحوار الإسلامي المسيحي
لبنان

اقرأ المزيد
الشيخة/ حليمة كروسن

الشيخة/ حليمة كروسن

عضو مؤسس، حلقة الحوار الدينية الدولية، جامعة هامبورغ
المانيا

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. محمد القوصي

الأستاذ/ د. محمد القوصي

نائب رئيس مجلس إدارة الرابطة العالمية لخريجي الازهر
مصر

اقرأ المزيد
الشيخ محمد المختار بن أمبالة

الشيخ محمد المختار بن أمبالة

رئيس هيئة الإفتاء والمظالم
موريتانيا

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. محمد تقي الدين العثماني

الأستاذ/ د. محمد تقي الدين العثماني

نائب رئيس دار العلوم
باكستان

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. محمد عبد الغفار الشريف

الأستاذ/ د. محمد عبد الغفار الشريف

أستاذ الفقه وأصوله كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة
الكويت

اقرأ المزيد
الشيخ مصطفى سيريتش

الشيخ مصطفى سيريتش

المفتي العام
البوسنه والهرسك

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. هاني عبد الشكور

الأستاذ/ د. هاني عبد الشكور

الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز
السعوديه

اقرأ المزيد
الشيخ هاني فحص

الشيخ هاني فحص

عضو اللجنة الشرعية للمجلس الشيعي الأعلى
لبنان

اقرأ المزيد
معالي/ الشيخ عبدالله بن بيه

معالي/ الشيخ عبدالله بن بيه

رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة
موريتانيا

اقرأ المزيد
د. محمد الروكي

د. محمد الروكي

رئيس جامعة القرويين
المغرب

اقرأ المزيد

يرجى الاتصال بنا للحصول على المعلومات التي تبحث عنها.

الملتقى الثالث "الدين والدولة الوطنية" 

تأسس "منتدى تعزيز السلم" منذ أكثر من سنتين ليكون فضاء للتفكير في سبل إطفاء الحرائق في المجتمعات المسلمة وإعادة العافية إليها بعدما دخلت في نفق مظلم من التدمير الذاتي، وتبين أن رياح التغيير التي هبت مع ما سمي بـ "الربيع العربي" ما كان لها أن تزرع مستقبلا مشرقا في غياب رؤية واضحة للهوية وللواقع بكل مستوياته وأبعاده ولمنهج النهوض والإصلاح. وقد وضع "المنتدى" نصب عينيه وفي بؤرة اهتماماته إعادة النظر في منظومة من المفاهيم ذات الأصول الشرعية وإخضاعها للدراسة العلمية وعيا منه باعتبارين رئيسيين:

أولهما طبيعته – أي "المنتدى" - ووظيفته باعتباره منتدى فكريا وعلميا؛ غايته الإسهام في إطفاء حرائق الأمة وتجنيبها الانفجار، ووسيلته تجديد منهج فهم الخطاب الشرعي والدعوة إلى الالتزام بنتائجه. فهو يدرك الطابع المركب للأسباب التي أوصلت المجتمعات المسلمة إلى ما وصلت إليه؛ تاريخية وآنية، ذاتية وموضوعية، مادية ومعنوية؛ لكنه يؤمن بأن إيقاف النزيف وإحلال السلم هو "واجب الوقت" بالنسبة للعلماء والقادة الدينيين والمفكرين ورجال السياسة. وهو واجب يستحق أن تتضافر فيه جهود كل العقلاء من أبناء الأمة ومن محبي الخير لبني الإنسان. وهذا الموقف ما لبث " المنتدى" يبرهن في لقاءاته الفكرية على أنه من صميم الشرع؛ لم يتخذ ليجامل أحدا، أو ليحابي هيئة، أو ليتعصب لطائفة، أو لينتصر لشريحة اجتماعية على أخرى... وما فتئت الأحداث والوقائع تبرهن على أن المجتمعات المسلمة لا خيار لها غير خيار السلم بكل أبعاده، وأن كل ما ينصرم من أعمارها في غير هذا الاتجاه يقربها أكثر إلى فناء الإنسان وخراب العمران وتقسيم الأوطان.

ثانيهما: خطورة الأفكار والمفاهيم في حياة الأفراد والأمم؛ خاصة أن كثيرا من المفاهيم ذات الأصول الشرعية أصبحت تنتزع من سياقها وتوظف لما يناقض مقاصدها. وقد أفضت هذه الظاهرة في أقل نتائجها سوءا إلى تقوية الانقسام والتشرذم في المجتمعات المسلمة التي ما زالت تبحث عن استقرار اجتماعي بعد تغير أنظمتها السياسية. أما الأسوأ من نتائجها فهو ما يشاهده العالم كله من كيانات طفيلية تقدم نفسها بديلا للدول الوطنية القائمة؛ بل وتسعى إلى استتباعها باسم "الخلافة الإسلامية". وهي كيانات لا يضاهي حرصها على توظيف المصطلحات والرموز الإسلامية الشرعية أو التراثية إلا حرصها -حيثما وجدت أو وجدت لها أتباعا حقيقيين أو مصطنعين- على انتهاك كل حرمة من حرمات الدين وخاصة حرمة النفس البشرية وبطرق وأساليب غير مسبوقة في بشاعتها وعبثيتها.

