2015

طباعة | المشاركة | أرسل إلى صديق

أرسل إلى صديق

 
  
 
  

2015

Programs البرنامج

00

Speakers المتحدثون

00

Sessions الجلسات

00

البرنامج28 أبريل 201529 أبريل 201530 أبريل 2015

28 أبريل 2015

29 أبريل 2015

30 أبريل 2015

image

المحور الثالث: السلم في الإسلام

النصوص الحاكمة - القيم - المفاهيم - القواعد - الوسائل

اقرأ المزيد
image

المحور الثالث: السلم في الإسلام

النصوص الحاكمة - القيم - المفاهيم - القواعد - الوسائل

اقرأ المزيد
image

ورشات الظهيره: الورشة الأولى

الجـهــــــاد والقتـــال (القـــاعة - أ )

اقرأ المزيد
image

ورشات الظهيره: الورشة الثانية

التـكفيــــــــر (القـــاعة - ب )

اقرأ المزيد
image

ورشات الظهيره: الورشة الثالثة

تقســـــيم المعمـــــــورة (القـــاعة - ج )

اقرأ المزيد
image

الورشات المسائية: الورشة الأولى

تـــأصيـل الســـــلم (القـــاعة - أ )

اقرأ المزيد
image

الورشات المسائية: الورشة الثانية

السلم في الإسلام بعيون غربية (القـــاعة - ب )

اقرأ المزيد
image

الورشات المسائية: الورشة الثالثة

ما الذي يمكن أن تقدمه الجامعات الإسلامية لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة ؟؟ (القـــاعة - ج )

اقرأ المزيد
image

جلسة على هامش أعمال الملتقى

إسهام المرأة المسلمة في ترسيخ السلم

اقرأ المزيد
image

تقديم تقارير الورشات: ورشة محور

تصحيح وترشيد المفاهيم المرتبطة بتعزيز السلم

اقرأ المزيد
image

تقديم تقارير الورشات: ورشة محور

تـــــأصيل السـلم في الإســــــــلام

اقرأ المزيد
image

التكريم: حفــــل العشـــاء

تسليم جائزة الإمام الحسن بن علي (رضي الله عنه) للســــلم وكلمــــــــات المحتفــــى بهــــم

اقرأ المزيد
فضيلة الشيخ/ أحمد الطيب

فضيلة الشيخ/ أحمد الطيب

الإمام الأكبر و شيخ الأزهر الشريف
مصر

اقرأ المزيد
الأستاذ/ محمد كمال الدين إمام

الأستاذ/ محمد كمال الدين إمام

أستاذ الحقوق والمقاصد الشرعية بجامعة الإسكندرية
مصر

اقرأ المزيد
د. أحمد عبد العزيز الحداد

د. أحمد عبد العزيز الحداد

كبير المفتين في دبي ومدير دائرة الإفتاء
الامارات

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. رضوان السيد

الأستاذ/ د. رضوان السيد

أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية
لبنان

اقرأ المزيد
د. أحمد عبادي

د. أحمد عبادي

الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء المغرب
المغرب

اقرأ المزيد
فضيلة الشيخ/ حمزة يوسف

فضيلة الشيخ/ حمزة يوسف

مؤسِس ورئيس جامعة الزيتونة في كاليفورنيا
امريكا

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. أحمد أبو الوفا

الأستاذ/ د. أحمد أبو الوفا

أستاذ بكلية الحقوق - جامعة القاهرة
مصر

اقرأ المزيد
د. اسلمو ولد سيد المصطفى

د. اسلمو ولد سيد المصطفى

رئيس جامعة المخاطر
موريتانيا

اقرأ المزيد
د. أمحند أمشنان

د. أمحند أمشنان

مستشار وزير الشؤون الدينية
الجزائر

اقرأ المزيد
د. عادل الفلاح

د. عادل الفلاح

وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
الكويت

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. عادل عبد القادر قوته

الأستاذ/ د. عادل عبد القادر قوته

أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز بجدة
السعوديه

اقرأ المزيد
الأستاذة/ عزيزة الهبري

الأستاذة/ عزيزة الهبري

أستاذة جامعية في كلية تي سي وليامز للقانون التابعة لجامعة ريتشموند
امريكا

اقرأ المزيد
السفير/ د. عارف علي النايض

السفير/ د. عارف علي النايض

مؤسس ومدير كلام للبحث والإعلام
ليبيا

اقرأ المزيد
د. عبدالله بوصوف

د. عبدالله بوصوف

مدير المعهد الأوروبي الإسلامي للثقافة وللحوار ببروكسيل
أنغولا

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. عبد الحكيم جاكسون

الأستاذ/ د. عبد الحكيم جاكسون

أستاذ بجامعة كاليفورنيا الجنوبية
امريكا

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. فهمي جدعان

الأستاذ/ د. فهمي جدعان

أستاذ بالجامعة الأردنية
الاردن

اقرأ المزيد
د. محمد السرار

د. محمد السرار

رئيس مركز ابن القطان للدراسات والبحوث في الحديث والسيرة
المغرب

اقرأ المزيد
د. محمد السماك

د. محمد السماك

أمين عام اللجنة الوطنية اللبنانية للحوار الإسلامي المسيحي
لبنان

اقرأ المزيد
الشيخة/ حليمة كروسن

الشيخة/ حليمة كروسن

عضو مؤسس، حلقة الحوار الدينية الدولية، جامعة هامبورغ
المانيا

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. محمد القوصي

الأستاذ/ د. محمد القوصي

نائب رئيس مجلس إدارة الرابطة العالمية لخريجي الازهر
مصر

اقرأ المزيد
الشيخ محمد المختار بن أمبالة

الشيخ محمد المختار بن أمبالة

رئيس هيئة الإفتاء والمظالم
موريتانيا

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. محمد تقي الدين العثماني

الأستاذ/ د. محمد تقي الدين العثماني

نائب رئيس دار العلوم
باكستان

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. محمد عبد الغفار الشريف

الأستاذ/ د. محمد عبد الغفار الشريف

أستاذ الفقه وأصوله كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة
الكويت

اقرأ المزيد
الشيخ مصطفى سيريتش

الشيخ مصطفى سيريتش

المفتي العام
البوسنه والهرسك

اقرأ المزيد
الأستاذ/ د. هاني عبد الشكور

الأستاذ/ د. هاني عبد الشكور

الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز
السعوديه

اقرأ المزيد
الشيخ هاني فحص

الشيخ هاني فحص

عضو اللجنة الشرعية للمجلس الشيعي الأعلى
لبنان

اقرأ المزيد
معالي/ الشيخ عبدالله بن بيه

معالي/ الشيخ عبدالله بن بيه

رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة
موريتانيا

اقرأ المزيد
د. محمد الروكي

د. محمد الروكي

رئيس جامعة القرويين
المغرب

اقرأ المزيد

يرجى الاتصال بنا للحصول على المعلومات التي تبحث عنها.

الملتقى الثاني"لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" 

انبثقت مبادرة "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" العام الماضي من استجلاء أوضاع الأمة الإسلامية التي اتسمت في السنوات الأخيرة بمستوى غير مسبوق من العنف والقتل والدمار تغني إحصاءات مخلفاته اليومية عن كل تعليق. وقد انطلقت تلكم المبادرة من ملاحظة أن هذه الأوضاع والظواهر تتجاوز الأزمات العابرة؛ لأنها آخذة في التمدد والانتشار في جسم الأمة؛ مما يجعلها عُرضة للانفجار، ويسيء إساءة بالغة إلى صورة الإسلام؛ وخاصة في الغرب الذي يشهد خوفا متزايدا من ديننا، وتناميا للكراهية والعنصرية وأعمال العنف ضد المسلمين.

وقد حقق الملتقى الأول للمنتدى نجاحا كبيرا بفضل الله تعالى ثم بالحضور النوعي لما يفوق مائتين وخمسين عالما ومفكرا، برعاية كريمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، ولفت انتباه المفكرين وصُنَّاع القرار في العالميْن الإسلامي والغربي، وأصبح محلَّ تقدير لدى هيئات دولية. ولم تزل الأحداث المتلاحقة والمتسارعة في العالم الإسلامي بعد انعقاد المنتدى تؤكد - بكل أسى وأسف- ما حذر منه من مخاطر محدقة بالأمة الإسلامية بسبب صراع البقاء المفضي إلى الفناء، وتثبت ما نبه إليه من انعكاسات هذه المخاطر على مناطق مختلفة من العالم؛ وتزكي ما صدر عنه من توصيات؛ وهي في محصلتها سعيٌ إلى خلق تيار سلام قوي في المجتمعات المسلمة -حيثما وجدت-ليناهض تيار العنف والغلو والتطرف، بغض النظر عن مرجعياته وخلفياته ودوافعه.

وإذا كانت غاية الملتقى الأول "لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" هي إعلان الحرب على الحرب، لتكون النتيجة سلما على سلم، وإطفاء الحريق وإنقاذ الغريق، وخفض حرارة جسم الأمة؛ فإن غاية الملتقى الثاني -مع استصحاب الغاية الأولى لبقاء أسبابها- هي إعادة برمجة الأولويات في المجتمعات المسلمة؛ بتأهيل العقول والنفوس لإدراك محورية السلم في ديننا وشريعتنا وتراثنا؛ وذلك باعتماد المنهجية الصحيحة في قراءة نصوص الوحي وتراث السلف؛ لأن ما يجري في المنطقة اليوم ليس مما يأباه ديننا وتجرِّمه شريعتنا فحسب؛ بل هو خارجٌ عن نطاق العقل والإنسانية.