الورقة التصورية

بسم الله الرحمن الرحيم
تأسس "منتدى تعزيز السلم" منذ أكثر من سنتين ليكون فضاء للتفكير في سبل إطفاء الحرائق في المجتمعات المسلمة وإعادة العافية إليها بعدما دخلت في نفق مظلم من التدمير الذاتي، وتبين أن رياح التغيير التي هبت مع ما سمي بـ "الربيع العربي" ما كان لها أن تزرع مستقبلا مشرقا في غياب رؤية واضحة للهوية وللواقع بكل مستوياته وأبعاده ولمنهج النهوض والإصلاح.
وقد وضع "المنتدى" نصب عينيه وفي بؤرة اهتماماته إعادة النظر في منظومة من المفاهيم ذات الأصول الشرعية وإخضاعها للدراسة العلمية وعيا منه باعتبارين رئيسيين:
أولهما: طبيعته – أي "المنتدى" - ووظيفته باعتباره منتدى فكريا وعلميا؛ غايته الإسهام في إطفاء حرائق الأمة وتجنيبها الانفجار، ووسيلته تجديد منهج فهم الخطاب الشرعي والدعوة إلى الالتزام بنتائجه. فهو يدرك الطابع المركب للأسباب التي أوصلت المجتمعات المسلمة إلى ما وصلت إليه؛ تاريخية وآنية، ذاتية وموضوعية، مادية ومعنوية؛ لكنه يؤمن بأن إيقاف النزيف وإحلال السلم هو "واجب الوقت" بالنسبة للعلماء والقادة الدينيين والمفكرين ورجال السياسة. وهو واجب يستحق أن تتضافر فيه جهود كل العقلاء من أبناء الأمة ومن محبي الخير لبني الإنسان. وهذا الموقف ما لبث " المنتدى" يبرهن في لقاءاته الفكرية على أنه من صميم الشرع؛ لم يتخذ ليجامل أحدا، أو ليحابي هيئة، أو ليتعصب لطائفة، أو لينتصر لشريحة اجتماعية على أخرى... وما فتئت الأحداث والوقائع تبرهن على أن المجتمعات المسلمة لا خيار لها غير خيار السلم بكل أبعاده، وأن كل ما ينصرم من أعمارها في غير هذا الاتجاه يقربها أكثر إلى فناء الإنسان وخراب العمران وتقسيم الأوطان.
ثانيهما: خطورة الأفكار والمفاهيم في حياة الأفراد والأمم؛ خاصة أن كثيرا من المفاهيم ذات الأصول الشرعية أصبحت تنتزع من سياقها وتوظف لما يناقض مقاصدها. وقد أفضت هذه الظاهرة في أقل نتائجها سوءا إلى تقوية الانقسام والتشرذم في المجتمعات المسلمة التي ما زالت تبحث عن استقرار اجتماعي بعد تغير أنظمتها السياسية. أما الأسوأ من نتائجها فهو ما يشاهده العالم كله من كيانات طفيلية تقدم نفسها بديلا للدول الوطنية القائمة؛ بل وتسعى إلى استتباعها باسم "الخلافة الإسلامية". وهي كيانات لا يضاهي حرصها على توظيف المصطلحات والرموز الإسلامية الشرعية أو التراثية إلا حرصها -حيثما وجدت أو وجدت لها أتباعا حقيقيين أو مصطنعين- على انتهاك كل حرمة من حرمات الدين وخاصة حرمة النفس البشرية وبطرق وأساليب غير مسبوقة في بشاعتها وعبثيتها.
وقد تحصل لدى "المنتدى" اقتناع راسخ بأن من الأفكار والمفاهيم التي تسهم في إنتاج هذا الواقع تلك التي لها علاقة بمشروعية الدولة الوطنية في الفكر والوجدان الإسلامي المعاصرين. فبعد سقوط " الخلافة العثمانية" بقي كثير من العلماء والمفكرين المسلمين ينظرّون لعودة نظام الخلافة، وظهرت حركات وأحزاب تنادي بذلك وتعمل من أجله. وقد أسهمت هذه الثقافة -من بين عوامل عديدة- في إضعاف الولاء للدولة الوطنية. كما أسهم فيها تصور لما يسمى "بالدولة الإسلامية" حفلت به الأدبيات الفكرية والحزبية في العقود الأخيرة، ووجد صداه عند طائفة من العلماء. وهو تصور يصرح أصحابه أو يلمحون إلى عدم مشروعية الدولة الوطنية كما هي قائمة في العالمين العربي والإسلامي لكونها لا تستجيب لتصورهم للمواصفات الشرعية للدولة.
وقد وضع البيان الختامي للملتقى الثاني "للمنتدى" (2015م) أصبعه على هذا الموطن من مواطن الأدواء والأخلال في الثقافة الشرعية السائدة وصرح بوضوح بأنه "قد آن الأوان لكي يتصالح المسلمون مع دولتهم الوطنية؛ باعتبارها شكلا من أشكال نظم الحكم الذي لا يخضع إلا لقواعد المصالح والمفاسد والترجيحات والموازنات، وعلاقة تعاقدية لا تفقد مشروعيتها بمجرد الأخطاء؛ ولا تعفي إخفاقاتها من واجب الحوار البناء والنصح الحكيم بين المتعاقدين؛ حتى يتمحض جهد الجميع لبناء القدرات والإمكانات، وسد الثغرات، والتعاون على البر والتقوى، والتطلع إلى الريادة، واستعادة موقع الأمة التي أخرجت للناس رحمة بهم ونصحا لهم".
ويثير " المنتدى" اليوم موضوع مشروعية الدولة الوطنية لاعتبارات متعددة منها:
أ- أن نزع المشروعية عن الدولة الوطنية هو المسوغ الذي يلتئم حوله الآلاف من أبناء الأمة الإسلامية وشبابها على الخصوص ليلتحقوا بكيانات لا شرعية لها لا دينيا ولا شعبيا، وليصبحوا باسم "دولة الخلافة" وقودا لحروب تجهز على ما تبقى من مظاهر العافية والاستقرار في المجتمعات المسلمة وتهلك الحرث والنسل.
ب- أن نزع المشروعية عن الدولة الوطنية بحجج لا تأخذ بعين الاعتبار الظروف الذاتية والموضوعية للدولة الوطنية يحول دون انخراط شرائح عريضة من مكونات المجتمعات المسلمة في دعم المكتسبات، وتطوير الإمكانات، والمشاركة الإيجابية في العمل السياسي، ويشجع ازدواجية الخطاب وتقلب المواقف، ويضعف الثقة الضرورية بين الفاعلين السياسيين. كما أنه من أقوى دوافع السعي إلى التغيير العنيف لأنظمة الحكم؛ وهو الأمر الذي خلف في الغالب الأعم كوارث ما زالت آثارها على حاضر المجتمعات المسلمة ومستقبلها في طور التشكل.
ج- أن التغيرات الجذرية التي طرأت على المجتمعات المسلمة في أنظمتها السياسية والقانونية وفي أنساقها الثقافية والفكرية والتربوية بعد مرحلة الاستعمار وطبيعة العلاقة بين الدولة الوطنية والنظام السياسي الدولي.. وأثر كل ذلك على الأحكام الشرعية ذات الصلة بنظام الحكم ومؤسساته وممارسة السلطة والتنظيمات السياسية ... لم يصدر فيها لحد الآن من حيث التنظير الفقهي ما يمكن اعتباره اجتهادا حاسما ولا رأيا حازما حاكما. وليس القصد من هذه الدعوى التبخيس من قيمة ما كتب عن الدولة من منظور شرعي من أدبيات أو بحوث عدد منها يساعد في تبين الإشكالات المشار إليها آنفا؛ لكن حصيلة ما ألف في الموضوع إما تأصيل لصور تاريخية للدولة ومؤسساتها ووظائفها في التراث الإسلامي، أو تصورات نظرية لدولة منشودة في معزل عن الواقع المعاصر للمجتمعات المسلمة، أو معالجة لظواهر جزئية مرتبطة بالدولة الوطنية لم تقصد النفاذ إلى لب الإشكال.
وسعيا إلى طرح مشروعية الدولة الوطنية على بساط البحث والنقاش العلمي سيتدارس العلماء والمفكرون والباحثون والفاعلون السياسيون يومي (18- 19 ربيع الأول 1438 هـ/ 19-18 ديسمبر 2016م) بحول الله المحاور التالية:
المحور الأول: الدولة في الفكر والتجربة التاريخية للأمة قديما وحديثا:
للتجربة التاريخية للأمة في مجملها أثر كبير في ترشيد تجارب الحاضر وإلهام رؤى المستقبل. والملاحظ أن كثيرا مما يحرك الوجدان الإسلامي العام في توقه إلى استعادة الأمة لموقعها الريادي تصورات انتقائية لمحطات من تاريخ الأمجاد والانتصارات والكيان السياسي الواحد الجامع للمسلمين. إلا أن دراسة التجربة التاريخية للأمة مع "الدولة" يوقفنا على تنوع كبير في الصيغ، وتفاعل مع مراحل القوة والضعف، والوحدة والتجزئة، والتعايش والصراع. وهو تنوع انعكس بدوره على الفكر الإسلامي بمختلف اتجاهاته وتياراته.
ويتضمن هذا المحور موضوعين:
أ- الدولة في الفكر والتجربة التاريخية للأمة إلى نهاية السلطنة العثمانية.
ب- من الخلافة إلى الدولة الوطنية.
فالأول مخصص لرصد الاتجاهات الفكرية الكبرى في التنظير لقضية الدولة وشرعيتها في الفكر الإسلامي، ولمجمل التجارب في بناء الدولة؛ في تنوعها وفي علاقتها بالمجتمع والأمة والآخر إلى نهاية عصر السلطنة العثمانية ودخول الاستعمار الأجنبي.
والثاني يروم تحليل الظروف العامة للتحول إلى الدولة الوطنية، وما واكبها من تطلعات فكرية وتيارات سياسية تتوق إلى إعادة "الخلافة"؛ في مقابل تصورات واعية بأبعاد التحولات العالمية، وباحثة عن الإصلاح في إطار المواءمة والتوفيق.
المحور الثاني: الدولة بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية
لخص أبو المعالي الجويني (ت 478 هـ) القول في معظم مسائل الإمامة بكونها " عريّة عن مسلك القطع خليّة عن مدارك اليقين".  وهذا القول الجامع منبعه استقراء الجويني لمجمل ما دار حول النصوص الشرعية في قضايا الدولة والحكم من استنباطات وفهوم بدءا من عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وملاحظة أثر السياقات التاريخية على من سبقوه إلى الكتابة في " السياسة الشرعية".  ويتعزز هذا الاستقراء بما يحفل به التراث الفقهي الإسلامي من اجتهادات متنوعة لم يعتبر فيها الفقهاء إلا تحقق المصالح العامة من وجود الدولة كحفظ الضروريات الخمس؛ ومن ذلك إجازتهم – مثلا- إمامة المتغلب وإلغاء اعتبارهم قرشية نسب الحاكم حفاظا على السلم والأمن ومراعاة للكفاءة والقدرة على تدبير شؤون الدولة.
ومقتضى هذا التحقيق أن للمجتمعات المسلمة سعة في هذا الأمر، وأن المشروعية الدينية للدولة ليست مرتبطة برسوم معينة بل بقدرتها على تحقيق المصالح الضرورية وفي مقدمتها ضمان السلم والأمن للمجتمع دون أن يعفيها ذلك من الوفاء ببقية ما تطيقه من مسؤوليات وعلى رأسها إقامة العدل.
ويتضمن هذا المحور موضوعين:
أ- الدولة في النصوص الشرعية واجتهادات الفقهاء.
ب- المصلحة وتدبير الدولة في الفقه السياسي الإسلامي.