الورقة التصورية

انبثقت مبادرة "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" العام الماضي من استجلاء أوضاع الأمة الإسلامية التي اتسمت في السنوات الأخيرة بمستوى غير مسبوق من العنف والقتل والدمار تغني إحصاءات مخلفاته اليومية عن كل تعليق. وقد انطلقت تلكم المبادرة من ملاحظة أن هذه الأوضاع والظواهر تتجاوز الأزمات العابرة؛ لأنها آخذة في التمدد والانتشار في جسم الأمة؛ مما يجعلها عرضة للانفجار، ويسيء إساءة بالغة إلى صورة الإسلام؛ وخاصة في الغرب الذي يشهد خوفا متزايدا من ديننا، وتناميا للكراهية والعنصرية وأعمال العنف ضد المسلمين.
 وقد حقق الملتقى الأول للمنتدى نجاحا كبيرا بفضل الله تعالى ثم بالحضور النوعي لما يفوق مائتين وخمسين عالما ومفكرا، برعاية كريمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، ولفت انتباه المفكرين وصناع القرار في العالمين الإسلامي والغربي، وأصبح محل تقدير لدى هيئات دولية. ولم تزل الأحداث المتلاحقة والمتسارعة في العالم الإسلامي بعد انعقاد المنتدى تؤكد – بكل أسى وأسف- ما حذر منه من مخاطر محدقة بالأمة الإسلامية بسبب صراع البقاء المفضي إلى الفناء، وتثبت ما نبه إليه من انعكاسات هذه المخاطر على مناطق مختلفة من العالم؛ وتزكي ما صدر عنه من توصيات؛ وهي في محصلتها سعي إلى خلق تيار سلام قوي في المجتمعات المسلمة -حيثما وجدت- ليناهض تيار العنف والغلو والتطرف، بغض النظر عن مرجعياته وخلفياته ودوافعه.
وإذا كانت غاية الملتقى الأول "لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" هي إعلان الحرب على الحرب، لتكون النتيجة سلما على سلم، وإطفاء الحريق وإنقاذ الغريق، وخفض حرارة جسم الأمة؛ فإن غاية الملتقى الثاني – مع استصحاب الغاية الأولى لبقاء أسبابها- هي إعادة برمجة   الأولويات في المجتمعات المسلمة؛ بتأهيل العقول والنفوس لإدراك محورية السلم في ديننا وشريعتنا وتراثنا؛ وذلك باعتماد المنهجية الصحيحة في قراءة نصوص الوحي وتراث السلف؛ لأن ما يجري في المنطقة اليوم ليس مما يأباه ديننا وتجرمه شريعتنا فحسب؛ بل هو خارج عن نطاق العقل والإنسانية.
إن تأسيس تيار السلم في المجتمعات المسلمة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية هو أوجب الواجبات الآن. وهذا التيار لا يمكن أن يتأسس بمعزل عن كليات الإسلام ومقاصده وأحكامه؛ لأنها هي العناصر التي تشكل عمق الثقافة والقيم والسلوك في هذه المجتمعات، وهي التي تمد الجسور بينها وبين الحكمة الإنسانية والقيم التي تناضل البشرية جمعاء من أجلها وتتشوف إلى العيش في ظلالها. ومن ثم فإن الملتقى الثاني "لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" يستحضر الأهمية البالغة لاصطفاف علماء الإسلام في صف واحد لمواجهة تيار الغلو والعنف؛ لأن الواقع اليوم أثبت أن المجتمع الدولي يتشوف لوظيفة الدين ودور العلماء في إخماد نيران الحرائق التي أججتها المظلوميات والإحن والأحقاد، وألبسها الجهل أو سوء الفهم أو حب الدنيا لبوس الشرعية الدينية. وإنها لفرصة سانحة للعلماء خاصة، ثم للمفكرين ولمن لهم تأثير على الرأي العام في المجتمعات المسلمة، ليأخذوا بأيديها ويتحملوا مسؤولياتهم في توضيح الصورة الحقيقية لديننا؛ دين السلام والمحبة والوئام؛ بعد أن أصابها من الغبش والتشويه ما أصابها، وأصبحنا فتنة لغيرنا: يفني بعضنا بعضا، والجميع يرى نفسه من المصلحين، ويقع علينا ظلم غيرنا فنتصرف تجاهه بما يظهرنا كالمعتدين. وقد آن الأوان كي تتحرر نخب الأمة إذا عادت إلى كليات ديننا ومقاصده وأولوياته، وتأملت في مآلات وضعنا وعواقبه، من كل أنواع الضغوط النفسية والثقافية والاجتماعية...لتذكر الناس أو تجابههم بالحق: ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النارغافر:41
وانسجاما مع غايات هذا الملتقى الثاني لمنتدى تعزيز السلم وهي: استئناف جهود إطفاء الحرائق المتأججة في جسم الأمة لتجنيبها المزيد من الدمار المادي والمعنوي، وزرع بذور تيار في الأمة يتبنى أولوية السلم ويعمل من أجل تحقيقه وترسيخه بوصفه الخيار الوحيد لتدبير الاختلاف، والتدافع، والتغيير؛ إلا في حالة الدفاع عن النفس ورد العدوان... انسجاما مع تلكم الغايات سيتدارس العلماء والمفكرون والباحثون أيام (9-10-11 رجب 1436 هـ/ 28-29-30 أبريل 2015م ) بحول الله المحاور التالية:
المحور الأول: جغرافية الأزمات في المجتمعات المسلمة وتجارب السلم والمصالحة:
إن إدراك الواقع إدراكا علميا أو قريبا من ذلك يسهم إلى حد كبير في الوعي بما يفرضه علينا من تحديات وإكراهات وصعوبات، كما يسمح لنا باستكشاف ما يختزنه من طاقات وفرص وإمكانات. ولعل كثيرا من المواقف والقرارات والإجراءات المجانبة للصواب في المجتمعات المسلمة مردها إلى ضعف المعرفة بواقع الأفراد والمجتمعات والدول. ومن ثم فقد خصص الشق الأول من هذا المحور لدراسة وصفية شاملة لبؤر الأزمات والتوتر في المجتمعات المسلمة؛ حتى تتضح الصورة لمن لا يزال غافلا عن العواقب الوخيمة الواقعة والمتوقعة لمختلف مظاهر اللاسلم في هذه المجتمعات في شتى المجالات. وبالمقابل سيسعى الشق الثاني من هذا المحور إلى تجلية عناصر الأمل في إحلال السلم الاجتماعي في الواقع المعاصر؛ وذلك من خلال نماذج من المجتمعات المسلمة ومن المجتمعات الأخرى. فحسم الخلاف بالعنف والصراع المسلح ليس ضربة لازب، ولا قدرا محتوما؛ وإنما هو فشل في السمو الفكري والنفسي إلى أفق التعايش والتفاهم، وعجز عن تحمل التبعات النفسية والاجتماعية للتضحية بحقوق  وإن كانت مشروعة، والصفح عن مظالم وإن كانت شنيعة، من أجل مستقبل يجد الجميع فيه مكانا وموقعا، ويتعايش الناس فيه في أمن وسلام: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم- الرعد:11)
ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:
1- جغرافية الأزمات في المجتمعات المسلمة
2- تجارب السلم والمصالحة في الواقع المعاصر:
أ‌- في المجتمعات المسلمة ( إقليم آتشي- أندونيسيا)
ب‌- في المجتمعات الأخرى ( جنوب أفريقيا)

المحور الثاني: تصحيح وترشيد المفاهيم المرتبطة بتعزيز السلم:
كان أحد محاور الملتقى الأول لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة السنة الماضية مخصصا لتصحيح المفاهيم لأهميتها القصوى في التصور كما في التطبيق والممارسة. فالمفاهيم الشرعية يساء فهمها إذا اختل أحد عناصر تكوينها؛ سواء كان مدلولا لغويا وشرعيا، أو مقاصد وعللا مولدة للأحكام، أو واقعا وبيئة هما مجال التنزيل. وقد ارتأت اللجنة العلمية للمنتدى استصحاب هذا المحور اقتناعا منها بأن التباس المفاهيم واضطرابها وغموضها من أهم الأسباب الفكرية للعنف الذي يمارس باسم الإسلام في المجتمعات المسلمة وفي مناطق مختلفة من العالم، وبأن من أولويات مهام علماء الأمة ومفكريها وباحثيها اليوم التصدي لاستعمالات قاصرة لمفاهيم لم تستوعب في علاقتها بمقاصد الرسالة المحمدية، وبسياق تكوين الأمة، وحفظ تماسكها الداخلي وأمنها الخارجي. وبذلك تتحرر هذه المفاهيم مما تعرضت له من مصادرة، وتتضح حقيقتها ووظيفتها في ديننا.
وحرصا على مزيد من التدقيق في دراسة المفاهيم، اختير لهذا المحور ثلاثة موضوعات انطلاقا من راهنيتها وقوة توظيفها في المواقف والتصرفات التي تشهدها المجتمعات المسلمة اليوم؛ وهي:
1- الجهاد والقتال
2- التكفير
3- تقسيم المعمورة
فالجهاد برغم سعة مجالاته التي يعد القتال واحدا منها؛ كأنه صار مرادفا للقتال؛ مما يستدعي بيان علاقة الجهاد بمختلف أنواع القتال، فضلا عن تحديد من له الحق في إعلان جهاد القتال؛ بعد أن أصبح إعلانه  الذي كان قرارا وتدبيرا مخولا للدولة، دعوى يتبناها أفراد أو جماعات لم تخول لهم الشريعة ولا الأمة هذا الحق. فتحول جهاد القتال من مفهوم للسلم والرحمة، ومن وسيلة للدفاع عن حرية المعتقد أو المستضعفين أو لرد العدوان، إلى ذريعة لفساد وإفساد كبيرين في كيان الأمة. كما يقتضي المقام تحقيق مناط الجهاد في السياق الدولي المعاصر الذي انتفت فيه الحواجز المانعة من الدعوة إلى الإسلام، وانتمت فيه الدول إلى معاهدات ومواثيق ومنظمات تتغيى منع العدوان، وتنظيم العلاقات الدولية على أساس السلم والتعاون. 
   والتكفير الذي هو نفي الإيمان والحكم بالارتداد، حكم بالغت الشريعة في التحذير من إيقاعه على غير مستحقيه، وتحرج منه السلف الصالح واحتاطوا له غاية الاحتياط؛ بل اعتبروه من جرائم الفساد في الأرض، لخطورة ما يترتب عنه من آثار دينية ودنيوية. لكنه لم يعد في المجتمعات المسلمة اليوم مقتصرا على ما هو من صميم الاعتقاد، ولا مبنيا على علامات واضحة لا تحتمل أي تأويل؛ بل أصبح الناس يكفرون بالشبهة ولوازم الأقوال، وفي قضايا لا تعدو أن تكون أحكاما فقهية عملية.  وبما أن كل تساهل وتوسع في حقيقة ما يوجب التكفير هو من حيث المآل توسيع لقاعدة المستهدفين بالقتل؛ فإن الموضوع يستدعي تجلية ما الذي يوجب التكفير شرعا؟ أي ما الذي يعتبر ناقضا لإسلام المرء وموجبا لارتداده؟ وهل المفاهيم المتذرع بها اليوم للتكفير كالولاء والبراء والحاكمية من موجبات التكفير؟ علما بأن المجتمعات المسلمة اليوم لا تملك زمام أمرها بالكلية، وأنه لا تلازم بين دائرة الاعتقاد والإيمان ودائرة الأحكام العملية. ثم ما هي الجهة المخولة لإصدار حكم التكفير؟ هل هي جهة علمية كالمفتي أم ولائية كالقاضي؟ وهل يمكن تجريم التكفير الصادر من غير أهله ما دام التكفير تسويغا غير مباشر للقتل؟
   ومفهوم الدار -أو تقسيم المعمورة- أيضا من المفاهيم التي وقع فيها كثير من الالتباس ويتوسل به اليوم إلى جرائم كثيرة باسم الإسلام. فتقسيم الدور إلى دار إسلام ودار حرب تقسيم ظرفي راعى فيه الفقهاء في زمانهم الارتباط العضوي بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في العالم كله، مع غياب معاهدات دولية تسمح للمسلمين أن يمارسوا شعائر دينهم بحرية وأمان خارج البلدان التي تخضع لأحكام الشريعة، فهل يصح أن يتحول التقسيم الظرفي إلى تقسيم مطلق في الزمان والمكان؟ ألم يتغير الواقع الدولي بوجود مواثيق دولية ملزمة غيرت طبيعة الدار بل وحمت الدول الصغيرة من أن تبتلعها الدول الكبيرة لو بقيت العلاقات تحت رحمة القوة العسكرية؟  ألسنا اليوم في دار مركبة التقسيم تسمح للناس على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم بالتساكن والتعايش والتعاون؟ أليس حمل المسلمين لجنسية دول لا يدين غالبية أهلها بالإسلام لكنها تسمح لهم بإقامة شعائر دينهم وبالدعوة إليه مظهرا من مظاهر هذه الدار المركبة؟ ثم ماذا عن ربط إسلامية الدار بتنفيذ الأحكام الشرعية كلها؟ أليس ذلك اختزالا لمفهوم الأمة في بعده السياسي مع أن مفهوم الأمة هو ديني بالأساس؟ ثم ألا يؤدي ذلك الربط إلى تكفير المجتمعات الإسلامية كلها؟ ألسنا بحاجة في هذا المجال إلى تفعيل أحكام جديدة تختزن قيما جديدة تناسب رسالة الإسلام ومقاصده وتليق بصورة نبينا عليه الصلاة والسلام الذي أرسله الله رحمة للعالمين؟ هذه الأسئلة هي التي ينتظر من علماء الأمة ومفكريها أن يجيبوا عنها في هذا الملتقى انطلاقا من أصول الشريعة وقواعدها ومقاصدها.
المحور الثالث: السلم في الإسلام: تأصيل وممارسة واستشراف

ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:
1- تأصيل السلم ( النصوص الحاكمة- المفاهيم- القيم- القواعد- الآليات والوسائل)
2- شهادات تاريخية حول السلم في الإسلام.
أصلت الكلمة التأطيرية للملتقى الأول لأولوية السلم في منظومة القيم الشرعية على غيره من القيم تأصيلا وافيا، مبنيا على استقراء نصوص الوحي، ووقائع السيرة النبوية الشريفة، وعمل السلف الصالح، وفقه الأئمة الراسخين؛ ثم حللت "جملة من المفاهيم التي كانت في الأصل تشكل سياجا على السلم... ففهمت على غير حقيقتها، وتشكلت في الأذهان بتصور يختلف عن أصل معناها وصورتها، وانقلبت إلى ممارسات ضد مقصدها الأصلي وهدفها وغايتها" . وكانت العبارة الملخصة لهذ البحث : " إذا كانت المطالبة بالحق حقا فإن البحث عن السلم أحق"
  وفي هذا الملتقى الثاني يتابع "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" البحث العلمي المؤصل في الموضوع الذي هو غاية تأسيسه وبرنامج عمله: قضايا السلم، وإشكالاته، وعوائقه، وحوافزه، والسبيل إلى تحقيقه.
وبالنظر إلى ما تجابه به الدعوة إلى السلم من تحفظات وشكوك وشبهات اقتضى المقام العود- والعود أحمد- إلى تأصيل مفهوم السلم، كما اقتضت الصورة المتداولة عن الإسلام اليوم في العالم بسبب كل ما يرتكب باسمه من فظائع، أو بسبب التحامل، عرض وتحليل شهادات تاريخية لإخواننا في الإنسانية حول الإسهام الذي قدمه الإسلام للحضارة البشرية في مجال السلم.
أما التأصيل فمن خلال بيان عناصر متكاملة أبرزها:
أ‌- النصوص: وذلك بجمع النصوص الشرعية في الموضوع، وتمييز أصولها من فروعها حتى يفسر بعضها بعضا بدل أن يضرب بعضها ببعض. وهذا مجال واسع للجمع والتأويل والترجيح.
ب‌- المفاهيم: وذلك ببيان منظومة المفاهيم الوسيطة التي يتشكل منها مفهوم السلم: في ذاتها، ومن خلال العلاقات التي تربط بعضها ببعض.
ت‌- القيم: وذلك ببيان القيم التي تهيئ المجتمع المسلم لتقبل السلم وتحمل تبعاته كالأخوة الدينية والأخوة الإنسانية، والدفع بالتي هي أحسن، والعفو عند المقدرة، ومقابلة السيئة بالحسنة....
ث‌- القواعد: وذلك ببيان القواعد المؤسسة لفقه السلم: كقاعدة اعتبار المآلات والعواقب، وقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح،وقواعد ترتيب المصالح والمفاسد عند التعارض...
ج‌- الآليات والوسائل: وذلك ببيان الآليات والوسائل التي تفضي إلى حل النزاع وتحقيق السلم سواء تعلق الأمر بالأفراد أو بالمجتمعات. ومن ذلك –مثلا- الصلح والتحكيم والعفو والمعاهدات والهدنة...
وأما الشهادات التاريخية فهي دعوة إلى إنصاف الإسلام من خلال استعراض نصوص استطاعت التجرد من ضغوط الانتماء إلى ثقافات أو معتقدات دينية أخرى، وميزت ما هو أصيل في تصور الإسلام للسلم، وفي مجمل تجربة الأمة الإسلامية، مما هو عارض أملته ظروف طارئة أو دفعت إليه أفهام خاطئة.  كما أنها فرصة لبيان حقيقة إسهام الإسلام في إنشاء مفاهيم السلم ونشر ثقافته وتطوير آليات تحقيقه والحفاظ عليه؛ في بيئة كانت القاعدة العامة فيها للعلاقات بين المختلفين دينا أو عرقا هي الصراع المسلح، أو التربص بالخصم إلى حين. 
وحرصا من " منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" على المزيد من توضيح الرؤى وتعميق المفاهيم ؛ ستغتني محاور الجلسات العامة ومحاضراتها بورشات تتاح فيها الاستفادة بشكل أمثل من إسهام العلماء والباحثين والمدعوين في ترشيد الوجهة وتنويع الاقتراحات؛ هذا فضلا عن ورشتين إضافيتين:
أما الورشة الأولى فمهمتها علمية تنظيرية؛ تبحث فيما يمكن للجامعات الإسلامية أن تقدمه لمشروع تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بالنظر إلى  المكانة الرائدة لهذه المؤسسات في المجتمعات المسلمة في توجيه شباب الأمة من جهة، ولاقتدارها من جهة ثانية على توجيه البحث العلمي في الدراسات الشرعية وجهة تنفي عن التراث الإسلامي ما علق به من أقوال وتوجهات شذت عن محجة الوسطية والاعتدال والسماحة، وعلى استبصار ما يحتاجه مشروع تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة من رسم للتوجهات وتحديد للأولويات وتصميم لخطط العمل.
وأما الورشة الثانية فهي ورشة تستهدف توظيف خبرة الشباب المتمرسين في تقنيات التواصل الإلكتروني في خدمة مشروع تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة؛ إيمانا من " المنتدى" بحاجة المؤسسات العلمية والتربوية والمنتديات الفكرية في المجتمعات المسلمة إلى استثمار هذه الطاقات والمعارف والخبرات في خدمة السلم، وبحاجة الشباب أنفسهم إلى الانخراط في هذا المشروع  ليكونوا مصابيح تنير للناس طريق الخير، بدل أن يكونوا وقودا للفتنة العمياء وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ويأمل " منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" أن يكون هذا الملتقى الثاني فرصة جديدة لتبادل الرأي بين العلماء والمفكر
ين والباحثين والخبراء والشباب، وتقديم رؤى وبدائل ومشاريع  تسهم في التأصيل لثقافة السلم في الأوساط العلمية والمؤسسات البحثية، وفي إشاعتها في  المجتمعات المسلمة قيما وسلوكا.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
.

الكلمة التأطيرية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين السلام المؤمن، خلق الإنسان وأوضح له سبيل السلام، ودعاه إلى دار السلام. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الذي جعل وسيلة الإيمان الحب، وسبيل الحب إفشاء السلام، وذلك في قوله: ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا أنتم فعلتموه تحاببتم؟. أفشوا السلام). فلا تمام للإيمان بدون حب، ولا حب بدون سلام.
أيها السادة:
ها نحن اليوم بفضله تعالى وسابغ كرمه، نعقد الملتقى الثاني ل"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" بعد أكثر من سنة من انعقاد الملتقى الأول في عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة أبوظبي، وفي الرحاب الفسيحة لبيت الشيخ الشيخ زايد آل نهيان طيب الله ثراه،
لعمري لأنت البيت أكرم أهله
  ** وأقعد في أفيائه بالأصائل
 وبرعاية كريمة وعناية فائقة من قيادة هذا البلد الطيب. تلك الرعاية والعناية التي كانت بعونه تعالى وتوفيقه من أهم أسباب نجاح التحركات التي أعقبت الاجتماع الأول في داخل المجتمعات الإسلامية، أو في نطاق الإنسانية إبلاغا لرسالة السلام التي اتفقنا هنا على إفشائها طبقا لتعاليم سيد الخلق وحبيب الحق: ( أفشوا السلام بينكم)، (وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف).
منجزات سنة التبشير:
لقد وصلنا رسالتنا هاته في محافل دولية عدة، فقدمناها في اجتماع منظمة"ديانات من أجل السلام" في حوار الديانات الذي نظمه مركز خادم الحرمين لحوار الثقافات في فيينا، وبسطناها وسط تجمع للمسلمين في نيويورك، وفي مجلس الأمن الدولي في جلسة حول مشكلة الإرهاب والتطرف، وفي مركز السلام بواشنطن، وفي مختلف وسائل الإعلام الأمريكية، وبعض وسائل الإعلام العربية هنا في دولة الإمارات وغيرها.
كما احتضنت أبوظبي اجتماعات على مدى يومين ضمت عددا من ممثلي علماء نيجيريا للتمهيد لاجتماع أوسع لمختلف الأطراف؛ كما عقد اجتماع آخر للديانات في هذا البلد للجنة التنفيذية للديانات من أجل السلام شارك فيه كبار اأتباع الديانات المختلفة، وفي منتدى دافوس بسويسرا أبلغنا رسالة المنتدى، وفي مؤتمر إحياء الروح الإسلامية -2014 بتورونتو الكندية، وفي مؤتمر للأئمة في المملكة المتحدة لتقديم الإرشاد والتوجيه في رعاية الجالية المسلمة وترشيد الشباب المسلم، وأخيرا في المملكة العربية السعودية في كرسي الأمير نايف للقيم في 13 أبريل 2015م حول "تحالف القيم المشتركة في خدمة السلم"، قدمنا فيه مفهومنا لحلف الفضول من أجل السلم، بالإضافة إلى دعوات لم نستطع تلبية الكثير منها.
حاولنا في سنتنا الأولى أن نؤسس لتيار السلم، وأن نسلط الأضواء على أخطر أدواء الأمة ونقصد مشكلة العنف والتطرف والإرهاب، وأن نصحح ونرشد المفاهيم المرتبطة بالسلم، وأن نبشر برسالة السلم شرحا وإذاعة وإشاعة، وحتما، فإن النتائج لن تكون سريعة على الأرض، ولن ندعي أننا استطعنا نزع أسلحة مقاتلين يئس بعضهم من بعض، ومحاربين يئسوا من الحياة ومن الناس، قل علمهم، واشتد تعصبهم، لهم أحيانا ثارات مع جهات، ومظالم عند أخرى، إلا أننا نرجو أن نكون قد تمكنا من إحداث اختراق لحصونهم وبنيتهم الفكرية، اختراق - على الأقل –جعل المقدم على الانجذاب إلى تيار العنف والقتل يساوره شك بأن هذه ليست طريق الجنة.
كما كان من نتائج عملنا خلال سنتنا الماضية، أن المنتدى استطاع أن يطلق في الساحة العلمية والفكرية مفاهيم السلم، فقبل عام فقط من الملتقى السابق لم يكن لتأصيل السلم في الإسلام ولا لتوصيل المفاهيم المرتبطة به، أو تصحيحها وترشيدها من ذكر إلا لماما، لكن خلال عام من انعقاد الملتقى الأول انبنت كثير من الملتقيات والمؤتمرات على الفكرة التي تشغلنا، وتأثث فضاؤها بالمفاهيم التي عالجناها.
 إلا أننا وإن كنا نستبشر بما أنجزناه، فإننا نقدر حجم ما يلزمنا القيام به لتحقيق الغايات المرجوة في ظل الحالة القائمة، والصورة القاتمة التي لم تتجل بعد.
أيها القادة، أيها العلماء، أيها الحكماء:
إن الأمة تعاني من مشكلة ومعضلة كبرى، إذا كان يمكن لهذه الكلمة أن تعبر عن تلك المعاناة، لتعدد أوجه الإشكال وتنوع مقاربات فهم الأعضال. فهذا الوضع لا يصف إلا نفسه، إذ أن المشاهدة الحسية ذاتية العلم، فلا تستفاد من دلالة اللفظ، فلا فائدة من الوصف الذي لن يبلغ حد الشناعة والبشاعة والفظاعة مهما التهبت الكلمات، وتعالت الصيحات، وزمجرت الحناجر.
لكن، ما هو باطن هذا الظاهر؟. وما هي الأفكار التي أنجبته، والمراجل التي أنضجته؟.
من؟، ماذا؟، لماذا؟، كيف؟، متى؟، أين؟.

كل أدوات الاستفهام مشرئبة الأعناق إلى أجوبة، لأنه قد استحكم الداء، واستحالت الصهباء، واغبرت البيداء، فما هو الدواء؟.
إن الأفعال التي يشهدها العالم في كل يوم بشعة في عرف الإنسانية وذوقها وحسها؛ ولكن الأبشع أن يكون عنوانها الموضوع ولواؤها المرفوع: الدين الإسلامي والوحي السماوي، والقيم الربانية افتراء على الباري جل وعلا، وعلى رسول الرحمة، وافتياتا على أكثر من مليار من البشر، فوصمت الدين وشوهت سمعة المسلمين، مما أوجد حالة من الاشمئزاز والنفور والغضب، بل والكراهية والحَنَق وليس ضد الفاعلين بل ضد المسلمين وضد الإسلام نفسه.
ومن اللافت أن تلك المشاعر المليئة بالاشمئزاز والتقزز لم تعد خاصة بأعداء الإسلام التقليديين والتاريخيين، وإنما أصبحت تلقي بحممها كالبركان الهائج في أعماق فئات من المسلمين أنفسهم الذين صاروا في أحسن الأحوال في شك من دينهم وريبة من عقيدتهم إن لم يكونوا في مفاصلة معه.
وبسبب تلك الأفعال التي لا يمكن أن توصف، والأصوات التي تتذرع بالآيات والسنة وتتشدق بأنها الممثلة للدين، أصبح المتمسكون بدينهم، الموقنون بأنه دين السلام والمحبة والوئام، وأنه يمثل حضارة الحياة للبشرية، والضمانَ للنفوس والأموال والأعراض، كالقابض على الجمر، يستحيون أحيانا من إعلان تلك الحقيقة، ويتساءلون أحيانا في المحافل الدولية إذا كان هناك من يصغي لكلامهم.
ولقد طف الصاع، وبلغ الحزام الطبيين، وأصبحت هذه الظاهرة المجنونة في هذه الحقبة من التاريخ ميزة أهل الإسلام، ولم يعد بالإمكان التذرع بالمؤامرة الصهيونية أو الغربية أو التاريخية التي لا يمكن إنكارها مهما كانت حقيقة ظلمها، ووجاهة حججها، ورسوخ جذورها في تربة بلادنا وإحساس شعوبنا؛ فعن أي شيء يبحث المتآمرون إذا كان المتآمر عليه يقوم بنفسه بأسوء مما يمكن أن يتصوره المتآمرون.
لا يبلغ الأعداء من جاهل
 ** ما يبلغ الجاهل من نفسه
إن القضايا التي شغلتنا ما زالت غير مُستوعَبةٍ، والقيم التي دافعنا عنها غير مُتَمَثَّلةٍ، والنصوص الشرعية التي سردناها غير ممتثلة. إن الهم هو أن تنبت شجرة السلم، والتي تحتاج وقتا تقوم على سوقها وليس المهم من يستثمر أو من يستظل، ولكن المهم هو إنجاز المهمة التاريخية.
هذه المهمة اليوم، هي إماطة اللثام عن زيف التوكؤ على الإسلام من خلال استشهادات مجتزأة خارج السياق الزماني والمكاني والإنســــــاني، ومعزولة عن بقية النصوص التي تفسر غموضهـــــا، وتقيد إطلاقها، وتخصص عمومها، وترد جزئيها إلى كليها. وباختصار، هي منابذة ومراغمة للمنهجية الصحيحة المؤصلة. ولهذا، فقد يكون من الضروري أن نذكر بشيء من التفصيل مواقع الخلل ومواطن الزلل عند هؤلاء في تعاملهم مع النصوص.
وبكل أسف ، فإن بعض حملة العلم الذين يرفضون الإرهاب استصعبوا الخوض في غمار المنهجية العلمية العميقة التي من شأنها أن تفكك بناء الإرهابيين، وتنقض عرى ما عقدوه أنكاثا.
وعموما، يمكن أن نقسم المواقف تجاه دعاوى الغلاة إلى ثلاثة أقسام:
1- قسم اكتفى أربابه بالتعويم والتعميم وإصدار بيانات الإدانة، متهيبين النزول إلى ساحة القضايا والمفاهيم.
2- قسم رام مقارعة الأدلة الجزئية بمثلها، فلم يعد أن تبنى منهجهم الاجتزائي، فرد بجزئي على جزئي وبظاهر على ظاهر، فلم يصنع شيئا..
3- قسم عدل عن هذا كله وزعم أن النصوص غير ملزمة، فسلم ضمنا بأن الإرهابي يعتمد على الدين الإسلامي.
وفي كل الحالات، يربح الإرهابي القضية على أساس أن أدلته لم تنقض، ومسيرته لم تعترض وهكذا يكون قد اختطف الدين لحسابه، وكأن الأمة على ضلالة سوى الفئة الضالة، المختارة على زعمهم.
لهذا، فإن منتدانا هذا حمل على كاهله الرسالة العلمية والعملية للسلام، لأنه:
- شرح أهمية السلام، وقيم السلام، وسيبين المنهج الصحيح في التعامل مع النصوص ليثبت لطلبة العلم وللنخبة المستنيرة كيف كان فهم هؤلاء خاطئا.
- وسيتنزل إلى المفاهيم ليشرحها حتى تتضح الحقائق الشرعية.
- سيبين العلاقة بين تعليمات الشرع والظروف الموضوعية، والربط العضوي بين المصالح جلبا والمفاسد درءا والتطبيق العملي، لنعلي من شأن السلم، وتوفير أسباب الحياة، ونحط من الافتخار بالحرب ونبعد أسباب الدمار والهلاك، لتكون النتيجة أن من يمارس القتال والتدمير والتكفير والتهجير ليس له سند صحيح من الإسلام، ولا يعتمد على منهج مستقيم من مناهج تفسير النصوص.
إن الرحمة مبدأ وأصل راجح على كل الجزئيات الظرفية، وأن الأمة لا يمكن أن ترضى هذا العبث، فالإسلام مبناه على الحكمة والعدل والرحمة والمصلحة، وأن أي علاج لأدواء الأمة لا يمكن أن يوصف إلا من صيدلية الإسلام، وأن أي حلول لمعضلاتها لا يمكن أن تخرج إلا من رحم هذا الدين بالأدلة البينات والحجج الواضحات.
تذكير:
لقد شرحنا في الورقة التأطيرية للملتقى الأول ضرورة السلام، وفريضة السلام، ونصوص السلام ومقاصد السلام، ومفاهيمه، وقيمه، ووسائله وآلياته، فأكدنا على أن السلام فريضة باعتباره مقصدا أعلى من مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن له أولية على الحقوق الثابتة أو المزعومة، المادية أو المعنوية، الفردية أو الجماعية، الدينية أو الدنيوية، لأنه لا ثبوت ولا ثبات لها إلا به، ففقدان السلم هو فقدان لكل الحقوق بما فيها الحق في الوجود.
 وأصلنا للسلم، وبينا كيف أسهم فيه الإسلام تاريخيا، وحشدنا لذلك عددا كبيرا من النصوص والأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ، وفقه الصحابة، وأقوال أئمة المسلمين، وبينا المفاهيم المعززة له وكيف أن اختلالها يحولها إلى الإخلال به، وكيف أن الفقه الإسلامي عني بفقه الصلح الذي ما هو إلا السلم حسا ومعنى.
وتطرقنا إلى معالجة مجموعة من المفاهيم التي كان نتاج فهمها الخاطئ ما نراه اليوم من تهارج وسفك للدماء وانفراط لعقد المجتمعات المسلمة وإن بدرجات متفاوتة.
 تحدثنا عن الجهاد، وعن التكفير، وعن الطاعة، وعن الولاء والبراء، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن الديمقراطية والحداثة، باعتبارها كلها اليوم محور التنازع والتجاذب بين مختلف أطياف ومكونات المجتمعات المسلمة، ولا يزال بعض هذا ماثلا في جدول أعمالنا اليوم.
ما هو جدول أعمال المنتدى؟
نقطة وحيدة هي الأساس لكل ما يمكن أن يقال، لا يزال عملنا مستمرا على التأصيل والتوصيل نحن نؤصل وبين أيدينا نصوص الوحي ومقاصد الشريعة.
ما أهدافنا؟
لم نرد لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة أن يكون تظاهرة إعلامية، أو حملة علاقات عامة، أو جمهرة خطابية، بل أردناه فضاء للعلماء والمفكرين، لمناقشة ظاهرة الخصومة الواصبة، والعداوة المستحكمة التي تشكلت في القطيعة القطعية، والنتيجة الشنيعة المتمثلـة في الاقتتال والاحتراب وتبرير ذلك بدعاوى دينية وآراء جنونية.
كانت أهدافنا من كل ذلك  -ولا تزال- إطفاء الحريق وإنقاذ الغريق، وإعادة بناء حصون السلم في النفوس، من خلال إعلان الحرب على الحرب، واليوم  هدفنا أن نضع خطابا مقابل خطاب أن نضع خطاب الشرع والعقل والحكمة ضد خطاب التحريف والعبثية، وأن نعيد الاعتبار للعقل والحكمة إذ هما بالتأكيد أساس الإسلام ومبادؤه وقيمه، وأن نقدم بديلا لخطاب الفناء وخطاب الغلو والعنف، خطاب نوقظ به الوسنان، وننبه به الغافل، ويفيق به المجنون فيؤوب إلى رشده، وقديما قيل:
      لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا
 **** وما عُلم الإنسان إلا ليعلما
أما ما نبحث عنه، فإننا قلنا ولا زلنا نقول: نبحث عن مسوغات العافية، بدل مبررات الفتن والحروب الجاهلية، نبحث عن إيقاف الحروب والاحتكام إلى العقل والشرع والمصالح والمرابح، وهو صفاء النفوس من داء العناد والاستكبار الذي يروج للفناء والانتحار.
ما وسائلنا؟، وما هي أسس منهجيتنا؟
سنتوقف مع كيفية قراءة النصوص والاستنباط، لأنها هي المعضلة، وهي الحل، فالمشكلة في عمقها مشكلة خطاب التجديد الذي من شأنه أن يهيئ أرضية السلام، ولك أن تسميه ما شئت، سمه تجديدا أو مراجعة، أو ثورة، أو إثارة، أو إحياء، فخلاصة الأمر كله أنه ينبغي تجديد صياغة الخطاب الديني بإعادته إلى أصوله، وإعادة تركيب المفاهيم الحقيقية الصحيحة لغة وعقلا ومصلحة، ، ومقاربة إعادة برمجة العقول وتوجيه الإرادة إلى البناء بدل الهدم، والإيجاد بدل العدم، ومقارعة الحجة بالحجة لتحرير العقل بالدين وتبرير الدين بالعقل، فلا تفاوت ولا تناقض. من خلال منهجية جديدة في صياغتها، قديمة في جذورها، خارجة من رحم الإسلام ومن رحم التراث، ومن جذور المعارف الإسلامية والإنسانية، وبإنتاج خطاب جديد في مضامينه الزمنية لكنه قديم في ثوابته الأزلية، يبني الأسباب الشرعية على الشروط الزمنية ويراعي الموانع البشرية.
كانت هذه هي الوسائل، أما أسس منهجيتنا فتقوم على تذليل جملة من العقبات، وإصلاح عدد من الأخلال التي تعترض تجديد الخطاب الإسلامي، وترسيخ مفاهيم السلم
 الخلل الأول: منهج الاجتزاء
ونعني بالاجتزاء صورتين:
 أولاهما، التعامل مع كل نص من كتاب أو سنة بمعزل عن غيره من النصوص التي قد يكون استحضارها ضرورة لفهم النص، أو تخصيص عمومه، أو تقييد إطلاقه، أو ترجيح معنى من معنيين كما هو معروف في الصناعة الأصولية، وذلك لا يتأتى للمجتزئ.