فالأول لبيان النصوص الشرعية الحاكمة لموضوع الدولة وتمييز مستويات القطع والثبات فيها في ضوء فهوم واجتهادات أئمة الفقه الإسلامي، والثاني لتجلية مركزية المصلحة الشرعية في فقه الدولة، وما تمنحه أصول الشريعة وقواعدها ومقاصدها للمسلمين في كل عصر من إمكانات الاستمرار والتكيف والتطوير واستيعاب ما وصلت إليه التجربة الإنسانية من صيغ وأشكال وآليات في تشكيل الدولة ووظائفها وعمل مؤسساتها؛  وذلك بحسب ما يطرأ على واقعهم من تغير، وما يواجههم من تحديات، وما يصطدمون به من إكراهات.
المحور الثالث: إسلامية الدولة 
دأب المنتدى في كل ملتقى من ملتقياته على التصدي لأشكال سوء فهم المفاهيم الشرعية أو مصادرتها بطروء خلل على أحد عناصر تكوينها؛ "سواء كان مدلولا لغويا وشرعيا، أو مقاصد وعللا مولدة للأحكام، أو واقعا وبيئة هما مجال التنزيل". وبما أن المفاهيم ذات العلاقة بالسياسة هي أكثر المفاهيم إغراء بالتوظيف؛ فقد شاعت أفكار لها تعلق بالدولة في سياق نزع المشروعية الدينية عن الدولة الوطنية منها اعتبار "دولة الخلافة" وحدها مستحقة للمشروعية، أو المطابقة بين "تطبيق الشريعة" وإقامة الحدود الشرعية، أو إقامة تعارض بين الولاء للدولة الوطنية والولاء للأمة الإسلامية.
ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:
أ-الخلافة وإسلامية الدولة
ب- التشريع وإسلامية  الدولة.
ج- مسألة الولاء وإسلامية الدولة.
فالموضوع الأول بسط للقول في مصداقية الربط بين المشروعية الدينية للدولة وبين كونها دولة خلافة. أي هل يصح أن نعتبر هذه الصيغة التاريخية التي جربتها الأمة وحققت مقاصدها في جمع كلمة المسلمين في سياق تاريخي ملائم كان الفقهاء يقسمون فيه العالم إلى دار إسلام ودار حرب شرطا في مشروعية أي دولة ذات أغلبية مسلمة؟ ألم ينته فقهاء أهل السنة إلى إقرار تعدد الأئمة- أي تعدد الدول بالنسبة لهم- إذا تباعدت الأقطار ثم تنازلوا حتى عن هذا الشرط رعاية للمصالح العامة؟ ألم تقم دول مستقلة عن الخلافة في بلدان من مشرق العالم الإسلامي ومغربه وأقر بمشروعيتها علماء البلد وقضاته ومفتوه؟ ثم على افتراض أن الصيغة المثلى للدولة في ديننا هي صيغة دولة الخلافة؛ هل يسمح السياق الدولي الحاضر بقيام دولة من هذا القبيل؟ بل هل يجوّز الشرع محاربة الدول الوطنية المسلمة بقصد توحيدها في دولة جامعة؟
والموضوع الثاني سعي للإجابة عن أسئلة لم تعد تحتمل التأجيل؛ ومنها:
ما المقصود بأن دولة ما "إسلامية"؟ خاصة أن هذه النسبة لم ترد عند القدامى؟  أي هل يصح وصف دولة -كما يوصف الأفراد- بإسلام أو إيمان؟ أي هل الإسلام والإيمان ومن ثم الورع والفسق وغيرها من أوصاف ومراتب القرب والبعد من الدين يصلح أن يوصف بها كيان معنوي كالدولة كما توصف -مثلا- بأنها ديمقراطية أو ديكتاتورية بالنسبة لنظامها السياسي أو ليبرالية أو اشتراكية بالنسبة لنظامها الاقتصادي؟
ثم ما معيار "الإسلامية" إذا أجزنا أن يكون صفة للدولة؟ هل هو وجود أغلبية مسلمة وإقامتها للشعائر؟ أو تطبيق أحكام بعينها؟ وإذا افترضنا أن المشروعية الدينية للدولة مرتبطة بتطبيق الشريعة فما الذي يعنيه هذا المركب الإضافي؟ وهل يمكن اختزاله في إقامة الحدود؟ وهل بوسعنا أن نعتبر عدم إقامة الحدود مجرد نزوة شخصية للحاكم إذا ما استحضرنا تأثير التغيرات الجذرية في موازين القوى بين العالم الإسلامي والغرب منذ العصر الحديث، وكذا خصائص الدولة الوطنية وإكراهاتها في عصر العولمة، وأيضا وجود مؤسسات أممية ومواثيق دولية ...إذا استحضرنا تأثير كل ذلك على الأنظمة والاختيارات القانونية في العالم الإسلامي؟
أما الموضوع الثالث فلتصحيح مفهوم الأمة باعتباره مفهوما دينيا لا سياسيا ولتفكيك التصورات التي تقيم تعارضا بين الولاء للأمة والولاء للوطن والدولة الوطنية.
المحور الرابع: الدولة الوطنية: المفهوم والسياق:
ويتضمن هذا المحور الموضوعين التاليين:
أ- مفهوم الدولة الوطنية
ب- خصائص الدولة الوطنية في العصر الحديث
فالأول بحث في مفهوم الدولة الوطنية باعتباره مفهوما مركزيا في هذا الملتقى، ورفعا لأي التباس قد يحصل حول تعارض هذا المفهوم من حيث هو مع الشريعة.
والثاني محاولة لاستجلاء الخصائص المميزة للدولة الوطنية في العصر الحديث وآثارها على النسيج الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتشريعي للمجتمعات المسلمة؛ كالسيادة المنقوصة في علاقتها بالنظام الدولي وموازين القوى، والاقتصاد المرتبط بنيويا بالاقتصاد الدولي وتقلباته، وتمازج البشر والثقافات والمعتقدات وتطور وسائل التواصل إلى درجة يستحيل معها الرقابة التربوية على الأفراد، وأثر الفردية ونمو فكرة "الفرد" على الامتثال للأحكام الشرعية...

المحور الخامس: سيادة الدولة في سياق العولمة ( ندوة) :
عرفت سيادة الدولة الوطنية في العقود الأخيرة تغيرات كثيرة وعميقة شملت المكان والسكان  والصلاحيات والتشريعات. وهي تغيرات مرشحة للتوسع لأسباب متعددة منها : تنامي نفوذ ومجال عمل الشركات المتعددة الجنسيات، ودخول الدول في التزامات دولية جديدة بحكم انخراطها في منظمات إقليمية ودولية وتوقيعها على اتفاقيات ومعاهدات؛ وخاصة تلك التي تتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات، ومنها ارتباط بعض الظواهر بدول الجوار أو تأثيرها على المستوى الدولي كقضايا المياه والبيئة؛ دون ان ننسى التحديات التي تفرضها بعض الظواهر على سيادة الدولة كتداعيات الإرهاب العابر للقارات.
وبما أن المجتمعات المسلمة معنية –ربما أكثر من غيرها -بهذه الظاهرة فسيخصص هذا المحور لدراسة المآلات المحتملة لسيادة الدولة الوطنية في سياق العولمة والفرص المتاحة للتكيف معها .
المحور السادس: الدولة الوطنية وتعزيز السلم:
يتضمن هذا المحور -من جهة- تحليلا للمنطلقات الثقافية لسعي جماعات مسلحة باسم الإسلام إلى إقامة "دولة إسلامية" أو "خلافة على منهاج النبوة" يبيح "الجهاد " من أجل إقامتها كل أشكال العنف المحرم دينيا وإنسانيا ضد المسلمين -في المقام الأول - وضد غيرهم، وكل الوسائل اللاأخلاقية لضمان استمرار هذا الكيان وتوسعه، ويسعى لبيان آثار انتشار هذه الجماعات والاستقطاب العابر للدول والقارات التي تمارسه لتجييش الأنصار ونشاطها العسكري والممارسات التي تقوم بها -حيث تتحكم- على المجتمعات المسلمة في المدى القريب والبعيد.
كما يثير هذا المحور – من جهة ثانية- موضوع الدولة الوطنية ودورها في تعزيز السلم باعتبارها دولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، ولكونها أيضا الوحيدة المخولة باستعمال العنف – إذا اقتضى الأمر- لتطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات.
ويتضمن ها المحور الموضوعين التاليين:
أ- أطروحة الدولة الدينية وتسويغ العنف.
ب- الدولة الوطنية واحتكار العنف.
المحور السابع: تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في تعزيز السلم:
يتابع "منتدى تعزيز السلم" بهذا المحور ما بدأه في ملتقاه الثاني (منتدى 2015م) من رصد  وتجلية لعناصر الأمل في إحلال أو تعزيز السلم الاجتماعي في الواقع المعاصر وخاصة في المجتمعات المسلمة. وهنا تحضر تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة المتميزة باحتضان طيف واسع التنوع من الجنسيات والمعتقدات التي تتعايش في جو من التسامح يعززه إصدار أول قانون عربي في تجريم ازدراء الأديان والمقدسات، وتجريم أفعال وأقوال التكفير، ومكافحة كافة مظاهر التمييز والكراهية على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفة أو ما سوى ذلك من مبررات التمييز.
 المحور الثامن: "إعلان مراكش": شهادات ومقترحات:
منذ صدور "إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية" أواخر شهر يناير من هذه السنة وهو يثير نقاشات علمية عميقة في منتديات ومحافل دولية. ويرجع هذا الاحتفاء إلى كونه إعلانا: أ- مؤصلا ينطلق من قيم "صحيفة المدينة" التي كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد دخوله المدينة المنورة لتكون بمثابة دستور لمجتمع متعدد الديانات والأعراق .
ب- صادرا باتفاق ومصادقة جميع الحضور من العلماء وصناع القرار من المسلمين وبمباركة نحو أربعين ممثلا للهيئات الدينية من غير المسلمين بجميع طوائفهم ومللهم.
ج- متضمنا لخطوات إجرائية وتوصيات قوية ترمي إلى ضمان حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة وتعزز ثقافة التعايش والتسامح اجتماعيا وتربويا وقانونيا.
ونظرا لما ترتب عن " إعلان مراكش " من نقاشات وما أطلقته بعض الشخصيات والهيئات التي شاركت فيه من مبادرات فإن هذا المحور مخصص لشهادات تؤكد أهميته وخصوصيته ومقترحات لتفعيل مضامينه وتوصياته علميا وعمليا.
ويطمح " منتدى تعزيز السلم" في ملتقاه الثالث بطرح موضوع "الدولة الوطنية في المجتمعات المسلمة" -الذي لا تخفى أهميته على الباحثين والمتتبعين لمجريات الأمور - على بساط البحث العلمي والنقاش الفكري بين علماء الدين والمفكرين والباحثين في علوم السياسة والعلوم الإنسانية وخبراء الاستراتيجية وغيرهم من المهتمين ... إلى بلورة تصورات تسهم في تحقيق مصالحة بين المجتمعات المسلمة ودولها الوطنية نابعة من مقاصد الشرع الحنيف واستقراء تجارب الماضي وعبره واستحضار مخاطر الحاضر وإكراهاته ومآلات المستقبل وفرصه.
                                                                                                                                                                           والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
.