وفي كلام لأبي علي الفارسي نقله ابن هشام في المغني يقول: "الْقُرْآن كُله كالسورة الْوَاحِدَة وَلِهَذَا يذكر الشَّيْء فِي سُورَة، وَجَوَابه فِي سُورَة أُخْرَى نَحْو وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُون  وَجَوَابه مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُون ".
ومعنى ذلك أن نصوص الشريعة بمنزلة نص واحد في نظام الاستدلال والاستنباط، فمن لم يحط بها علما ولم يجمع أطرافها، لم يسعه أن يفقه معانيها.
ولذلك نجد أصحاب هذا المنهج يعمدون إلى التعمية على كل الأدلة الداعية إلى السلم، وإبراز نصوص ذات سياقات حربية بدعوى أن النصوص الدالة على السلم منسوخة، والأخرى محكمة فأعوزهم منهج الجمع السليم وضربوا النصوص بعضها ببعض، فيرفعــــون الحديث في مقابـل الكتــــــاب، ومثال ذلك تعللهم بحديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) ، فبمقتضى الفهم الجزئي لهذا الحديث، الفهمِ الذي لا يجمع النصوص ولا يخصص العموم، ولا يبحث في السياق، يشن الإرهابيون الحرب على العالم ويوجبون على كل مسلم امتشاق سيفه ليقاتل الناس.
بينما لو أعملنا المنهج الصحيح في التعامل مع النصوص طبقا للسياق والمساق ومقيدات الإطلاق نجد أن كل كلمة في هذا الحديث تحتمل التأويل، بل ويتعين تأويلها لتتفق مع نصوص أخرى وهي عملية ضرورية بدون اللجوء إليها إما أن نكذب النصوص، أو نحرفها، وهي نصوص في الدرجة الأولى. ومنها قوله تعالى: إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡء وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ  وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ٩٢ وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ  .
ثم من هؤلاء الناس الذين أمر عليه السلام بقتالهم؟.
  فالناس في الإطلاق اللغوي قد تعني الفرد الواحد، وقد تعني الجماعة، وقد تعني كل الناس  ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ  . أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ.   قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ مَلِكِ ٱلنَّاسِ  إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ  مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ  ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ  مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ . 
ولا شك أن هذه الآية ليست على عمومها، بل هي عام أريد به الخصوص، وذلك لوجود آيات تثبت حكم الجزية حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَد وَهُمۡ صَٰغِرُونَ، وأخرى تثبت حكم العهدوإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله".
وقد تنبه ابن العربي إلى أن القتال الذي لا ينقطع إلا بالإسلام مجرد أحد ثلاثة اختيارات أتاحها الشارع للمسلمين بحسب السياقات المختلفة، فقد أتاح لنا خيار الجزية، وخيار العهد بقوله: "وإن جنحوا للسلم.."، ثم يقول: "وهذا وإن كان خاصاً للنبي فإن الآية محكمة إلى أن تقوم الساعة إذا رأى الإِمام ذلك..." ، وفي جامع الطبري:" قال أبو جعفر: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة، فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل". والحق أن الخيارات التي أشار لها ابن العربي هي خيارات مصلحية ترجع إلى حال الزمان والمكان، فزمان لا معاهدات فيه ولا حرية للتدين، ولا حدود إلا بالسلاح للدفاع عن النفس قد يتعين فيه القتال، أما عندما يكون السلم متاحا فيتعين خيار العهد والسلام لأنه الأصل.
ثم من المأمور بقتال الناس؟.
 إنه الممثل للجماعة المسلمة، صاحبُ السلطة، إذ القتال تدبير سلطاني كما أشار إليه الجويني عندما يقول:"وَأَمَّا الْجِهَادُ فَمَوْكُولٌ إِلَى الْإِمَامِ،... وَهُوَ نَائِبٌ عَنْ كَافَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ". ففي كلام الجويني إشارة إلى خلل يعتري الخطاب الإسلامي المعاصر، حيث درجت جماعات وحركات على انتحال صفة الأمة والافتيات على ممثليها بدعوى حصول مخالفات شرعية منهم. وانتحال صفة الأمة من خصائص الفكر الخارجي على مر التاريخ فكما يقول ابن تيمية " وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا لِلْخَوَارِجِ تَمَيَّزُوا بِالْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ وَالدَّارِ وَسَمَّوْا دَارَهُمْ دَارَ الْهِجْرَةِ وَجَعَلُوا دَارَ الْمُسْلِمِينَ دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ... وَلَكِنَّ الْفَسَادَ الظَّاهِرَ كَانَ فِي الْخَوَارِجِ: مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَالْخُرُوجِ بِالسَّيْفِ؛ فَلِهَذَا جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِقِتَالِهِمْ وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَمِّهِمْ وَالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ "
 والحق أن إخلال الحاكم بواجباته لا يلزم منه نزع الشرعية عنه، وليس المراد بهذا أن نجامل ونعذر الحاكم ونبرر له أخطاءه، أو نبريه من مسؤوليته، ولكن التمييز بين جهات الخطاب ومن وكل إليه تحقيق المناط أحد أهم أسس المنهج الأصولي القويم كما بين القرافي في كتابه الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام وذكر تصرفات الإمام، فالمخاطب في قوله صلى الله عليه وسلم "أمرت" هو النبي بوصفه إماما، فلم يكن لغير نوابه من أولي الأمر أن يدخلوا في هذا الخطاب. فالقتال لرد العدوان الخارجي، ولقتال البغاة في الداخل إنما هو من خصائص الحكومات.
أما قوله عز وجل: "إنما أمرت..." فالمخاطب به النبي  بوصفه داعيا  فيرثه في هذا الخطاب كل المسلمين الدعاة من غير ذوي السلطان، فمن الخطل والخطأ إغفال الأمر العام للأمر الخاص، لأن نتيجة ذلك فوضى لا يقرها عقل ولا شرع.
أما الصورة الثانية من صور الاجتزاء، فهي الاكتفاء بالجزئي والإعراض عن الكلي، وعدم فهم التجاذب الدقيق بين الكلي والجزئي، فالشريعة ليست على وزان واحد، فلا هي مجموع الأدلة الجزئية، ولا هي مجرد كليات عائمة، أو قيم مجردة، وبالتـــــالي لا ينظر إلى الجزئي إلا من خلال الكلــــــي، كما لا قوام للكلي إلا بجزئياته.
إن النظر الكلي من شأنه أن يواجه الأزمات، كما فعل إمام الحرمين وهو ينظر لنظام الملك عندما كانت موارد الدولة تنضب، وبيت المال يصفر، فأصل للخروج عن مألوف النظر الجزئي بما كان عليه الصحابة، وهم يواجهون مستجدات القضايا، وبين أيديهم نصوص محدودة، وأحكام محصورة معدودة.
الخلل الثاني: فك الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع
وذلك أن الأحكام الشرعية معلقة بعد النزول على وجود مشخص، هو الوجود الخارجي المركب تركيب الكينونة البشرية في سعتها وضيقها، ورخائها وقترها، وضروراتها وحاجاتها، وتطور سيروراتها، فإطلاق الأحكام مقيد بقيودها، وعمومها مخصوص بخصائصها، ولذلك كان خطاب الوضع  - الذي هو الأسباب والشروط والموانع والرخص والعزائم- ناظما للعلاقة بين خطاب التكليف بأصنافه: طلبُ إيقاع، وطلبُ امتناع، وإباحة، وبين الواقع بسلاسته وإكراهاته.
وبعبارة أخرى، خطاب الوضع هو البيئة الأصولية لإنزال الحكم، وهو الذي يحوط خطاب التكليف ويكلأه، ولهذا كان خطاب الوضع بالمرصاد لخطاب التكليف، ليقيد إطلاقه، ويخصص عمومه، فقيام الأسباب لا يكفي دون انتفاء الموانع، ولن تُنتج صحة أو إجزاء دون توفر الشروط، سواء كانت للوجوب، أو شروط أداء أو صحة، فلا بد من تحقيق المناط للتدقيق في ثبوت التلازم طردا وعكسا، إذ العلاقة بين العلة والمعلولات الشرعية غير ثابتة التلازم إلا بمقدار، فاللزوم الشرعي ليس كاللزوم العقلي، وقد يبطل الأصل ويثبت الفرع، كثبوت الإرث دون ثبوت النسب ( وعدل يحلف معه ويرث ولا نسب).
ويفهم هذا المنهج القويم في الربط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع من حديث نعيم بن حماد الذي رواه الترمذي :( إنكم في زمان من ترك منكم عُشْرَ ما أمر به هلك، ثم يأتي زمانٌ من عمل منهم بِعُشْر ما أُمر به نجا) ، فتأويل هذا الحديث أن الذي نجا بعمل العشر لم يترك التسعة أعشار تقصيرا أو تفريطا، وإنما لعدم قيام أسبابها، أو لوجود موانعها، ولذلك عبر في الأول بالترك وفي الثاني بالعمل، فالأول هلك بتركه، والثاني نجا بعمله.
وعليه، لا يمكن إذا صحت النيات والعزائم أن يعتبر مطلق عدم تطبيق بعض الحدود الشرعية موجبا للتكفير، أو التبديع، أو التفسيق،
فجهل أصحاب الفكر المتطرف بهذه العلاقة الوطيدة بين صنفي الخطاب الشرعي جعلهم يطلقون الأحكام على عواهنها من غير مراعاة لوجود سبب، أو حصول مانع، أو توفر شرط، فمنهجهم الظاهري يقودهم إلى استباحة دماء المسلمين
الخلل الثالث: فك الارتباط بين الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد
وهذا أحد أهم مظاهر التخبط الذي أصاب الثقافة المأزومة في العالم الإسلامي، حيث أصبح جل المسلمين لا يقيمون لمنظومة المصالح والمفاسد أي اعتبار في تصوراتهم وسلوكاتهم ، وكأن الشريعة الإسلامي التي هي في أعلى مراتب المصلحة غدت عبثية، تدعو الإنسان إلى إهلاك نفسه وإتلاف ماله في غير طائل،  لقد ضمرت القيم الأربع التي عليها مبنى الشريعة برمتها، وهي الحكمة والعدل والرحمة والمصلحة، فصرنا نرى تصرفات في أقصى الطيش والظلم والشناعة والإفساد تنسب إلى الدين تمسكا بفهوم ظاهرية لنصوص الوحي من غير اعتبار لسياق ولا مآل، ولله در الشاطبي إذ استشعر هذا الخلل فقال : "الأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساو في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب، وما هو منها تحريم أو كراهة لا يعلم من النصوص، وإن علم منها بعض؛ فالأكثر منها غير معلوم. وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني، والنظر في المصالح، وفي أي مرتبة تقع، بالاستقراء المعنوي، ولم نستند فيه لمجرد الصيغة، وإلا يلزم في الأمر ألا يكون في الشريعة إلا على قسم واحد لا على أقسام متعددة. والنهي كذلك. بل نقول: كلام العرب على الإطلاق لا بدّ فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ، وإلّا .. صار ضحكة وهزأة! ألا ترى إلى قولهم: فلان أسد أو حمار، أو عظيم الرماد، أو جبان الكلب، وفلانة بعيدة مهوى القرط؟! فلو اعتبر اللفظ بمجرده؛ لم يكن له معنى معقول .. فما ظنك بكلام الله وكلام رسوله؟!".
إن شريعتنا ليست عبثية تدعو المكلفين إلى أفعال لا تحقق مقاصدها. بل هي حكمة كلها وعدل كلها ومصلحة كلها، الإسلام هو الرحمة التي هي صفة الله تعالى فهو الرحمن المتصف ذاتيا بالرحمة الأبدية السرمدية التي لا تحول ولا تزول الكاملة الشاملة وهو خاص به تعالى، وهو الرحيم بخلقه الراحم لهم بانواع الرحمات، ولأهمية الرحمة في الإسلام كانت البداية في الأفعال بالبسملة في اللقاء بالسلام وفي الأفعال والأقوال بالرحمة بها تفتح تلاوة القرآن والحديث وأنواع العبادات والعادات في الأكل والشرب والدخول والخروج من المنزل والركوب والنزول وإشعال المصباح وإطفائه.
ولما كان الإسلام هو الرحمة كان من صفات المفتي أن تكون له شفقة على أهل الملة وعلى البشرية جمعاء، بأن لا يلقي بالناس إلى التهلكة بحملهم على الأشق فالأشق وتعريض بيضتهم للاستئصال، بدعوى الاحتياط والورع والأخذ بالعزم في الدين فليس الاحتياط بأورع من التسهيل، بل مدار كليهما على الأدلة.    
والمتصفح لأقضية الخلفاء واجتهاداتهم في ما وقع في زمانهم من النوازل العامة والخاصة، يستيقن أنهم ما كانوا يرون الوقوف عند الظواهر وإهمال المعاني بل كثيرا ما أعرضوا عن ظاهر إعمالا لمصلحة أو درءا لمفسدة، وذلك كقتال الصديق لمانعي الزكاة واستخلافه لعمر، وتصرفات أمير المؤمنين عمر كثيرة وفق هذا المنهج القويم، من أمثلتها أخذه الصدقة بدلا من الجزية من نصارى العرب، تغلب وبهراء وتنوخ، وكذلك من يهود حمير ومجوس تميم، فقد رأى عمر أن المصلحة تقتضي جعل الجزية صدقة باعتبار طبيعة الثقافة العربية، ونظرا لمستقبل الإسلام، وفهم أن للاجتهاد مساق فسيح في المسألة رغم كون الجزية منصوصة بصريح العبارة في قوله تعالى: حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَد وَهُمۡ صَٰغِرُونَ.
لقد فهم عمر أن الخيارات مشرعة أمامه بما يمليه عليه ميزان المصالح والمفاسد واعتبار المآل (كما في مسألة الخراج)، فلم يجد في نفسه حرجا من العدول عن الظواهر، وإعمال المصالح.
والجزية من المفاهيم الملتبسة بسبب الخلل المنهجي في فهمها، إذ يقوم بعض حملة العلم ببناء هذا المفهوم من خلال مجرد النصوص الجزئية، مهملين كليات الشريعة ومهملين أثر الواقع والسياقات المختلفة في تأثيث المفهوم، والحق أن الجزية ليست إلا إجراء واحد من الإمكان المتاح في الشريعة: فبناء على النصوص الحاكمة نستقري أربعة عناوين تجمل التعامل مع الآخر المختلف ديانة.-باختصار شديد-
العنوان الأول: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يشهدوا أن لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " –حديث صحيح-،
والعنوان الثاني: قوله تعالى حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد -آية سورة التوبة-،
والعنوان الثالث: قوله تعالى{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا آية سورة الأنفال.
والعنوان الرابع: يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. –صحيفة المدينة- قال الشافعي رحمه الله تعالى: "لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية".
فالأول، وارد حسب المفسرين على مشركي العرب. –ونحن هنا نشير فقط ولا نفيض في الموضوع.
والثاني على الأمبراطورية الرومانية بالشام والفارسية الشرقية، المتشوفتين حيئنذ للقضاء على الدين الجديد.
والثالث، مبدأ عام وهو سلام مقابل سلام عند الوصول إلى معاهدة، تزكيِّه معاهدة الحديبية مع قريش. وقد ذكر أبو بكر بن العربي هذه الخيارات الثلاثة في كتابه "القبس" وجعل الأخير غير مقيد خلافاً لمن يقيده بالفترة الزمنية بل هو سلام بسلام.
ولكن العنوان الرابع هو: مواطنة تعاقدية يحكمها ميثاق أو دستور، تمثله: يهود بني عوف؛ أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. هذا الاقتباس من صحيفة المدينة-، أو وثيقة المدينة التي تؤسس لمجتمع متعدد الأعراق متضامن، يتمتع أفراده بنفس الحقوق، ويتحملون نفس الواجبات وهي واجبات محددة بدستور عادل، يؤكد على أنهم أمة واحدة.
إذا كانت العناوين الأولى الثلاثة استأثرت بالدراسة الفقهية واعتمدت على الممارسة التاريخية في واقع مختلف –زماناً ومكاناً وإنسانا- والجامع بين هذه العناوين أنها كانت نتيجة حرب وقتال. فإن العنوان الرابع الذي يؤكد وحدة الأمة في نطاق التعددية الدينية وحرية التدين لم يحظ ببحث كثير مع أهميته لأنه الأصل، ولأنه يتعلق بمجتمع متعدد الديانات بطبيعته أي أن كل فئة منه اختارت ديانة طواعية.
إن السياق الحضاري المعاصر يرشح هذه الوثيقة لتقدم للمسلمين النموذج الأصيل للمواطنة، إنه الوضع الملائم لحالة الأقليات في الديار الإسلامية، فالعقد الذي ينطبق عليهم هو عقد جديد بالنوع قديم بالجنس تحترم فيه الخصوصية وتتمتع فيه الأقلية بحرية ممارسة دينها، ويتضامنون في إدارة شئون دنياهم طبقا لواجبات وحقوق محددة بالدستوري العقلاني الذي يكفل التوازن والتعايش السعيد وسيادة حكم القانون وتسوية الاشكالات السياسية بالعدل والإنصاف.
وعندما نتحدث عن الحرية الدينية فلعلنا نشير إلى مسألة دور العبادة إبقاء وإنشاء طبقا للحاجات.  إن النبي  وخلفاءه لم يهدموا داراً لعبادة، فهذا الجانب مكفول وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار، وهذه هي الديانات الثلاثة المعروفة حينذاك في المجال الإسلامي.
 ولنا في تاريخنا نماذج وضاءة من التسامح، فالإمام الأوزاعي في القرن الثاني حمى المسيحيين في لبنان، والإمام زروق بالنسبة للأقلية اليهودية في المغرب التي تسببت في سقوط دولة المرينيين. والإمام العز بن عبد السلام حمى أقباط مصر في أيام الحروب الصليبية.
فعلينا اليوم أن نبادر بترسيخ ثقافة التعايش والميثاق الوطني الداخلي والخارجي، ميثاق داخلي وهو دستور البلاد الذي يمثل عقداً بين كل المواطنين. ميثاق عالمي، وهو، ميثاق الأمم المتحدة ولواحقه؛ كإعلان حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية. فالدستور الذي أشرنا إليه قبل وهو دستور عادل يمنع الحيف على الأقلية ولا يصادر حق الأكثرية في أن تعيش قيمتها على قاعدة "لا ضرر ولا ضرار". أصلها حديث حسن. ودستور له بُعد إنساني لا يعترض عليه الدين ويزكيه العقل وبُعد قيمي.
الخلل الرابع: إغفال السياق وأثره على مفهوم الجهاد
من أخلال الفكر المأزوم التي بإصلاحها يقع تجديد الخطاب الدين، إغفال هذا الفكر اعتبار السياق في تناوله للقضايا والمفاهيم، فينتج تصورات مبتوتة عن سياقاته الأصلية ويسقطها على سياقات مغايرة من غير تكييف ولا تحقيق مناط، فتنقلب المفاهيم إلى ضدها، وتختل مقاصدها. وسنرى نموذجا واضحا على هذا الخلل من خلال تناول مفهوم الجهاد، وقد كنا في ملتقانا الأول، تطرقنا إلى الجهاد باعتباره مفهوما من مفاهيم السلم التي تحولت إلى ضده وقررنا أن الجهاد ليس مرادفا للقتال، وأن الحرب في الإسلام منها نوعان، حرب بغي وفتنة وتوسع وحرب عادلة هي غضب لله أو دفع لبغاة، وكانت الخلاصة المهمة أن النوع الثاني هو الذي يصدق عليه معنى الجهاد، وبالتالي فهو تدبير سلطاني محض لا يجوز أن يتعاطاه الأفراد ولا حتى الجماعات إلا بإذن ولي الأمر.
والمنطلق هنا هو نفسه الذي انطلقنا منه في الملتقى الأول، وهو نصوص الجهاد الواردة في القرآن والسنة، ولكن من جهة الخلل الواقع في فهمها،  وذلك من خلال الحديث عن السياق وأثره في فهم النصوص، وذلك باعتبار أن أوامر الشرع لها سياقات لا يمكن أن تفهم خارجها، فإذا أخرجت عن سياقها اختل معناها.
 والجهاد باعتباره مفهوما شرعيا ورد في نصوص الشرع لا يخرج فهمه عن هذه القاعدة، أي قاعدة السياق، وللسياق في فهم نصوص الشريعة عنصرين لا يقوم إلا بهما، أولهما: سياق عام يتعلق ببيئة التنزيل، وسياق خاص تحكم فيه أسباب النزول.
فإذا ما عرضنا نصوص الأمر بالجهاد علىالعنصر الأول، أي: بيئة التنزيل، فإن ما يؤثر هنا هو ما كانت عليه الجزيرة العربية حيث لم تكن خاضعة لحكم مركزي ولا لنظام تعاقدي ، بل كانت كل قبيلة تتمتع بسلطة طبقا للأعراف والتقاليد الموروثة وتقوم العلاقات بين هذه القبائل على منطق الغلبة والقتال ، وقد ألفت كتب طوال في أيامهم وحروبهم ومنافراتهم التي لم تكن تتوقف قبل الإسلام وتشتعل نار الحرب على أتفه الأسباب كالسباق بين فرسين ودخول ناقة في محمية أمير،
وكان القوي يقهر الضعيف، وكلكم تعرفون قصة الزبيدي الذي غصبه العاصي بن وائل السهمي ماله، والتي كانت سبب حلف الفضول الذي أثنى عليه النبي  بقوله:"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت"،
ثم بإسلام بعض أهل المدينة وهجرة النبي  إليهم تكون أول مجتمع مني منظم من المسلمين وغيرهم، وجاء الإسلام مبشرا بعهد جديد من السلام والأمن كما في حديث عدي بن حاتم في البخاري وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أو أكثر ماتخاف على مطيتها السرق" فجعل عدي يقول في نفسه "وأين لصوص طيء"، من شدة استبعاده لحصول الأمن والسلم نظرا للوضع الأمني المتدهور في بيئة لم تكن تعرف المعاهدات ولا ثقافة الصلح.
 والحرية الدينية لم تكن متاحة، ومن غير دينه يوصف بأنه صابئ وصبأ بمعنى مال، ولذا تعرض المسلمون في مكة لكثير من التعذيب والاضطهاد لكي يرجعوا إلى عبادة الأوثان، وقتل بعضهم كما هو معروف في كتب السير.
هذه بعض ملامح البيئة العربية التي ارتبط بها الإذن بالجهاد بلغة السلاح، فيتضح أنه في أصله مشروع لأجل البحث عن السلم الدائم والرحمة وليس للقتل والإفساد، كما هي حال الذين يستخدمونه اليوم في غير محله وخلافا لأصله فيفسدن في الأرض فسادا كبيرا، لا يرضاه شرع ولا عقل.
وإذا ما توجهنا تلقاء السياق الخاص، أي أسباب النزول، وعرضنا عليها بكل موضوعية وتجرد الأمر بالجهاد، سنجد أن آيات الجهاد وأحاديثه، وآيات السيف التي ذهب بعض العلماء إلى أنها نسخت آيات الصبر، يرتبط كل منها بسياق خاص جدا. والقول بأنها ناسخة لآيات الصبر والموادعة والبر والتعامل بالتي هي أحسن مع المخالف في الدين، حكم ليس له دليل، ولا يلجأ إلى النسخ إلا عند ما لا يكون للجمع مساغ، ولذلك قال الزركشي (ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف من أنها منسوخة بآية السيف قول ضعيف، فهو من المُنْسأ بمعنى: أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما، لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر) .
إن العلاقة بين هذه الآيات ليست علاقة إلغاء مطلق بمطلق بل هي علاقة إنساء وإرجاء حيث يكون حكم الآية الأولى مؤجلا حتى يرد ما يناسبه من الظروف والخصوصية. وإنما يتمُّ تفعيل الآية المنسأة على ضوء فهم المجتهد لكليات الشريعة وميزان المصالح والمفاسد.  وقد قال الإمام الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير أن الأولى القول بأن قوله تعالى لا إكراه في الدين هو الذي ينسخ كل أحكام القتال الديني، وذلك لقوة هذا المعنى واطراده في القرآن الكريم، فحقيقة دعوة الإسلام أنها دعوة رحمة للبشرية دعوة إلى التوحيد ونبذ عبادة الأصنام ووسيلتها الوحيدة هي الموعظة والتذكير من خلال تلاوة القرآن، لم تنحرف الدعوة عن هذا المنهج، وإنما فرضت البيئة المعادية اللجوء إلى السلاح لحماية هذه الدعوة وتوفير البيئة السلمية لمن يقبل الدخول في السلم.
فلا بد أن نظل نصدع بهذه الحقيقة الواضحة إن الإسلام دين رحمة وسلام وليس دين حرب وخصام، ولنا على ذلك البينات الواضحات من النصوص المحكمة والقيم المؤسسة، وليست الحرب في الإسلام إلا استثناء، كما بينا من خلال السياق الذي ظهرت فيه الدعوة ونشا فيه الجهاد.
إن اعتبار السياق في موضوع الجهاد في القرآن الكريم يفضي بنا إلى نتيجة مهمة، وهي أن الجهاد المسلح إنما شرع ليحفظ السلم، ليردع عصابات الجزيرة العربية التي تروع الآمنين، وليكسر شوكة المعتدين الذين يحولون بين الناس ودعوة الإسلام أن تبلغهم، وبلغة العصر، فإن الإسلام سبق الأمم المتحدة في إنشائها قوات القبعات الزرق لحفظ السلام، فكانت الجيوش الإسلامية في خدمة إقرار السلم الدائم وحمايته.
الخلل الخامس: التصور التاريخي السطحي
 إن أصحاب الفكر المأزوم لا يفهمون أن حركة التاريخ مبنية على السنن الكونية، ومضبوطة بالقوانين الإلهية الواردة في القرآن نفسه، وتاريخ الإسلام كتاريخ كل الأمم يخضع لهذه القوانين التي خوطبت بها الأمة الإسلامية في تاريخها، فهو متردد بين فترات ظهور وبين فترات ضمور، بين فترات عنفوان وفترات شيخوخة، بين مراحل انتصارات ومراحل انكسارات، ولا يمكن أبدا التعامل مع مراحل التاريخ الإسلامي باجتزاء وانتقائية.
 أدبيات الحركات المتطرفة تشهد أنهم يعيشون في المتخيل التاريخي الزائف، الذي لا أساس له من الصحة التاريخية ولا من الواقعية، فهم يتخيلون تاريخا لا وجود له إلا في أذهانهم، ، فهم ينظرون إلى المجتمع الإسلامي بمثالية تلغي طبيعة الإنسان، وتجعلهم يتصورون أن هذا المجتمع لم يقع فيه ما ينغص صفو مثاليته من اختلالات وانكسارات، وكأن الدول الإمبراطورية لمجرد كونها امبراطوريات (الخلافة الأموية –العباسية –العثمانية وغيرها) صارت بذلك دولة مثالية،  فيعيشون على هذا الوهم فكلما تعمقنا في تاريخ الدول الإسلامية سنجد أن هذه المثالية تتلاشى لتترك المكان لتاريخ بشري معقد مزيج من النجاحات والإخفاقات، والنماذج المشرقة من البحث عن السلام والإيمان بجدوى المصالحات والعهود، وليس حربا مستمرة، ولا أن الإسلام قامت حضارته على المجد الحربي، وكأن مسارات التثاقف بين الأمم بالتبادلات التجارية والترجمات وغيرها من وسائل العلاقة السلمية لم توجد. 
إنهم لا يتصورون أنه يمكن للمسلم أن ينهزم لوجه الله تقليلا للمفاسد المترتبة عن التصلب في المواقف، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تشهد أنه رجع عن حصار الطائف بعد أن تضرر المسلمون من حصاره الطويل، فلم ير ذلك منقصة أو عيبا، وكذلك كان صلح الحديبية، فكل شعيرة تعظم بها الحرمات وتحقن بها الدماء هي مطلوبة شرعا مهما كانت تكاليف، إذ كما قررنا الحكم لميزان المصالح والمفاسد الحقيقية لا المتوهمة.
تراهم يكثرون من ذكر الجزية ووجوب فرضها على أهل الكتاب ويغفلون عن أن عبد الملك بن مروان والإسلام في أوجه قوته، كان يدفع للروم أموالا ليكفوا عن الثغور الإسلامية. ولا يميزون بين الدولة الوطنية والدولة الإمبراطورية وسياق كل واحدة مننهما إنهم يسحبون الشرعية من كل دولة إسلامية لا تدين لهم، ولا تؤمن بحلمهم بالدولة الأممية ودولة الخلافة،والدولة الإمبراطورية، على اعتبار أن الخلافة هي نظام الحكم الوحيد، وأن الدولة لا تكون إسلامية إلا بانضوائها تحت لواء الخليفة، ولو تعاملوا مع التاريخ بموضوعية وواقعية لعلموا أن أمور الحكم تدبير اجتهادي كما يقول إمام الحرمين لا يسري على نمط واحد في كل وقت، ولو تأملوا في أحداث التاريخ على الأقل القريب منهم لرأوا ماذا حدث لألمانيا حين قامت الدولة الألمانية في أواسط القرن الماضي على فكرة القومية والأممية، وحين قام الاتحاد السوفياتي السابق على مبدأ التوسع على حساب الجمهوريات الإسلامية من منطلق الفكر الثوري البرولياتاري، في سعيها إلى تحقيق حلم الأممية الاشتراكية والثورية، فماذا كان؟، دمرت ألمانيا وفتت، وانهار الاتحاد السوفياتي وتفرقت أجزاؤه، وصار الجميع من التاريخ الأسود في تاريخ البشرية.
إننا لا نريد أن نحاكم تاريخنا أو نشتمه أو نطعن في رمزيته في وعي الأمة المهزوز، أو نمنع حق التخيّل، وإنما نريد التأكيد على أن الفهم السطحي المثالي الزائف للتاريخ حيث المسلم المنتصر دايما بالحرب، وحيث لا اعتبار للمصالح والمفاسد وميزانها المركب، أن هذا التصور خلل عميق في منهج الخطاب الإسلامي المعاصر. فلا بد أن نصحح التصور عن أسباب نهضة الأمم، وأن لها سنن كونية مبناها على قيم الحكمة والمصلحة.
وفوق هذا، تظهر أزمة أخرى من أزمات هذا الفكر المأزوم، وهي انتحال صفة الأمة، فهم يعتبرون جماعتهم هي الأمة، يجعلون لأنفسهم حيزا من المكان، وينصبون لهم إماما، ويقاتلون ويقتلون الناس على مبايتعه والطاعة له، وهي نفس الخصال التي ذكرها عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا الانتحال يجعلهم لا يؤمنون بشيء اسمه الدولة القطرية، أو الدولة الوطنية، إذ لا يعترفون بحق المواطنة لغير المسلم في الدولة الإسلامية، رغم أن هذه المواطنة حق مكفول لغير المسلمين بمقتضى صحيفة وعقد ودستور المدينة المنورة، وبالتالي نراهم يزعجون الأقليات في المناطق التي سيطروا عليها، وهو إزعاج مناقض لنصوص الشريعة ومقاصدها.
كل ما سقناه يدل على أن المتطرفين، وتيار الفكر المأزوم لا يؤمن بالسنن الكونية وأثرها في بناء الأمم، والله تعالى يقول:"قد خلت من قبلكم سنن"، مع العلم أن معرفة هذه السنن فريضة شرعية، ومن خلالها يفهم التاريخ وتحلل أحداثه، وأن إهمال هذه السنن ينتج عنه قصر النظر وعدم تقدير العواقب والمآلات على الأمة الإسلامية.
وقبل إنهاء هذه الكلمة لا بد من  الإشارة إلى عامل من أهم عوامل التحريض على الفتنة هو: فشو التكفير،