الكلمة التأطيرية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فيشاء الله عز وجل أن يجمعنا في هذا الملتقى الثالث، على أرض زايد رحمه الله، أرض الإمارات العربية المتحدة، أرض الخير والنماء، فنسأل الله أن يبارك في الأرض وأهلها، وأن يوفقهم إلى الخير، ويهيء لهم من أسبابه. وأن يعم الأمن والأمان، والسلم والسلام على بلاد الإسلام، وعلى الإنسان في كل مكان.
أيها السادة العلماء، أيها السادة المفكرون:
لماذا نجتمع؟، ولماذا موضوعنا الدائم هو السلم؟.
نجتمع لنؤكد أهمية السلم في هذه الحقبة، التي تتميز بوضع عالمي غير مسبوق يشهده العالم عموما، والعالم الإسلامي خصوصا، والعربي بشكل أخص. فالوضع الذي كان قائما في الملتقى الأول والثاني، لم ينفك يتفاقم، بل اشتد أوار النزاعات، واستفحلت الخصومات، وصار القتل والقتال عملة وسلعة رائجة، فلا تسمع إلا مذبحة هنا، ومجزرة هناك، وانفجارا في الشرق وآخر في الغرب تذهب ضحيته الأرواح البريئة التي لم تجن جناية وولم ترتكب إذاية، وتحقق معنى النبوءة: "لا يدري القاتل فيم قَتلَ، ولا المقتول فيم قُتل".
فلا تزال الساحة تمور بالفتن، ولا تكاد تمر فترة دون أن يصدر قانون أو يتخذ إجراء ضد المسلمين أشخاصا حقيقيين أو اعتباريين، ودون أن نسمع بتصريحات تؤجج نيران العنصرية الدينية، فحتى الحملات الانتخابية وجدت في العنصر المسلم مادة انتخابية تستميل بالتحريض ضده أصوات الناخبين في البلدان الكبرى المُمَكَّنة في الأرض تروج لإشكالية الدين الإسلامي ومشكلة المسلمين.
لقد قرر منتداكم هذا أن يكون منبرا رفيعا ومنصة سامقة لتقديم بيان يعيد مفاهيم الدولة إلى نصابها، ويسمح لهذه المنطقة المنكوبة أن تظفر من السلام والعافية بنصيبها.
أيها السادة:
 لقد نوهنا في  كلمتنا التأطيرية لملتقانا الثاني في 2015  ب"أن القضايا التي شغلتنا ما زالت غير مُستوعَبةٍ، والقيم التي دافعنا عنها غير مُتَمَثَّلةٍ، والنصوص الشرعية التي سردناها غير ممتثلة. إن الهم هو أن تنبت شجرة السلم، والتي تحتاج وقتا لتقوم على سوقها وليس المهم من يستثمر أو من يستظل، ولكن المهم هو إنجاز المهمة التاريخية"، وهي المهمة التي نحن بصدد إنجازها، وإن شاء الله سائرون عليها، لأن غايتنا أن ننشر السلام وثقافته، والغاية تبرر الوسيلة في هذا المقام.
ولتوضيح الصورة، وليكون ذلك في متناول الجميع، استكتب المنتدى مجموعة من الباحثين الأذكياء، وأعد أضابير كتب صغيرة أفرد لكل موضوع كتابا وهي الآن في طور التحكيم والأهم من ذلك أنه ومنذ انعقاد المؤتمر الأول لتعزيز السلم انتشرت مصطلحات ثقافة السلم ومفرداتها، وتأثث فضاء الفكر بمفاهيمه، ونحن نعلن أننا لا ندعي ملكية فكرة أو طرح، فكل ما نفكر فيه ونطرحه ملك للجميع.
 لقد عقدنا مؤتمرا لبعض المفردات الغائمة في الأذهان كمفهوم المواطنة بالنسبة للطوائف المختلفة دينا في البلاد ذات الأغلبية المسلمة، وشاركنا في عدد كبير من المحافل العربية والدولية، وارتقينا أعلى المنابر الأممية حاملين للناس دعوة سلام نرجو أن تهوي لها أفئدة من أولي بقية تؤمن بأولوية السلم، وأن تعيها أذن واعية.
ما هو موضوع الملتقى؟
إننا نجتمع لاستئناف ما بدأناه في ملتقياتنا السابقة من تشخيص وتأصيل لعدد من المفاهيم نرى أن ما وقع فيها من خلل مدخل من مداخل الأزمة التي نعيشها اليوم، وفي الوقت نفسه تصحيحها من أهم المخارج التي ننفذ من خلاله إلى فضاء السلم الرحيب.
هذه المفاهيم يمكن القول إنها وجدت ونبتت ونمت خارج الضبط العلمي فمنها ما هو قديم بالجنس جديد بالنوع ينطبق في وقت ووضع تاريخي معين، لكنه مع غياب شروطه الزمانية والإنسانية أصبح من المتعين ضبطه من جديد كمفهوم الجهاد ومفهوم الدار.
لقد رأى مجلس الأمناء بسبب الأوضاع التي شهدتها المنطقة أن يكون مؤتمر المنتدى الثالث في مواجهة مفهوم لا يقل خطورة عن سابقيه من المفاهيم التي تعاملنا معها في ملتقياتنا السابقة والتي احتجنا في ما سبق إلى مراجعتها وضبطها على ضوء المتغيرات الواقعة في الزمان والمكان والإنسان،  هذا المفهوم هو مفهوم الدولة والدولة الوطنية الذي نعتبره من المفاهيم المفجرة التي يجب تفكيكها وإعادة تركيبها، كونُه تذرع به البعض لتحقيق غايات يضفي عليها الشرعية من خلال نصوص مجتزأة من سياقاتها، ومن خلال إهمال فج لأدنى قواعد منهج تنزيل الأحكام والمفاهيم التي أصل لها علماء المسلمين عبر الأزمنة المتوالية.
وسيكون مدخلنا إلى موضوع هذه الكلمة التأطيرية من خلال توطئة نتحدث فيها عن صناعة المفاهيم وأهميتها، لندخل في صلب الموضوع بالحديث عن مسألة الدولة وعلاقة الدولة بالدين مع التطرق إلى الرؤية الغربية لهذه العلاقة، ثم لنناقش قضية إسلامية الدولة، وقضية الخلافة والدولة الوطنية التي سنتناولها من خلال ثلاثة قضايا:
- الأولى: تتعلق بالإحالة بين ما هو ديني وما هو دنيوي.
- الثانية: تتعلق بسؤال: هل الخلافة تعبدية أـم مصلحية؟
- الثالثة: هي إطار شرعي للقضيتين الأوليين، ولزاوية النظر إلى قضية الدولة الوطنية، وهو ما يتعلق بمركزية المصلحة في تدبير الشأن العام.
ما هي منهجيتنا؟
في محاولة دائبة لتصحيح ما لحق بها من الخلل والتحريف الناشئ عن سوء فهم للأصول الأولى أو جهل بالشروط الزمانية والمكانية التي تعيد صياغة المفهوم لأنها تمثل عنصرا ضروريا لمركب المفهوم بناء على أن المفهوم دائما هو شيء مركب وليس بسيطا وإننا في ذلك نعتمد على أساسيين هما الشريعة نصوصا ومقاصد، والواقع الإنساني مصالح ومفاسد في مزاوجة بين العقل والنقل بأدوات أصولية صحيحة الانتماء للمنظومة التراثية ووسائل معاصرة...
وبالنسبة للأدوات الأصولية فإنها تعتمد النص الواضح والتأويل الشارح والتعليل السالم من القوادح مستلهمة من القاصد القائمة على كلية كبرى مسلمة وعلى أخرى مستقرأة وعلى أقيسة جزئية فيها الحمل على النظير واعتبار الغائب بالشاهد العتيد.
لقد تحدثنا عن هذه المنهجية في كل ملتقايتنا، لكننا جمعناها في نظام واحد في كلمتنا التأصيلية لمؤتمر مراكش للأقليات الدينية الذي عقده المنتدى بشراكة مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية في يناير 2016، وحددناها في إحدى عشرة نقطة:
1- الانطلاق من مسلمة أن نصوص الشريعة بمنزلة النص الواحد، وأن كل المفاهيم الشرعية مرتبطة بمكونات هذا النص، وذلك في مواجهة منهج وثقافة الاجتزاء.
2- البحث في الاحتمالات والحمولات اللغوية التي تهيئ النص والمفهوم للتأويل والحمل.
3- الجمع بين النصوص وسياقات المفاهيم.
4- البحث في التجاذب بين الكلي والجزئي من النصوص والمفاهيم والموازنة بينها لتفادي الاجتزاء.
5- تبييء الخطاب التكليفي المؤسس للمفاهيم ضمن بيئة خطاب الوضع، باعتبار خطاب الوضع ناظما للعلاقة بين خطاب التكليف بأصنافه وبين الواقع بسلاسته وإكراهاته.
6- مراجعة سياقات المفاهيم بتحيين عديد منها على مر التاريخ لتلائم الزمان ضمن عملية تحقيق المناط.
7- رعي العلاقة بين الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد بالنظر إلى المعاني والمصالح ومراتبها.
8- مراعاة كلي الزمان والعصر باعتبار أن الواقع شريك في بناء الأحكام وتقرير المفاهيم وصور تنزيلها.
9- النظر في المئالات والعواقب.
10- ملاحظة موارد الخطاب طبقا للوظائف النبوية.
11-استحضار البعد الإنساني والإنتماء إلى الكون.
وهي نفسها المنهجية التي نلتزم بها في معالجة مفهوم الدولة.
لكن قبل ذلك اسمحوا لي أن أوطئ للموضوع بتوطئة حول صناعة المفاهيم وأهميتها والحاجة الحاقة إليها، ونحن ندرك أنه بدون تحرير المفاهيم وضبطها لا يمكن إيجاد بيئة ملائمة لثقافة السلم وهذا ما يعني أن التعامل معها أمر ملح وأولوية كبيرة، وقد قاربنا في ملتقياتنا السابقة عددا من المفاهيم رأينا أن في تصحيحها وإعادة تشكيلها وترميمها، وإعادة تموقعها يكمن حل جانب كبير من الأزمة، وفيها تصحيح لكثير من الأخلال التي وقعت، وأن  التطبيع بين المفاهيم  الشرعية والمفاهيم المستجدة قد يهيئ السبيل للسلم الاجتماعي، فنحن نرى أنه بدل الإشاحة عنها ينبغي التعامل معها من خلال عملية مراجعة وإعادة صياغة انطلاقا من الأصول الشرعية ومقاصد الشريعة وإن شئت قلت مقتضى النظر الشرعي كما يقول ابن خلدون، ومقتضى العصر.
توطئة حول صناعة المفاهيم
من القرن السابع الهجري بدأ العقل المسلم يدخل في أزمة فقهية وفكرية، نتيجة الجمود على المنقولات، وأخذت هذه الأزمة منحى تصاعديا بشكل تدريجي صاحبته أحداث جسام لعل أهها سقوط الأندلس في القرن التاسع، ولم تعد النظرة التجديدية لقضايا الزمان حاضرة في العقلية الفقهية والفكرية، واتسم الوضع بنوع من القصور في القدرة على إنتاج مفاهيم جيدة تحيي في الأمة ما اندرس منها وعفا رسمه.، واستمر مؤشر الأزمة في تصاعد تزامنت شدته مع الحركة الاستعمارية وسقوط الدولة العثمانية في بدايات القرن العشرين.
 وفي هذه الفترة نشأت مفاهيم ملتبسة   قامت بناء على خلفيات علمية لم تحترم الأصول الصحيحة للتراث، ولم تستوعب التغير الذي اعترى الزمان والواقع، فوقعت في إشكال التقابل بين ثنائيات في منهجية سطحية، كإسلامية الدولة مقابل العلمانية، والخلافة أو الإمامة في مقابل الدولة الوطنية، فهذه مفاهيم ألقيت في الساحة الفكرية، وأصبحت تلقائية ومتغلبة وكأنها حقائق علمية أو مفاهيم صحيحة دون تمحيص وتدقيق.
ولذلك أثار المنتدى العديد من المفاهيم وأشار إلى المضامين الصائبة في بياناته طبقا للمعايير التي اعتمدها في التعامل كمفهوم الجهاد، ومفهوم المواطنة، ومفهوم التكفير، ومفهوم الطاعة، ومفهوم الولاء والبراء، وكالعلاقة بين خطاب الوضع وخطاب التكليف الذي يمثل صياغة مطورة للشروطة الزمانية والمكانية والإنسانية لتطبيق أحكام.
نحتاج اليوم إلى نظر كلي يلاحظ الواقع المستجد لتركيب الدليل مع تفاصيله وترتيب الأحكام على مقتضياته. إنَّ صُنْع الأداة التي هي هنا القاعدة أو المفهوم أو الكلي، هو أهم وسيلة لإنتاج فكر أو إصدار حكم في قضايا الواقع وفروع الشرع والقانون وتفاريع الحياة وشعاب شؤون المجتمعات. ولهذا فإن بُؤرة التجديد ومَنْبِتَ أَرُومَتِه إنما تكون في صُنْع هذه المفاهيم صياغةً مستقلةً مبتكرةً ومخترعةً أو مراجعة المفاهيم المعتمدة في المجالات المستهدفة وما يتولد عنه من الأحكام لتهذيبها وتشذيبها وعرضها من جديد على أصولها من جهة وعلى النتائج من جهة أخرى، مما قد يؤدي إلى تحويرها أو تغييرها أو تطويرها أو تعديلها وتبديلها، ذلك أن جل القضايا التي يتعامل معها الفقيه هي من نوع المجملات.
حيث إن الأجناس العامة، والأنواع والأوصاف المعنوية عند ما تكون محققةً للمناط يدقُّ فهمها، ويصعب نظمها، ويصبح غالب الظنِّ أغلب مناطها، ويعسر على المستنبط الاستقاء من نباطها، وذلك كالمصلحة، والحاجة، والمشقة، والغرر، والجهالة، والذريعة، والمئال، فيكون الأمر فيها بين حدِّ أعلى معتبرٍ، وحدِّ أسفل عديم الأثر، ووسطٍ محلَّ تجاذبٍ، والآراء فيه موضع تضاربٍ؛ فيختلف الفقهاء، ويفتقر إلى الخبراء، سواء تعلق الأمر بمدلول لفظٍ أو عموم معنى أو تحديد دلالةٍ لا حدَّ لها من الشرع.
ولصياغة هذه المفاهيم لتنزيل الأحكام عليها في العصر الحاضر نحن بحاجة إلى دمْج الواقع؛ كصنيع الفلاسفة في مدلول المفهوم الجديد، وأستشهد بأحدهم، وهو الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز إذ يقول: إن الفلسفة إذا لم تُبْنَ على إشكالات الواقع تكون مجردةً، مما يفقد المفهوم الفلسفي أهميته.
ولهذا فهو يرى أن على الفيلسوف أن يبدع المفهوم Concept فيما سماه "بخلق المفهوم" ولكن بناء على مشكلة من الواقع، فعليه أن يبحث عن المشكلة ليبني عليها المفهوم انطلاقاً من الوجود القبليِّ للفكرة، كما هي عند أفلاطون.
فكيف نصوغ هذه المفاهيم؟ ذلك هو التحدي الذي تقتضي الإجابة عليه مراجعة المدلول اللغوي والشرعي، وكذلك المقاصد والعلل المولدة للأحكام، والواقع والبيئة التي هي مجال التنزيل.
إنَّ المفهوم معرِّفٌ، والمبدأ معلِّلٌ، فالأول حَدٌّ، والثاني مقصد. قد يعتمد الأول على الثاني، وذلك يفسر التداخل والالتباس. والمبدأ قد يحتاج إلى تعريف، ومعرِّفه هو المفهوم والحد.
إن الواقع الذي نتعامل معه اليوم في العالم الإسلامي واقع مضطرب ومتجاذب بين ماض فيه المجد والضد، وحاضرٍ فيه الطموح والقلق، ومستقبلٍ يلُفه الغموض والتوجس وفيه بعض الرجاء والأمل.
وبهذا الصدد كانت قضايا وتصرفات الخلفاء الراشدين في الحدود الشرعية، وجباية أموال الغنائم وغيرها من القضايا معللةً، وكان تأثير الواقع فيها محسوساً، وأثر رعاية المصالح ملموساً مما يبرهن على أنَّ الواقع شريك في استنباط الحكم، فرأينا كيف تصرف الصِّدِّيق في شأن مانعي الزكاة، والفاروق في أراضي الخراج، وفي مسألة الجزية لتكون زكاة. وذي النورين في إتمام الرباعية في الحج، وفي زكاة الأموال الباطنة. وأبو الحسن في التعامل مع الخوارج والتحكيم، رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم وعنا معهم بفضله ورحمته الواسعة.   
كل ذلك يُمهِّد لبناء كليٍّ أعلى يتعامل مع مختلف الدلائل، ومع تفاصيل المسائل؛ لأن شراكة الواقع لا تعني الإفلات من قيود الدليل والاسترسال مع واقع وبيلٍ.
إن الواقع متغير، والواقع المتغير باحث بإلحاح عن أجوبة عملية في قضايا متنوعة تمس حياة الأمة في شتى المجالات والميادين في وقت واحد وفي كل مكان. والذي يهمنا هو التأصيل للقضايا الفقهية -التي تمثل للمسلمين المنظومة التعبدية والقانونية التي تحكم النسق السلوكي والمعياري في حياة الفرد والجماعة،- والتي يجب أنْ تواكب مسيرة الحياة التي تشهد تغيرات هائلة وتطورات مذهلة من الذرة إلى المجرة، في شتى المجالات ومختلف المظاهر والتجليات، من أخمص قدم الأمة إلى مَفرِق رأسها في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية، والكشوف العلمية، والعلاقات الدولية والتمازج بين الأمم، والتزاوج بين الثقافات إلى حد التأثير في محيط العبادات، والتطاول إلى فضاء المعتقدات. وقد أصبحت الأنظمة الدولية والمواثيق العالمية ونظم المبادلات والمعاملات جزءًا من النظم المحلية، وتسربت إلى الدساتير التي تعتبر الوثائق المؤسسة فيما أطلق عليه اسم العولمة والعالمية، كل ذلك يدعو إلى التجديد في الأصول لتصحيح الفروع حتى تكون سليمة لأنها مبنية على أصول صحيحة، "فلا مطمع في الإحاطة بالفرع وتقريره والاطلاع على حقيقته إلا بعد تمهيد الأصل وإتقانه؛ إذ مثار التخبط في الفروع ينتج عن التخبط في الأصول". كما يقول أبو حامد الغزالي.
مسألة الدولة
إن الدولة تعتبر تلبية لتطور وتعامل الإنسان مع ذاته، وحاجته إلى العائلة، و إلى المجتمع فالمِلكية لمسخرات الكون التي كانت مشاعة عندما تتعلق بالصيد وقطف التمار بحيث تصبح ملكية خاصة...وحاجته للتعاون، ولفض النزاع عند التخاصم ولجهة تحمي الضعيف وتدرأ الحروب والخصومات إذا لم توجد يكون الوضع كما قال الشاعر:
                                                                                     فَتَسَاقَوْا كَأْسَاً أُمِرَّتْ عَلَيْهِمْ
                                                                                                                         *** بَيْنَهُمْ يَقْتُلُ العَزِيزُ الذَّلِيلا
و الحاجة إلى قضاء، وإلى نظام تشريع عادل أو من حكمة الحكماء، أو من وحي الأنبياء، ولعل لوحة المشرعين العظام العشرة التي كانت معلقة أعلى المحكمة العليا الأمريكية، ومن بينهم أنبياء كموسى عليه السلام، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم تدل على أهمة التريع في حياة البشرية.
 والدولة في الأصل اللغوي تحيل على معنى النوبة ومعنى التداول الذي يشير إلى النصر أو الهزيمة. ولهذا فأكثر ما تذكر مضافة إلى معنى غيرها، كدولة بني العباس، وفي معنى التداول قوله تعالى:وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم قال الشاعر فروة بن مسيك المرادي:
                                                                                     كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ
                                                                                                                      *** تَكُرُّ صُرُوفُهُ حِينًا فَحِينًا
وفي المفهوم الغربي هي مأخوذة من State بدون أن نتوقف عند ميكيافيلي الذي كان من أوائل من أصل ونظر للدولة، واستعمل مرادف هذه الكلمة بالإيطالية حين كان ينظر للأمير الإيطالي لورنزو العظيم بن دبياروديميسيس في القرن الخامس عشر.
والدولة في التصور الغربي تشير إلى مفهومين:
- مفهوم سياسي قانوني: وأصلها أنها تعني حالة معينة، واستقر المفهوم على أنها  "مجموعة بشرية تقيم على أرض محددة تخضع لسلطة واحدة، يمكن أن تعتبر شخصية معنوية، قد تكون إمبراطورية، أمة، بلداً، قوة، جمهورية، مملكة". ويمكن أن تعرف بأنها: السلطة السيادية السياسية التي تتمتع بالشخصية القانونية وتخضع لها مجموعة بشرية. وهذا المعنى الثابت في قاموس الأكاديمية الفرنسية(1694م). وهكذا تدعى الدولة بصفتها حكومة شعب يعيش تحت سلطة أمير أو جمهورية كما تستعمل لنفس البلد الذي يعيش تحت نفس السلطة.
ويمكن أن نلحظ من المعنى اللغوي للدولة أنها مفهوم مرن متطور، وأنها غير ثابتة على حالة أو شكل واحد، فهذا المفهوم القانوني والسياسي متطور بحسب إرادة الإنسان وحاجاته، فتكون الدولة حسب إرادة المجموع بسيطة أو فيدرالية أو كونفيدرالية، فالإسلام لا يهتم بالشكليات وإنما بالمضامين الموصلة للمصلحة.
- مفهوم القانون الدولي انطلاقا من معاهدة مونتفيديو بأروغواي في أمريكا اللاتينية سنة 1933 حددت أربع خصائص يجب توفرها :
1- وجود أرض محدودة ومعينة.
2 - وجود شعب يقيم على هذه الارض بشكل دائم.
3- وجود شكل من الحكم في حده الأدنى.
4- القدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى.
مسألة علاقة الدين بالدولة:
علاقة الدين بالدولة في الغرب، أو علاقة الديني بالدنيوي مرت بأطوار عديدة واتخذت مسارات متعددة، ترجع إلى خصومة وحروب مردها إلى شيئين: أولهما: الحرب في داخل المذهب الواحد، التي يكون الهدف منها إزالة أو تقليص سلطة الكنيسة لتتخلى عنم السلطة الدنيوبة، أو تتخلى عن بعض الإدارات والتصرفات الدينية، وغالبا ما تكون بين الملوك والكنيسة.
والثاني، بين مذهبين من الدين المسيحي كما وقع بين البروتستانت والكاثوليك خلال قرون طويلة وهذه الحروب أدت في النهاية إلى نوع من المصالحة إذا صح التعبير لتنازل الكنيسة عن السيادة التي كانت لها في الشأن الدنيوي، ولتعلن بعض الدول عدم ارتباطها رسميا بالدين.
إلا أن الكثير من الدول ظلت مرتبطة بالدين بشكل أو بآخر، ومنها دول تنص في دساتيرها على كنيستها الرسمية كالدانمارك وإيسلندا والنرويج، وكانت السويد أيضا حتى عام 2000 تمتلك كنيسة رسمية هي كنيسة السويد اللوثرية الإنجليكانية. وهناك بريطانيا التي فيها الملكة هي حامية الإيمان والعقيدة، وفي مجلس البرلمان واللوردات البريطاني هناك أكثر من عشرين مقعدا يجلس فيه أساقفة منهم أسقف كانتربري. وكذلك في أمريكا اللاتينية كثير من الدول تعلن أن دينها الرسمي هو المسيحية، وأكبر الكانتونات السويسرية لها كنسية رسمية تنفق عليها الدولة من أموال دافعي الضرائب. كما توجد أيضا دول بوذية نصت قوانينها على أن دينها الرسمي هو البوذية، ولا توجد إلا دولة واحدة في العالم المسيحي ثيوقراطية هي دولة الفاتيكان، لأن البابا فيها يعتبر خليفة لبطرس ونائبا عن المسيح وهو معصوم.
إذن، المسار المسيحي يختلف عن المسار الإسلامي، فالخصومة كانت بين رجال الدين وبين الحكام أو الشعوب، أو بين المذاهب الكنسية. ولا يزال للدين والأخلاق في القوانين العلمانية حضور قوي فنحن نعرف أن قضية الإجهاض، وقضية المثليين في أمريكا مثلا الخلاف فيها خلاف يرجع إلى الدين وإلى الفلسفة وإلى الأخلاق بين الجمهوريين والديمقراطيين.
يقول القانوني الفرنسي جاك برادلي في كتابه: القانون الجنائي: مدخل عام وهو يعترف فيه بصعوبة تعريف الجريمة تعريفًا اجتماعيًّا وخلقيًّا: "فتجريم الفعل ينتج عن قناعة المشرع بأن الفعل لا يغتفر لدى الرأي العام، فيجب أن تناط به عقوبة أقوى". ثم يقول: "إن حق المجتمع أن يعاقب من يعكر صفوه، ولم ينكر هذا إلا قلة من المؤلفين، وإن غالبية الفلاسفة يعترف بحق المجتمع في إيقاع العقوبة". ثم يقول وهو يتحدث عن الأخلاق:" إن العلاقة حميمة بين القاعدة الخلقية والقاعدة القانونية وتاريخ القانون الجنائي يبرز غالبًا أن السلوك الذي يصدم الأخلاق الفاضلة للفرد أو الجماعة، هو الذي يعاقب كالاعتداء على الدين أو الحياة أو التملك ".
ويقول رجل القانون الفرنسي تون كاريسون: "إن القانون والأخلاق يمكن أن يقارنا بدائرتين تتقاطعان، لهما في الوقت نفسه فضاء مشترك ومساحات خاصة بكل منهما".
  ويقول ديكوك في كتابه: القانون الجنائي: "وفيما يخص النيل المباشر من النظام الاجتماعي كما هو معروف عندنا: كالاعتداء على الدين والشأن العام، فإن رد الفعل مرتبط بكل مجتمع بشري قبلي أو دولة". ( ص 26 - 27 ). ويقول: "إن القانون الجنائي هو التعبير عن استنكار المجتمع للعمل الذي قام أو يقوم به، والذي يبرز في إنزال العقوبة".
فلا يزال للدين حضور نفسي أيضا، وشعور عميق لدى كثير من الفئات والطوائف في الغرب، أما في الشرق فإننا نعرف أن الديانات الشرقية كالبوذية والهندوسية لا تزال مؤثرة تأثيرا شديدا.
مسألة إسلامية الدولة:
هذا مفهوم من المفهومات التي نشأت ونبتت في القرن العشرين، ولكنها غامضة وملتبسة، فمفهوم إسلامية الدولة مفهوم واسع ومشكك، على اعتبار المعنى الذي تكون به الدولة إسلامية؟. علما أن الإسلام أو لإيمان هو صفة للأفراد والأشخاص المكلفين لأنه العقيدة والعمل. فما معنى أن يوصف به الشخص الاعتباري؟ هل يكفي لتكون إسلامية أن تكون غالبية السكان من المسلمين؟ وهل يستبطن هذا المفهوم مسألة الدار المعروفة المتعلقة بدار الكفر ودار الإسلام؟، وهل يتعلق الأمر بالنظم والقوانين؟، لعل ذلك هو المفهوم السائد.
 لا يمكن أن نعتبر إسلامية الدولة تعني عدم وجود المخالفة، لأن الإسلام بالنسبة للفرد يتحقق بتحقق بالشهادة كما يقول القاضي عياض وغيره، فلا يسقط إلا بمتحقق، وهذا الذي تدل عليه الأحاديث، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته).
الإشكال الآن في مفهوم الإسلامية واللاإسلامية، والذي أصبح مرتبطا في أذهان الكثيرين بأنه تابع للقانون، أو لبعض القوانين، وليس تابعا للسكان ولا الحكام، هذا المفهوم يحتاج إلى إعادة صياغة على ضوء حقيقة ما هو الإسلام؟. وما معنى أن توصف به دولة أو دار أو منطقة، فالدار اختلف فيها العلماء إذا كانت تحيل على مفهوم الدار، علينا أن نذكر من أحال إلى أحكام الكفر والإسلام، ومن أحال إلى الأمن كالحنفية ومنهم الكاساني وإن كانت هذه الإضافة لا نجد لها سندا قويا. وعند الشافعية كالماوردي والنووي، وجود بيت يمارس شعائره في بلد يصيرها دار إسلام كما يجيز الماوردي أن يكون في الحكومة وزير غير مسلم وهو ما يعرف بوزير التنفيذ، فهو من الرعايا غير المسلمين الذين يسمون أهل الذمة والذين حققنا مفهوم مواطنتهم في مؤتمر إعلان مراكش للأقليات الدينية في العالم الإسلامي، بناء على صحيفة المدينة المنورة التي كانت تمنح حق المواطنة للمسلم وغير المسلم بناء على عقد اجتماعي فيه الحقوق والواجبات متبادلة، وقد أبرزنا في هذا المؤتمر أن الإسلام يحتوي على أكثر من نظام، وأن نظام المواطنة المتساوية هو أحد هذه الأنظمة بناء على صحيفة المدينة- التي سنخصص لها جلسة ضمن جلسات هذا الملتقى-دون أن يكون ذلك معارضا لنظام الجزية ونظام الموادعة في سياقه الزماني والمكاني.
وإذا فرضنا أن الدساتير والقوانين تثبت صفة الدول، فما هو المقدار الذي يجب أنْ تشتمل عليه الوثيقة لتكون الدولة إسلامية؟.
في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك اندماجٌ كاملٌ بين الدين والدولة، بمعنى أنَّ نظامَ الدولة يَعتمِدُ على النصوص الدينية، وتمارسه سلطةٌ مفوَّضةٌ من الإله، معصومةٌ ممثلة في النبيصلى الله عليه وسلم.
لكن بعد العصر النبوي، انتقلت السلطة إلى الخلفاء الراشدين الذين كانوا من العلماء، فمارسوا السلطة بدون أن يتمتعوا بتفويض إلهي، فلم يحكموا باسم الإله ولا نيابة عنه، ولكنهم سعوا ليكونوا أقرب ما يمكن لروح التعليمات الإلهية، لتنفصل بعد ذلك العلاقة بين  الأمير والفقيه، لكن هذا الأخير لم يغب عن الدولة وأجهزتها لما باشر القضاء والفتوى. وفي العصر الحديث بقي التشريعُ مستمداً من روح الشريعة ونصوصها، مع اختلاف مرجعيات ومشارب من يمارسون السلطةَ فيه تختلف مرجعياتهم ومشاربهم.
نحن هنا نرى أن كل الدول المسلمة والتي أغلب سكانها مسلمون هي دولة مسلمة أو إسلامية، ولسنا في مقام تبرير مخالفة القوانين للشرع، ولسنا في وارد الحكم عليها، لأن الأمر يتعلق بشروط تنزيل النصوص والأسباب والموانع، وتلك أمور تخرج عن نطاق البحث لأنها تتعلق بقضية الإمكان والمكان والإنسان. وسواء في ذلك إن كانت نصت على ذلك في دساتيرها أم لم تنص، لكن لم تنص على العكس، وإذا كان الحكم ممكنا على قانون ما  بالمواءمة أو المخالفة للشرع، فإن حكم المتعاطي مع هذا القانون يفتقر إلى منظومة أخرى تنتظم توفر الشروط وانتفاء الموانع وقيام الأسباب والعلاقة بين الرخص والعزائم التي تندرج تحت خطاب الوضع.
والأصل أن الشهادة كافية لتحقق الإسلام بالنسبة للمكلف، ويبقى بعد ذلك ما يتعلق بدائرة العمل لخصوصيتها عن دائرة الاعتقاد، وقد روى الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ جَابِرًا سَأَلَهُ رَجُلٌ: " هَلْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُشْرِكًا؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ!، فَفَزِعَ لِذَلِكَ. قَالَ: هَلْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَحَدًا مِنْكُمْ كَافِرًا؟ قَالَ: لَا ".
إن الخروج من الإسلام يتعلق بكل فرد، وليس حكما ينسحب على الناس دون تحققه في الأفراد، وتحققه في الأفراد مرتبط بالقاعدة المعروفة إنكار المعلوم من الدين بالضرورة. يقول الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: " أجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون، نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس: وهي عامة فينا. قالوا: ليس بكفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء. وقال الله عز وجل: وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا والقاسط الظالم الجائر".
مسألة الخلافة والدولة الوطنية
كلمتنا هنا لا تناقش الألفاظ والألقاب من خليفة أو إمام أو ولي أمر أو أمير، باعتبار هذه الألفاظ وإن كانت وردت في السنة فإنها وردت في سياق مدلولاتها اللغوية لا التعبدية. لكن الذي يهمنا هو مغزى ذلك كله، وما يدور حوله، والمقصود الأعلى منه أي: انتظام شأن الناس والمحافظة على مصالحهم. وإن ذلك لا يمكن ولا ينبغي أن يختلف فيه، إنما يكون بسلطة حاكمة تتصرف في شؤون الناس بالأمر والنهي، وهذه ضرورة طبيعية لكل مجتمع من قرية صغيرة إلى مجتمع كبير. كل ما يتعلق بشكل تلك السلطة وصلاحياتها، مم تتركب، وهل تورث أم تنتخب، يمكن أن نؤكد أنه لا يوجد إلزام لا يتزحزح بشكل معين إلا بقدر ما يحقق من المصلحة أو ما يدرأ من المفسدة، ويتلاءم مع أعراف وأحوال الناس، ويوفر السلام ويحفظ النظام، ويكون أقرب إلى روح الشرع في الأحكام.
إن الشريعة اهتمت وهو أمر لا مرية فيه بالواقع نصا وحكما، ولكنها أحالت إلى العقول النظر في المصالح، لأن المصالح بالتأكيد مدركة بالعقل البشري، وما الكليات الخمس ( الدين – النفس – العقل – العرض) التي تجب المحافظة عليها، والمقاصد الثلاثة ( الضروريا- الحاجيات – التحسينيات) الناظمة لشؤون الحياة والعلاقة في المجتمع إلا تأكيد على هذه النظرة الكلية.
في عشرينيات القرن الماضي سقطت الخلافة العثمانية، وقبل هذا الزمن كان الغرب يسير جيوشه لاستعمار كثير من البلاد الإسلامية، وهو ما أنتج وحدات دولية جديدة أصبح همها الهام وشغلها الشاغل  الخروج من دائرة الاستعمار لتكوين دول وطنية، وهو ما تم بوسائل مختلفة وفي ظروف متباينة، وفي أشكال حكم متنوعة بين ما هو ملكي وبين ما هو أميري وجمهوري ورئاسي وذلك بناء على إرث تاريخي وتفاعلات مجتمعية ثقافية سياسية وجغرافية، مما أوجد تفاوتا في الشكل الثقافي والتشريعي طبقا للشروط الزمانية والمكانية ذات العلاقة لكل جزء، مع وجود جوامع ومشتركات كالمشترك الديني واللغوي بالنسبة للمنطقة العربية.
 إلا أن التفاوت المجتمعي والجغرافي والسياسي جعل كل جزء يطور نفسه على طريقته، وطبقا لحكمته وموروثه وموقعه وعلاقته بالمحيط القريب والبعيد، مع وجود عقبات من النوع المعتاد في التنمية والتعامل مع إكراهات العلاقات للجار القريب والجار الجنب.
 بيد أن الذاكرة المحبطة بسبب ظروف كثيرة من الاستعمار والتخلف الاقتصادي وانتشار الفقر، وضعف المناهج التعليمية، أنشأت ناشئة وأنبتت نابتة ساور بعضَها الشك في مشروعية الدولة الوطنية المسلمة، وجاهر البعض الآخر بلا شرعيتها، مع ما يستتبع ذلك من تجريح يصل إلى إهدار حرمة الأوطان، وعصمة نفس الإنسان، وهدم البنيان وشغل الأمة عن كل أمر ذي شان.
ونادت هذه الفئة باستعادة الخلافة كصورة وحيدة لنظام الحكم في الإسلام باعتبار أن النصوص نصت على مسماها. واستنجدت بالتاريخ مستدعية نماذج تاريخية مجيدة لتعطيها تفسيرا مجانبا للصواب، ولتنزلها في بيئة بعيدة كل البعد عن بيئة النماذج التاريخية نفسها وتذرعت بمفاهيم كدولة الخلافة، ودولة الإسلام والجهاد، مع ما يستتبع ذلك من عنف تطور إلى حرب مفتوحة ضد الجميع وعلى حساب الجميع.
إن فكرة الخلافة التي تتمسك بها هذه الفئة، والدولة الإمبراطورية التي تسعى إلى استرجاعها، والتي تتذرع بها لتبرير أفعالها الشنيعة تستبطن مضمونين أو معنيين:
- الأول: أنها تحتكر الشرعية، بمعنى أن كل الأمة عليها أن تنضوي تحت لوائها.
- الثاني: وجوب وحدة الإمام وقتال من لم يخضع لسلطانه.
وهو ما يعني تشريع استحلال الإنسان والأوطان استنادا على الدين، وبناء على أن الديني حاكم على الدنيوي جملة وتفصيلا خاصة في ما يتلق بنظام الحكم وصورته، وهذا ما يحيل على سؤالين في غاية في الأهمية:
- هل هناك قطيعة بين الديني والدنيوي في اختيار نظام تدبير الشأن العام؟.
-  هل الخلافة أمر تعبدي أم مصلحي؟.
جوابا على السؤال الأول نقول: إن كثيرا من الباحثين تربكهم العلاقة بين الديني وبين الدنيوي في الدين الإسلامي، وذلك نتيجة طبيعية لضعف تخصص الباحث في أصول الفقه ومرامي الدلالات، ومقاصد الشريعة وأدوات التنزيل في السياقات الزمانية والإنسانية، فيقتصرون على ظواهر من النصوص دون مقاصد وعلى فروع بدون قواعد فيدخلون في خصومة مع كل واقع يتجدد فيكون حالهم كالتي يشير إليها القرافي في الفروق: في الفرق الثامن والعشرين بين قاعدة العرف القولي يقضى به على الألفاظ ويخصصها وبين قاعدة العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ ولا يخصصها: "وعلى هذا القانون تُراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين".
إن هذه الإحالة المتبادلة بين الديني والدنيوي تورث إخالة عند غير البصير أنه ديني بحت أو دنيوي هي التي توقع في كثير من سوء الفهم للنصوص، وفي التعسف على الواقع، وتفويت مصالح الخلق.
ولقد أدرك الرعيل الأول أن لا تعارض بين الديني والدنيوي، وبين العقل والنقل، وبين المصالح الإنسانية والقيم الدينية، فانطلقوا يعمرون الدنيا  ويقدمون للآخرة، وهذا نجده واضحا بينا في كثير من المواقف، فإنهم كان إذا عرضت لهم نازلة وجاءهم من النبي صلى الله عليه وسلم فيها أمر سألوه: أهو الوحي أم الرأي، فإنهم كانوا وقافين عند الوحي لا يتعدونه، فإن كان الجواب منه أنه من باب الرأي مضوا إلى ما رأوه مصلحة، ولم يعدوه من حكم الله، وكان من وصية النبي   لقادته : ( وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا).
ويكتب كاتب لعمر بن الخطاب  هذا ما رأى الله ورأى عمر. فقال: بئس ما قلت. قل: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر رضي الله عنه.
ولما حكمت الحرورية قال عليرضي الله عنه: ما يقولون؟ قيل: يقولون: لا حكم إلا لله. قال: الحكم لله، وفي الأرض حكام. ولكنهم يقولون: لا إمارة، ولا بد للناس من إمارة يعمل فيها المؤمن، ويستمتع فيها الفاجر والكافر، ويبلغ الله فيها الأجل (.
وروي عن علي  قوله: وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال.
وفوق ما نقل عن السلف، ينطق القرآن بما يلزم من إجراءات تتبع في حال الخصام والمخالفة، فيقول سبحانه في المحرم المتعدي على الصيد:  يحكم به ذوا عدل منكم، وفي خصومة الزوجين:  فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها.
فكل هذه النصوص التي سقناها وأمثالها كثير تؤكد حضور هذا الوعي بأن الدين ترك مساحة واسعة للعقل فيما يتعلق بتدبير شؤون الناس ومصالحهم. وبناء عليه يتفرع فرع آخر يرتبط بوحدة النظام السياسي للأمة ومجالدة الناس عليه، وإرغامهم على الدخول تحت كيان واحد اسمه دولة الخلافة، فهل وحدة الإمام متعينة؟، وهل وحدة دولة الإسلام واجبة؟ وهل قتال الناس على ذلك تعبدي؟ وهذا هو السؤال الثاني الذي أشرنا إليه آنفا.
إن التساؤل حول الخلافة ووجوب وحدة الدولة ووحدة الإمام، يقود إلى استحضار البعد العقدي عند هذه الفئة المستمسكة بهذا المفهوم، واعتمادها على مبررات عقدية لا تستقيم في ميزان النقد، وميزان المصالح والمفاسد، ويمكن أن نستدل على ذلك بمجموعة من الأدلة منها:
أ- زكى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي ملك الحبشة بتزكية العدل، وأقره على ملكه وقد دخل الإسلام ورعيته كانوا نصارى، ولما مات صلى عليه صلاة الغائب كما جاء في الحديث، ولم يأمره بأن يهاجر ويدخل تحت حكم النبي  صلى الله عليه وسلم سياسيا، فأبقاه على ما تحت يده وقبل إسلامه..
ب- نصوص الفقهاء شاهدة على أن قضية الخلافة لا ترتبط بقطعيات الدين، ولا ترقى إلى مستوى مسالك اليقين، وهنا نسوق نصين لإمام الحرمين الجويني، يقول في أولهما: "وليست الإمامة من قواعد العقائد، بل هي ولاية تامة عامة، ومعظم القول في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونة في التأخي والتحري". ويقول في النص الثاني:" ومعظم مسائل الإمامة عرية عن مسلك القطع، خلية عن مدارك اليقين".
هذان النصان يؤصلان لفتح باب الاجتهاد في هذا الموضوع والتعامل معه طبقا للمصالح فقضية الحكم معللة بمصالح العباد وليست تعبدية، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز حمل السلاح على الناس لجبرهم على أن يكونوا دولة واحدة.
وقد ناقش الفقهاء قضية الإمامة ونصب الإمام، ونقل كثير منهم الإجماع علي ذلك، ومنهم إمام الحرمين الجويني، لكن الإجماع الذي ذكره إمام الحرمين في مسألة الإمامة إنما يعتمد على الوقوع  وعلى أقوال العلماء بعد الصدر الأول، وهذا الإجماع بحسب رأينا إنما يصدق على الإجماع على لازم الإمامة وهو وجود حكم ينتظم الجماعة وليس بالضرورة على اللوازم الأخرى ككون الإمام واحدا، بمعنى أن تكون الدولة موحدة، أو كون الإمام قرشيا، لكون الممارسات التاريخية التي زكاها العلماء بذريعة التعذر كما صرح به إمام الحرمين نفسه: "ثم الغاية القصوى في استصلاح الدين والدنيا ربط الإيالات بمتبوع واحد إن تأتى ذلك. فإن عسر، ولم يتيسر، تعلق إنهاء أحكام الله تعالى إلى المتعبدين بها بمرموقين في الأقطار والديار".
ومما يدل على وجاهة هذا الفهم أن إمام الحرمين قابل القول بالإمامة المستند إلى الإجماع بقول ابن كيسان الأصم الذي يرى أن يترك الناس أخيافا متفرقين لا ينتظمهم نظام، وقول الأصم لا يوجب وجود حكم من أي نوع، وما يقابله هو إيجاب وجود حكم ينتظم الناس، وهو النقيض المساوي والذي قد يكون واحدا أو متعددا، وقد يكون قرشيا وغير قرشي.
وكذلك النجدات من الخوارج لا يرون وجوب تصب حاكم إذا تسالم الناس، وهم هذا كالمذاهب الفوضوية وكالماركسية في مبدإ أمرها.
ج- الممارسة التاريخية تثبت تعدد دول الإسلام، وتعدد أئمتهم، ولم يثبت أن أحدا سعى إلى توحيد الأقطار تحت راية واحدة بدافع عقدي، قد يكون حدث ذلك لدوافع سياسية أو عسكرية أو مذهبي لكنه لم يحدث بسبب الواجب العقدي المستبطن لمبدأ وجوب الخلافة ووحدة الإمام.
وقد قامت دول في المغرب الأقصى زمن العباسيين وقام فيها أئمة، كما قامت دول في الأندلس، ولم ينكر العلماء ذلك إلا لما تعلق بتعدد الإمام في القطر الواحد، بل إن علماء المغرب العربي كالمازري وابن عرفة قالوا إن تعدد الأقطار يجيز تعدد الدول، يقول المازري رحمه الله: "العَقْدُ لإمامين في عصر واحد لا يجوز. وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلى أنَّ ديار المسلمين إذا اتّسعت وتباعدت وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإِمام ولا تدبيره حتى يضطرّوا إلى إقامة إمام يدبّرهم فإن ذلك يسوغ لهم".
وقال ابن الأزرق الغرناطي المالكي: إن شرط وحدة الإمام بحيث لا يكون هناك غيره لا يلزم مع تعذر الإمكان. قال بن عرفة – فيما حكاه الأبي عنه -: فلو بعد موضع الإمام حتى لا ينفذ حكمه في بعض الأقطار البعيدة، جاز نصب غيره في ذلك القطر".
وقال القرطبي: " إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك"
وقال ابن كثير: "وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك. قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء من بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب...".
ويقول القنوجي: " فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر".
ويقول الشوكاني: "وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلي إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته. فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر".
فهذه النصوص كلها تثبت أن مسألة وحدة الدولة ووحدة الإمام لا يمكن أن تتحقق بحد السيف، بل إنها وإن كانت مثالا يطمح إليه في خدمة الدين والدنيا إلا أنها ينبغي أن تكون اختيارية لا قسرية، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح في الشريعة، وفي ظل تغير الأوضاع والزمان والمكان والأحوال، فإن شرعية الدول الوطنية أمر لا شك فيه، والطاعة المفترضة للحاكم أو القانون أو النظام مطلوبة هنا كما هي مطلوبة هناك.
مركزية المصلحة في تدبير الشأن العام
الدولة من حيث الأصل هي ناشئة عن ضرورة عقلية وممارسة شرعية، وهي من نوع المصالح التي يوجبها الشرع لإدارة شؤون الخلق والقيام بالخلافة في الأرض .  وبما أنها كذلك هي ترتبط بما سبق عند الحديث عن الإحالة بين الديني والدنيوي أن نبين مركزية المصلحة في المساحة الواسعة التي تركها الدين للعقل في تدبير أمور الدنيا، باعتبار أن المصالح مدركة بالعقل.
وفقهاء الأحكام السلطانية كانوا على وعي بهذه القضية حين كانوا ينظرون إلى الدولة وخططها من زاوية النظر المصلحي، باعتبارها قضية اجتهادية تختلف فيها المناطات، فإن وقع الاختلاف بينهم فإنما هو اختلاف أحوال لا اختلاف أقوال في حقيقته، مقارنة بسيطة بين ما قرره الماوردي، وما قرره الجويني يثبت ذلك إذا ما علمنا أن الأول كان قاضيا في أيام دولة البويهيين، وكان صديقا لجلال الدين البويهي ووسيطا بينه وبين الخليفة العباسي، فكان ينظر لهذا الواقع الذي يعيش فيه. وأما الجويني فكان ينظر للوزير الأكبر للدولة السلجوقية السنية نظام الملك.، والفرق بين الواقعين يعرفه من اطلع على كتب التاريخ، وهذا ما يعني أن مسألأة الحكم لا تجد موقعها في التعبديات، بل هي من صميم المصلحة التي رعاها الشرع وأوكل إلى العلماء النظر فيها والحكم بمقتضاها وفق المنهج المنضبط الذي يسمح بالوصول إلى صياغة مفهوم وصورة للدولة لا ينافيان مقتضيات الشرع ويتفقان مع معطيات العصر.
إن مركزية مراعاة المصالح وارتباطها بالدين والعقل في مقاربة موضوع الدولة الوطنية تحمل على التوقف قليلا عند بعض النصوص الدالة على اعتبارها، وذلك من شأنه أن يلغي الاختلاف حول نتائج إشكالية العلاقة مع الدين والتراث.
يقول الشاطبي: " والقاعدة المستمرة في أمثال هذا التفرقة بين العبادات والمعاملات، فما كان من العبادات لا يكتفى فيه بعدم المنافاة دون أن تظهر الملاءمة لأن الأصل فيها التعبد دون الالتفات إلى المعاني؛ والأصل فيها ألا يقدم عليها إلا بإذن، إذ لا مجال للعقول في اختراع التعبدات، فكذلك ما يتعلق بها من الشروط. وما كان من العاديات يكتفى فيه بعدم المنافاة لأن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني دون التعبد، والأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل على خلافه، والله أعلم".
إلا أن العلاقة بين العقل والمصلحة كانت تمثل حجر الزاوية في بعض آراء العز بن عبد السلام والطوفي. وفي هذا تندرج مقولة العز: "معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالعقل، وذلك في معظم الشرائع".
ويقول أيضا: "ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحهما ومرجوحهما فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته".
ولكنه في موضع آخر يربط العقل بالشرع حيث يقول: " ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك. ومثل ذلك أن من عاشر إنسانا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة. ولو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسنة، ولعلمنا أن الله أمر بكل خير دقه وجله، وزجر عن كل شر دقه وجله، فإن الخير يعبر به عن جلب المصالح ودرء المفاسد، والشر يعبر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح .
ويتجه حينئذ ما ذكره الطوفي في شرحه لمختصر الروضة، ونصه: " اعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْمَصْلَحَةَ إِلَى مُعْتَبَرَةٍ، وَمُلْغَاةٍ وَمُرْسَلَةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَغَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ تَعَسَّفُوا وَتَكَلَّفُوا، وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْمَصَالِحِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا وَأَقْرَبُ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَقُولَ: قَدْ ثَبَتَ مُرَاعَاةُ الشَّرْعِ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ بِالْجُمْلَةِ إِجْمَاعًا، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ:
الْفِعْلُ إِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مُجَرَّدَةً، حَصَّلْنَاهَا، وَإِنْ تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً مُجَرَّدَةً، نَفَيْنَاهَا، وَإِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مِنْ وَجْهٍ وَمَفْسَدَةً مِنْ وَجْهٍ، فَإِنِ اسْتَوَى فِي نَظَرِنَا تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ، وَدَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، تَوَقَّفْنَا عَلَى الْمُرَجِّحِ، أَوْ خَيَّرْنَا بَيْنَهُمَا كَمَا قِيلَ فِي مَنْ لَمْ يَجِدْ مِنَ السُّتْرَةِ إِلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَ فَرْجَيْهِ فَقَطْ. هَلْ يَسْتُرُ الدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ مَكْشُوفًا أَفْحَشُ، أَوِ الْقُبُلَ؛ لِاسْتِقْبَالِهِ بِهِ الْقِبْلَةَ؟ أَوْ يَتَخَيَّرُ لِتَعَارُضِ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَالْمَفْسَدَتَيْنِ؟، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ ذَلِكَ، بَلْ تَرَجَّحَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، فَعَلْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ شَرْعًا، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَتَخَرَّجُ كُلُّ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَفْصِيلِهِمُ الْمَصْلَحَةَ.
أمَّا الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا كَالْقِيَاسِ، فَمَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ مُجَرَّدَةٌ، أَوْ رَاجِحَةٌ، وَأَمَّا الْمُلْغَاةُ كَمَنْعِ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ، فَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ تَعَارَضَتَا فِيهِمَا، لَكِنَّ مَصْلَحَتَهُمَا ضَعِيفَةٌ وَمَفْسَدَتَهُمَا عَظِيمَةٌ، فَكَانَ نَفْيُهَا أَرْجَحَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ النَّفْعِ الْمُتَحَقِّقِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ، وَالِارْتِفَاقِ الْمُتَحَقِّقِ بِالشَّرِكَةِ فِي السُّكْنَى لِأَجْلِ مَفْسَدَةٍ مَوْهُومَةٍ، وَهِيَ اعْتِصَارُ الْخَمْرِ، وَحُصُولُ الزِّنَى، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ مَظْنُونَةٌ، لَكِنَّهَا غَيْرُ قَاطِعَةٍ. وَالْمَصْلَحَةُ الَّتِي تُقَابِلُهَا قَاطِعَةٌ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا بِالْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الْمَظْنُونَةِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وأَيْضًا فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمَذْكُورَةَ خَاصَّةٌ، وَالْمَصْلَحَةَ الَّتِي تُقَابِلُهَا عَامَّةٌ، وَالْتِزَامُ مَفْسَدَةٍ خَاصَّةٍ، أَيْ: قَلِيلَةٍ؛ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ كَثِيرَةٍ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.
وَبَيَانُهُ: أَنَّ مَنَافِعَ الْعِنَبِ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ حُصْرُمًا عَلَى حَالِهِ، وَطَبِيخًا، وَعِنَبًا، وَعَصِيرًا، وَزَبِيبًا، فَهَذِهِ خَمْسُ مَنَافِعَ، وَلَعَلَّ فِيهِ غَيْرَهَا، وَالْمَمْنُوعُ مِنْ مَنَافِعِهِ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْخَمْرُ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي عَلَى لِسَانِ الشَّرْعِ: ابْنُ آدَمَ، لَكَ ثَمَرَةُ الْكَرْمِ حُصْرُمًا، وَعِنَبًا، وَعَصِيرًا، وَزَبِيبًا، فَهُنَّ أَرْبَعٌ لَكَ، فَاتْرُكْ لِيَ الْخَامِسَةَ: النَّصِيرُ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَــــــــهُ  [الْأَنْفَالِ: 41]. فَتَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ بِزِرَاعَةِ الْعِنَبِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا لِمَفْسَدَةِ خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُحَرَّمَةٍ.
أَمَّا تَعْيِينُ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُوسِرِ، فَلَيْسَ يَبْعُدُ إِذَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ عَامٌّ ضَعِيفٌ فَيُخَصُّ بِهَذَا الِاجْتِهَادِ الْمَصْلَحِيِّ الْمُنَاسِبِ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ طَرِيقٌ مَهْيَعٌ. وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ.
وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الْوَاقِعَةُ مَوْقِعَ التَحْسِينِ أَوِ الْحَاجَةِ، كَمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَتَسْلِيطِهِ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهِيَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ لَا يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا مُتَعَيَّنًا.
وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ كَحِفْظِ الدِّينِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسَبِ، وَالْعِرْضِ، وَالْمَالِ، فَهِيَ وَإِنْ عَارَضَتْهَا مَفْسَدَةٌ، وَهِيَ إِتْلَافُ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ، وَيَدِ السَّارِقِ بِالْقَطْعِ، وَإِيلَامُ الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالْقَاذِفِ بِالضَّرْبِ، لَكِنَّ نَفْيَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْصِيلِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا مُتَعَيَّنًا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمَسْجِدِ وَالْفَرَسِ الْحَبِيسِ إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ، تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً، وَهِيَ اسْتِخْلَافُ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ الْمَقْصُودَةِ بِبَيْعِهِ، وَمَفْسَدَةً، وَهِيَ إِسْقَاطُ حَقِّ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مِنْ عَيْنِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فِيهَا، فَنَحْنُ رَجَّحْنَا تَحْصِيلَ الْمَصْلَحَةِ، وَغَيْرُنَا رَجَّحَ نَفْيَ الْمَفْسَدَةِ.
وَعَلَى هَذَا تَتَخَرَّجُ الْأَحْكَامُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِيهَا، أَوْ عِنْدَ تَجَرُّدِهَا، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا بِتَقْسِيمٍ وَتَنْوِيعٍ لَا يَتَحَقَّقُ، وَيُوجِبُ الْخِلَافَ وَالتَّفَرُّقَ، فَإِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إِذَا تَحَقَّقَهَا الْعَاقِلُ، لَمْ يَسْتَطِعْ إِنْكَارَهَا لِاضْطِرَارِ عَقْلِهِ لَهُ إِلَى قَبُولِهَا، وَيَصِيرُ الْخِلَافُ وِفَاقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى".
وقد كان الطوفي أكثر صراحة في شرحه الأربعين النووية حيث يقول: "أما المعاملات ونحوها: فالمتبع فيها مصلحة الناس كما تقرر، فالمصلحة وباقي أدلة الشرع: إما أن يتفقا، أو يختلفا. فإن اتفقا فبها ونعمت، وإن اختلف، فإن أمكن الجمع فجمع بينهما، وإن تعذر الجمع بينهما قدمت المصلحة على غيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم"لا ضرر ولا ضرار"...وهو خاص في نفي الضرر المستلزم رعاية المصالح، فيجب تقديمه، ولأن المصلحة هي المقصودة من سياسة المكلفين بإثبات الأحكام، وباقي الأدلة كالوسائل، والمقاصد واجبة التقديم على الوسائل"..
أيها السادة:
نحن لا نتنكر لتاريخنا، وبالتالي فإن الخلافة والإمامة أدت وظيفتها في التاريخ الإسلامي، وأسدت إلى الأمة الكثير من المزايا، لكن السياق الزمني اختلف وتغير تغير حذريا مما يجعل ما كان مصلحة بالأمس مفسدة اليوم، أي أن توحيد الناس بالقوة فيه مخالفة للمقاصد وجلب للمفاسد، ما يجعله لا يوازن مصلحة الدولة الواحدة. لقد جرب ذلك في ألمانيا البيسماركية، وتوصل الناس إلى أن الوحدة الاختيارية العاقلة هي التي يمكن أن تصمد، ونحن هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة التي توحدت طوعا واختيارا بحكمة وعقل المؤسسين، وكذلك تجربة مجلس التعاون الخليجي التي نرجو لها الاستمرار هي من التجارب التي يمكن أن تصب في تحقيق مقصد الإسلام في الترغيب في الوحدة والحث عليها.
بعد هذا السبح الطويل في قضية الخلافة ووحدة الدولة، ووحدة الإمام، والإحالة بين الديني والدنيوي، وعلاقة المصلحة بالعقل ضمن الدائرة وضعها له الشرع، نقول:
- إن صورة الدولة لا ترتبط بشكل نمطي ثابت لا يتغير، بل لكونها مرتبطة بالواقع فهي تخضع لعوامل تغير الواقع الومانية والمكانية والإنسانية، ومن تم فما عرفه التاريخ الإسلامي من صورة راشدة للحكم ممثلة في الخلافة الراشدة إنما هي صورة اقتضتها طبيعة وكونات وإكراهات الواقع الذي نشأت فيه الخلافة الراشدة، والدليل أن الخلافة الراشدة نفسها تعددت صور وصول الخليفة فيها إلى الحكم بين الإيماء، والنص والشورى.
- إن الشرع الإسلامي وإن كانت فيه دائرة الوحي والنصوص هي الحاكمة على الواقع الإنساني، فإن هذا الشرع لم يحجر على العقل، بل أعطاه مساحة واسعة يدرك فيها العقل مصالح العباد كما نص على ذلك الشاطبي وغيره، ومسألة الدولة وصورتها ونظامها هو من هذا القبيل.
- إن الكثير من الخطاب المتعلق بالأمراء والولاية كقوله عليه السلام: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني" لايعني بالضرورة الخلافة بل يعني في حده الأدنى السلطة.
- هناك فرق بين حث الشريعة على وجود سلطة وهو أمر لامرية فيه قولا وفعلا وتقريرا، وبين النصوص المتعلقة بشكل السلطة.
- هناك فرق بين شكل السلطة وبين مضمون مسؤولياتها وصلاحياتها من حيث المحافظة على الدين والدنيا، ومن حيث تداخل الحقوق العامة والمركبة.
-  إن الدولة الوطنية في عالمنا الإسلامي مع اختلاف أشكالها وصورها، هي نظم شرعية لها من المشروعية ما للإمبراطوريات الكبرى التي كانت قائمة في التاريخ بناء على قانون المصالح والمفاسد الذي تدور حوله أحكام الشرع، فلا يجب أن تراق الدماء لتوحيد الدولة، ويجب أن يسود السلام.
خاتمة
فإننا ندعو الجميع إلى بذل جهد مضاعف فكريا وماديا، وتجاوز بعض القناعات التي لا تخدم السلام، ونذكر الذين حملوا السلاح على أمتهم بالحديث الصحيح " من حمل علينا السلاح فليس منا".
وإن الحل لن يكون بالتأكيد بالحلول الحادة الرامية إلى القطيعة مع التراث والتاريخ، ونبذ أو التقوقع في زنزانات الماضي واقتحام، واقتحام عصر التحديث والإبداع.
إن التعامل مع منظومة الأدوات الاستنباطية بأيد عليمة وأذهان مفتوحة ودين متين لا وسوسة فيه فيه ولا تردد يستهدف صالح الإنسان، وذلك باستهداف المقاصد الأولى لفهم النص والمقاصد الثانية المتمثلة في منظومة التعليل المبنية على تحقق المصالح والابتعاد عن المفاسد، وعلى رأسها استعادة السلم الأهلي وإيقاف نزيف الحروب المجنونة لتصل إلى منظومة التنزيل، أي البيئة الزمانية والمكانية التي تمثل مقر الأحكام ومستودعاتها. وعلى يقع الانسجام بين الأوامر والنواهي وأحوال الإنسان في إكراهاتها ورحابتها، وفي قترها وسعتها، وفي كل تقلباتها وغلباتها ومآلها، وهو ما يمثل المقدمة الثانية لتنزيل الأحكام، وهي مقدمة الواقع الزماني والمكاني والإنساني للموازنة بين المثال والإمكان، وباختصار لإيجاد انسجام في ضمير المسلم بين كلي الإيمان وكلي الزمان.
لا توجد صيغ جاهزة، ولا وصفات ناجزة لحل الأزمة العقلية والفقهية والفكرية، فلا بد من تركيب الدواء لمعالجة الداء، فأنتم الأساة والأطباء، ولم ولم يجانب نيتشه الصواب حين قال: الحضارات تمرض وأطباؤها الفلاسفة، ونحننقول أطباؤها العلماء المفرون أهل الفكر الثاقب والرأي الصائب.
 أيها السادة:
لا بد من المعاناة، ولا بد من إعمال العقل المعطل للنزول بالنصوص والمقاصد والفرع والقواعد من سماء التصور إلى أرض التطبيق، ولا بد من التعرف على الواقع والتوقع لحل مشكلة الأجهال الثلاثة: الجهل بالنصوص، والجهل بالمقاصد، والجهل بالواقع والمئالات ( التوقع).
لعل بعض أهل الاختصاص يرى أحيانا نشوزا عن المنهجية، وندورا عن الكارتيزية، فعذري أني أعالج وضعا لا موضوعا حالة الكثير من الباحثين في الأحكام السلطانية كالماوردي والجويني ولعل انتقاد ابن خلدون للطرطوشي يصدق علي حين قال: إن كتابه كالمواعظ.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

البيان الختامي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبي الرحمة وشفيع الأمة وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار؛ وبعد
فانطلاقا من قول الله عز وجل وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه...-آل عمران: 187
واستثمارا للقبول الذي حظي به خطاب " المنتدى" في دعوته إلى وقف تدمير الإنسان والعمران واعتماد السلم وما ينشئه من بيئة التعارف والتوافق والوئام والعيش المشترك وكون هذا القبول تعدى المجتمعات المسلمة إلى أمم مختلفة.
ومتابعة للجهود التي ما فتئ "منتدى تعزيز السلم" يبذلها في وضع المفاهيم الشرعية الكبرى في سياقها العلمي المضبوط مراعيا حجم التغير الهائل الذي طرأ على الزمان والمكان والإنسان.
واستئنافا لرصد "المنتدى" آليات الخلل والجهل في توظيف تلكم المفاهيم، ولتضمينه إياها المضامين الصائبة في بياناته طبقا للمعايير التي اعتمدها في التعامل؛ كمفهوم الجهاد، ومفهوم المواطنة، ومفهوم التكفير، ومفهوم الطاعة، ومفهوم الولاء والبراء، وكالعلاقة بين خطاب الوضع وخطاب التكليف الذي يمثل صياغة مطورة للشروط الزمانية والمكانية والإنسانية لتطبيق الأحكام.
وتنبها إلى خطورة مصطلحات ومفاهيم ملتبسة ظهرت عند المسلمين في العصر الحديث نشأت في أجواء ردود فعل وإحباط بناء على خلفيات علمية لم تحترم الأصول الصحيحة للتراث، ولم تستوعب التغير الذي اعترى الزمان والواقع، فوقعت في إشكال التقابل بين ثنائيات في منهجية سطحية، كإسلامية الدولة مقابل العلمانية والخلافة أو الإمامة في مقابل الدولة الوطنية؛ حتى صارت تلكم المصطلحات والمفاهيم تلقائية ومتغلبة وكأنها حقائق علمية أو مفاهيم صحيحة دون تمحيص وتدقيق.
ولأن انتشار هذه المفاهيم أوجدت من يشُك ويشكك في مشروعية الدولة الوطنية المسلمة، بل ومن يجاهر بلا شرعيتها، مع ما يستتبع ذلك من تجريح يصل إلى إهدار حرمة الأوطان، وعصمة نفس الإنسان، وهدم البنيان وشغل الأمة عن كل أمر ذي شان، لأنها جرأت على الدماء المعصومة في مخالفة صريحة للحديث الصحيح:"من حمل علينا السلاح فليس منا".
 وفي ظلال رعاية كريمة متجددة وعناية منيفة مسترسلة من سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة -حفظه الله.
انعقد بفضل الله وحسن توفيقه؛ يومي 19 و20 من شهر ربيع الأول شهر ميلاد رسول السلام عليه أفضل الصلاة والتسليم سنة 1438 هـ الموافق ليومي 18و19 من شهر ديسمبر سنة 2016م بأبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة بلد التعايش والتسامح والأمان، بلد زايد المحبة والحكمة تغمده الله برحمته وأسكنه فييح جناته؛ الملتقى الثالث لــ"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، بمشاركة نحو400 شخصية علمية وفكرية من مختلف القيادات الفكرية والدينية يؤازرهم في مسعاهم ويشاركهم في مبتغاهم نخبة من الوزراء ومن المسؤولين في منظمات إسلامية ودولية؛
وفي إطار الموضوع المحوري لهذا الملتقى " الدولة الوطنية في المجتمعات المسلمة" تركز اهتمام المؤتمرين على القضايا التالية:
1- مسألة السلم بين المعوقات والفرص
2- تصحيح المفاهيم ذات العلاقة بالدولة في المجتمعات المسلمة
3- إعلان مراكش: شهادات وإشادات
4- تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في التسامح
وقد كان من الضروري تقديم لمحة عن منهجية المنتدى في تناول المفاهيم تصحيحا وضبطا وإنشاء. كما استأثر مفهوم الدولة تاريخا وأشكالا وأسسا ووظائف بنصيب وافر من البحث والنقاش.
وقد توصل الباحثون إلى أن الدولة الوطنية التي نشأ أغلبها بعد جلاء المستعمر عن ديار المسلمين في ظروف متباينة وبأشكال متعددة والتي يعتبر الإسلام دينا لأغلبيتها. توصلوا إلى كونها في الواقع الزماني والمكاني الراهن دولا شرعية بالمعنيين القانوني والديني، وإلى أنه لا يقدح في شرعيتها ما ورد من النصوص والممارسة التاريخية. كما استنتجوا أن الشروط النظرية التي تشترط وحدة الأمة في كيان واحد وتحت سيادة واحدة تعتبر خارج السياق الزمني.
وقد بنى الباحثون هذه الاستنتاجات بناء على استقراء ما كتب في الأحكام السلطانية في تراثنا الإسلامي حيث يبدو جليا أن الدولة نظاما وشكلا وسلطة ليست من قواعد العقائد في الإسلام وإنما هي تدبير إنساني تحكمه قواعد الاجتهاد وقانون المصالح والمفاسد وتزكيه القيم الدينية التي تدعو إلى العدل والرحمة والحكمة والمصلحة، وأن هذه الأخيرة-أي المصلحة- هي قطب الرحى والأساس الذي تدور عليه أحكام الدولة.
كما ثمن المؤتمرون تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في تنمية قيم التسامح والعيش المشترك وترسيخ قواعدها وتجريم الإساءة إلى المقدس من حيث هو، واعتبروها جديرة بالتنويه مثلما اعتبروا تجربة الوحدة الاختيارية الطوعية التي شكلت على أساسها دولة الإمارات محطة مشرقة في تجارب الدول العربية والمسلمة.
وكان الملتقى فرصة جديدة لتفعيل مقتضيات إعلان مراكش لحقوق الأقليات بالتذكير بتفرد الوثيقة التي انطلق منها أي وثيقة المدينة أول وثيقة في التاريخ تؤسس لدولة مدنية قوامها المواطنة يتضامن ويتعايش فيها الناس من أديان وأعراق مختلفة ويتساوون في الحقوق والواجبات واستحقاق الكرامة الإنسانية. وما زال إعلان مراكش يسترعي انتباه الهيئات العلمية والمنظمات الدولية ويتبنى وثيقة للتفعيل والدراسة فمن قبل كثير منها.
وهذه أهم النتائج التفصيلية للموضوعات المطروقة في هذا الملتقى:
النـتـائـج
أولا- في المبادئ والمنطلقات والمفاهيم:
- إن معضلات الأمة الإسلامية لن تجد لها حلولا بمعزل عن دينها الذي ارتضاه الله لها بالأدلة البينات والحجج الواضحات بشرط سلامة منهج التعامل مع النصوص وعمق الفهم لمقاصد الشريعة وحسن تنزيل الأحكام الشرعية على واقع اتضحت معالمه واستوعبت عناصره وأبعاده.
- إن أزمة الأمة ليست في قيم دينها وأحكامه ولكن في عدم سلامة منهجية التعامل مع النص الشرعي.
- إن أزمات الأمة الإسلامية وإن كانت متعددة الأسباب والأبعاد فإن مفتاح الحلول يكمن في تجديد الخطاب الديني ليعبد للناس طرق السلم والعيش المشترك والترقي في مدارج تكريم الإنسان وعمارة الأرض.
- إن من أخطر التحديات التي تواجه تجديد الخطاب الديني تحريف المفاهيم لعدم استيعاب أصولها الأولى أو للجهل بالشروط الزمانية والمكانية التي تعيد صياغة المفهوم؛ ومن ثم فإنه لا مطمع في إيجاد بيئة ملائمة لثقافة السلم بدون تحرير المفاهيم من اجتيال الجهل أو تحريف الغلو.
-  إن بُؤرة تجديد الخطاب الديني إنما تكمن في صياغة المفاهيم صياغة مستقلة مبتكرة أو مراجعة المفاهيم المعتمدة في المجالات المستهدفة وما يتولد عنه من الأحكام لتهذيبها وعرضها من جديد على أصولها من جهة وعلى النتائج من جهة أخرى، مما قد يؤدي إلى تحويرها أو تغييرها أو تطويرها أو تعديلها وتبديلها.
- إن مفهوم الدولة والدولة الوطنية من المفاهيم المفجرة التي يجب تفكيكها وإعادة تركيبها، لأن البعض تذرع به لتحقيق غايات يضفي عليها الشرعية من خلال نصوص مجتزأة من سياقاتها، ومن خلال إهمال فج لأدنى قواعد منهج تنزيل الأحكام والمفاهيم التي أصل لها علماء المسلمين عبر الأزمنة المتوالية.
-  إن مشروعية الدولة الوطنية اليوم تتضرر من اشتراط شروط مثالية لا تستوعب منطق الشرع نفسه ولا منطق التجربة التاريخية للأمة بقدر ما تتضرر من اشتراط التماهي والتطابق مع صيرورة الدولة ومؤسساتها في التجربة الغربية الحديثة.
-  إن اشتراط فصل الدين عن الدولة فصلا تاما لتحقق مفهوم الدولة هو تضييق لا يراعي الصيغ المتنوعة لعلاقة الدين بالدولة في الدول الغربية نفسها ولا مركزية الإسلام في ثقافة المجتمعات المسلمة ولا خصوصية التطور الاجتماعي لكثير من البلدان المسلمة.
-  إن من خصائص الشريعة الخاتمة تكامل الديني والدنيوي فيها وكون بعض الحقوق مركبة يجتمع فيها حق الله وحقوق العباد.
- إن طبيعة الرسالة المحمدية باعتبارها الرسالة الخاتمة اقتضت أن تتسع أصولها ومقاصدها للبشرية جمعاء وأن تترك للعقل والرأي والتجربة الإنسانية النصيب الأوفر في تدبير ما الأصل فيه التغير والتطور كمسائل الدولة ووظائفها ومؤسساتها.
- إن التمييز بين المستويين الديني والدنيوي المصلحي في الأحكام منهج نبوي أصيل استوعبه سلف الأمة ففرقوا بين ما مجاله التوقيف وما مجاله الاجتهاد القائم على جلب المصالح ودرء المفاسد الخاضع لمقتضيات الزمان والمكان والإنسان.
-  إن كثيرا من الباحثين تربكهم العلاقة بين الديني وبين الدنيوي والإحالة المتبادلة فيما بينهما في الإسلام لضعف معرفتهم بطرق الاستنباط من النصوص وبمقاصد الشريعة وأدوات التنزيل في السياقات الزمانية والإنسانية، فيقتصرون على ظواهر من النصوص دون مقاصد وعلى فروع بدون قواعد فيدخلون في خصومة مع كل واقع يتجدد.
- إن هذه الإحالة المتبادلة بين الديني والدنيوي تورث وهما عند غير الراسخين في العلم أنه ديني بحت أو دنيوي محض توقع في كثير من سوء الفهم للنصوص، وفي التعسف على الواقع، وتفويت مصالح الخلق.
ثانيا- في تنزيل منهجية المنتدى على موضوع الدولة الوطنية في السياق الراهن:
-إن الفقه الإسلامي الموروث لم يتحدث عن دولة مسلمة بل عن دار إسلام.
- إن العبرة في إسلامية الدار ليست بالأحكام ولا بالحكام بل بالسكان؛ أي بوجود أغلبية مسلمة بوسعها ممارسة شعائر دينها في أمان.
-إن الدولة في القانون الدولي كما حددتها معاهدة مونتيفيديو 1933 بالأورغواي عبارة عن اجتماع العناصر التالية:
1- وجود أرض محدودة ومعينة.
2 - وجود شعب يقيم على هذه الارض بشكل دائم.
3- وجود شكل من الحكم في حده الأدنى.
4- القدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى.
- إن مسألة الدولة لا تجد موقعها في التعبديات، بل هي من صميم المصلحة التي رعاها الشرع وأوكل إلى العلماء النظر فيها والحكم بمقتضاها وفق المنهج المنضبط الذي يسمح بالوصول إلى صياغة مفهوم وصورة للدولة لا ينافيان مقتضيات الشرع ويتفقان مع معطيات العصر.
-  نصوص الفقهاء شاهدة على أن قضية الخلافة لا ترتبط بأصول الدين، ولا ترقى إلى مستوى مسالك اليقين.
-  إن ضرورة وجود سلطة تحفظ مصالح الناس وترعى شؤونهم أمر لا خلاف فيه في شريعتنا قولا وفعلا وتقريرا، لكن لا يلزم من هذا أي تحديد لطبيعة هذه السلطة ولا كونها دولة موحدة جامعة للمسلمين.
- إن التجربة التاريخية للأمة تثبت تعدد دول الإسلام، وتعدد أئمتها، ولم يثبت أن أحدا سعى إلى توحيد الأقطار تحت راية واحدة بسبب الواجب العقدي المستبطن لمبدأ وجوب الخلافة ووحدة الإمام.
-إنه لا يوجد في شريعتنا حول شكل السلطة وصلاحياتها ومكوناتها وطريقة تداولها أحكام ثابتة ملزمة إلا بقدر ما يحقق من المصلحة أو ما يدرأ من المفسدة، ويتلاءم مع أعراف وأحوال الناس، ويوفر السلام ويحفظ النظام، ويكون أقرب إلى روح الشرع في الأحكام.
-  إن أساس فقه الدولة في الإسلام عدم منافاة التشريعات والتدابير للنصوص الشرعية؛ وليس شرطا أن تكون منصوصا عليها أو مقيسة على النصوص.
- إن مقتضى انبناء فقه الدولة على أساس رعاية المصالح كون المفهوم القانوني والسياسي للدولة متطورا بحسب إرادة الإنسان وحاجاته، فتكون الدولة حسب إرادة المجموع بسيطة أو فيدرالية أو كونفدرالية، فالإسلام لا يهتم بالشكليات وإنما بالمضامين الموصلة للمصلحة.
- الأصل أن كل الدول التي تحتضن مجتمعات مسلمة ذات أغلبية هي دول مسلمة سواء نصت على ذلك في دساتيرها أم لا
- إن التشكيك في إسلامية الدول المسلمة لمجرد وجود بعض القوانين المخالفة للشريعة ذهول أو تجاهل لقرب عهدها بنكبة الاستعمار ولخصائص الدولة الوطنية في العصر الحديث؛ بكل التحديات والإكراهات التي تفرضها على النسيج الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتشريعي للمجتمعات المسلمة.
- إنه من الخطأ اشتراط عدم مخالفة أي نص شرعي لاعتبار الدولة مسلمة لأن الإسلام بالنسبة للأفراد متحقق بالشهادتين. وهذا الذي تدل عليه النصوص الشرعية، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته).
- إنه إذا كان الحكم ممكنا على قانون ما بالمواءمة أو المخالفة للشرع، فإن حكم المتعاطي مع هذا القانون يفتقر إلى منظومة أخرى تنتظم توفر الشروط وانتفاء الموانع وقيام الأسباب والعلاقة بين الرخص والعزائم التي تندرج تحت خطاب الوضع.  
-   إن الدولة الوطنية في عالمنا الإسلامي مع اختلاف أشكالها وصورها، هي نظم شرعية لها من المشروعية ما للإمبراطوريات الكبرى التي كانت قائمة في التاريخ بناء على قانون المصالح والمفاسد الذي تدور حوله أحكام الشرع، فلا يجوز أن تراق الدماء لتوحيد الدولة، ويجب أن يسود السلام.
- إن حرمة الدول المسلمة ومواطنيها لا يعني أي انتقاص من حرمة غيرها من الدول بل هو مجرد تخصيص بالذكر والاهتمام اقتضاه تصحيح مفاهيم مغلوطة متداولة في السياق الثقافي الإسلامي الراهن.
- إن التضامن وإصلاح الوحدات الوطنية هو السبيل الوحيد للخروج من الظروف الحرجة التي تعيشها المجتمعات المسلمة اليوم.
- إن مكافحة الإرهاب الذي يعتبر آفة العصر ومرضه العضال تقتضي تكاثف جهود الجميع ماديا وفكريا والتضامن مع المسلمين وخاصة في المنطقة العربية لأنهم أول المتضررين .
التوصيات:
- متابعة الاهتمام بالمفاهيم التي يترتب عن سوء فهمها إخلال بالسلم الاجتماعي أو الأهلي أو العالمي.
- المزيد من التنسيق مع الهيئات والمنظمات وممثلي الديانات المختلفة في مجال نشر قيم السلم والعيش المشترك والأخوة الإنسانية.
- تعزيز قيم الدولة الوطنية في المقررات الدراسية في المجتمعات المسلمة وفي أقسام الدراسات الشرعية.
- تشجيع البحث الجامعي في مجال التأصيل للدولة الوطنية مقاصد وتاريخا.
 -  تخصيص جوائز وطنية وعلى صعيد المجتمعات المسلمة للبحوث المتميزة في دراسة المفاهيم الشرعية المرتبطة بالدولة في نشوئها وتطورها وعلاقتها بالواقع المعاصر.
-  نشر أعمال هذا الملتقى بمختلف وسائل النشر الورقي والإلكتروني والتفاعلي لتعم بها الفائدة ويتاح التواصل حولها مع الهيآت العلمية " لمنتدى تعزيز السلم" ومع المسهمين فيه بالعروض والبحوث.
  وفي الختام يتوجه المؤتمرون بالشكر الجزيل والثناء الجميل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة على رعايتها الكريمة، ودعمها المتواصل للمنتدى، ويرفعون عبارات امتنانهم إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة،  وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي ، وإلى أصحاب السمو حكام الإمارات كما يتوجهون بعظيم الامتنان إلى سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، على ما يضفيه من رعاية على المنتدى، داعين الله لهم جميعا بالتوفيق والسداد والعون، وأن يحفظ دولة الإمارات قيادة وشعبا ويديم عليها سابغ نعمه وأفضاله .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
                                                                                                                                                                                              لجنة البيان الختامي