التكفير وضرورة تجريمه:
إن التكفير هو إصدار حكم شرعي على شخص، أو جماعة بالكفر سواء كان أصليا أو حادثاً، وقد حذر منه سبحانه وتعالى فقال: وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا.
وفي الأحاديث الصحيحة النهي الشديد والوعيد لمن يرمي غيره بالكفر، فقد روى البخاري وأحمد: "من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله"، "وإذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". والأحاديث بمثل هذا المعنى كثيرة، وما ذلك إلا لما يستلزمه الكفر من النتائج الخطيرة التي من جملتها إباحة الدم، والمال، وفسخ عصمة الزوجية، وامتناع التوارث، وعدم الصلاة عليه، ومنع دفنه في مقابر المسلمين، وغيرهما من البلايا والرزايا نعوذ بالله منها.
هذا وقد اختلف العلماء في مسائل التكفير وتبادلت الطوائف تهمته بحق أو بغير حق، إلا أنه بسبب ما ورد فيه من الوعيد حذر أشد التحذير من التكفير جماعة من العلماء حتى قال الإمام السبكي: "ما دام الإنسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فتكفيره صعب".
وقد بالغ الإمام أبو حامد الغزالي حتى نفى الكفر عن كل الطوائف فقال: هؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد، والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين الى القبلة المصرحين بالتوحيد خطأ.
وفي جامع الفصوليين روى الطحاوي عن أصحابنا: "لا يخرج الرجل من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه، ثم ما تيقن أنه ردة يحكم بها، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها؛ إذا الإسلام الثابت لا يزول بالشك، مع أن الإسلام يعلو وينبغي للعالم إذا رُفع اليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام مع أنه يقضي بصحة الإسلام المكره".
وفي الفتاوى الصغرى:"الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدت رواية أنه لا يكفر".
وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه، فعلى المفتي أن يميل الى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم، زاد في البزازية: إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل، وفي التتارخانية: لا يكفر بالمحتمل؛ لأن الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية والاحتمال لا نهاية معه".
 وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في الفتاوى: "وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أن ليس كل من قال قولا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفاً للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع، لكن للناس نزاع في مسائل التكفير قد بسطت في غير هذا الموضع-والمقصود هنا- أن ليس لكل من الطوائف المنتسبين الى شيخ من الشيوخ أو لإمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم، بل في الصحيح عن النبي أنه قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما".
وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري عن النبي  قال: "إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة، لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقاً أدخل الله بها الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت ماله ودمه ولقي الله غداً فحاسبه".
فلا بد من التفكير في مشكلة التكفير، إن أهم قضية يجب أن يتداول حولها العلماء والمفكرون هي مسألة التكفير المتبادل؛ لأن التكفير هو مفتاح الشرور، لأنه مدخل استباحة الدماء والأموال والأعراض، وأي وطن ينتشر فيه داء التكفير فإن جسد وحدته سيتلاشى، وجدار بنيته سيتداعى وينهار.
الجسد والبنيان هما مثالان للمجتمع المتماسك في الإسلام:" مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبّك بين أصابعه.
وما ذكرناه من خطورة التكفير يجب أن ينعكس على الإفتاء بالكفر فإن العلماء نصوا على أن للحاكم أن يمنع من يتصدى للفتوى بغير علم قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم "المفتين" كما فعل بنو أمية وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس الى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟،
 فلأن يتصدى الحكام لمن يفتي بالكفر الذي يئول إلى الاعتداء على النفس أولى، ولهذا فإن الصيغة المعاصرة لهذا التصدي تكون من خلال سن قوانين تجريم التكفير باعتباره محرما شرعا كما في الأحاديث التي أشرنا إليها ولأنه يئول إلى إباحة إراقة الدماء.
وعندما نحذر من التكفير فإن هذا لا يعني أن غير المسلمين تستباح دماؤهم وممتلكاتهم؛ بل إنّ كل النفوس مصونة ولا يحق لأحد أن يعتدي عليها، وكلما ورد مما يفهم منه خلاف ذلك فهو متعلق بالرد على العدوان والإجرام ويستوي في ذلك المسلم وغير المسلم.
وأؤكد في النهاية على جملة من الاستنتاجات:
1- إن منظومة السلم فقها وقيما ومفاهيم لا تستهدف غمط الحقوق ولكنها تتغييى الوصول إليها بطرق أكثر سدادا ووسائل أقرب رشادا أقله أن الوقت الذي يضيع في المحاربة والمغالبة لو استعمل بشكل عقلاني في جو ادفع بالتي هي أحسن لأعطى نتائج باهرة ترضي كل الأطراف وقد تحظى برضا الله سبحانه وتعالى، لأنها صانت الدماء والأموال والأعراض وقللت الكراهية وألفت بين القلوب، ولهذا فإن الفرص التي يوفرها السلم على المستوى الفردي والجماعي والجمعي والوطن لا تعوضها فترات النزاع والصراع التي تأتي في الغالب بنتائج عكسية بمعنى أن المغالبة الحادة من أجل إصلاح وضع أو تغيير وضع فاسد تزيد الوضع فسادا، وقد تقود إلى ضياع كل الحقوق، وتعريض الأوطان للضياع والتقسيم، ليصبح السكان "الأحياء" بلا أوطان ويسود الخراب بدل العمران وتخسر الدنيا والآخرة نعوذ بالله من الخسران.
2- إن النزاعات ذات الطبيعة الدينية أو التي قد تستنجد بالدين ترجع إلى عوامل متعددة ومتغيرة قد تكون ثقافية أو سياسية أو اقتصادية وحتى في داخل الدين بين الطوائف المختلفة، وحتي بين الطائفة العقدية الواحدة بناء على اختلاف الحساسيات الفكرية والمواقف من التحديث.
3- أن الدين يمثل أحيانا وقودا لهذه النزاعات التي قد تكون في أصلها دنيوية وسياسية.
4- نموذج الصراع الدائم والمغالبة ليس مناسبا للمجتمعات الإسلامية وأنمقاربات أخرى أكثر إنسانية وأقلتكلفة بشرية ومجتمعية هي الأنسب.
5- علينا أن نعترف أن مجتمعا لا توجد لديه أرضية مشتركة تحوز قناعة جماعية في الحدود الدنيا للعيش المشترك لا يمكن أن يحتكم إلى الديمقراطية العددية دون الحبث عن مقاربات وتنازلات متبادلة تحوز رضى الجميع، وأن محاولة الإلغاء المتبادل تحت أية ذريعة معناها ومآلها إلغاء الوَطن كلّه وتعريض سكانه إلى البغضاء والشحناء ومن ثم إلى الدخول في حرب شعواء لا نهاية لها تفسد الدين والدنيا وفي ذلك من المفاسد ما لا يقبله شرع ولا عقل.
6- إن الوضع الكارثي لأمتنا ليس من المقبول ولا من المعقول أن يظل على حاله، لأن التوجهات التي يؤمها والمنزلقات التي نحدر إليها لا يعلمها إلا الذي يعلم الخبء في السموات والأرض.
7- إن ديننا كما تدل عليه النصوص والكثير من الممارسات التاريخية دين سلم ومحبة.
8- إن الحرب الأهلية غير مقبولة في الإسلام مهما كانت دوافعها وحوافزها سواء كانت دينية أو دنيوية،
9- إن ديننا وتراثنا يملك من أدوات حل الخلاف وتسوية الناع الكثير مما يستبعد اللجوء إلى الاحتراب والانشطار.
10- إن المنظومة الحوارية التي اشتمل عليها التراث للوصول إلى نوع من الرضى والتارضي من قبيل الحوار لإبرام "عقد الصلح" وما احيط به من الضمانات بالإضافة إلى توسيع مجالات توظيفة ليشمل كل ما يمكن أن يتصوَّر من ناع وخلاف بدءا من الخلاف العائلي إلى النزاعات الدولية، بمختلف الأدوات من تحكيم أو إبراء أو عفو، يمكن أن يتعتبر من أغنى المنظومات التشريعية والأخلاقية.
11- لو افترضنا حسن النيات ونبل الأهداف فإن التوسل إليه بالاحتراب ونشر البغضاء والشحناء ليس مقبولا. فإن الهدف النبيل يجب أن تكون وسيلته نبيلة، فلا يجوز التذرع بالوسائل السيئة للوصول إلى مقاصد حسنة، في اعتقاد المتذرع.
12- إننا لا نسعى لأن نكون مرجعية شمولية تفتي لكل بلد لتتجاوز المرجعيات الوطنية والشرعيات الحكومية لتنزع شرعية الحكومة الفلانية وبالتالي إنشاء كيان للفتوى أعلى عابر للدول القومية ونعتبر من يقوم بذلك سواء كان دولة أوحزبا أو تنظيما سيعرض الأأمة لخطر شديد حيث يباع الدين في السياسة حتى لا أقول في سوق     
لهذا يجب أن نفكر ونقرر طبقا لحساب المصالح والمفاسد الجمعية بطريقة التفكير خارج الصندوق، لتحيين فقه الوساطات والمصالحات والتنازلات والتحكيم وتفعيل قيم الحكمة والتسامح والمحبة لترتيب بيت الأمة ومن ثم نتقدم بأنموذج إصلاحي للعالم.
 وقد يكون من المناسب تقديم المقترحات التالية:
- التعاون الكامل مع الحكومات مع خطورة أن ينظر إلى ذلك بوصفه تدخلا وتماهٍ مع الحكومات.
- إنشاء وزارات للسلم والمصالحة
- تخصيص جزء من ميزانية كل دولة في العالم للسلم.
- تأصيل ثقافة السلم من خلال جمع النصوص الحاثة على السلم
- استنباط فقه السلم وقواعده ومقاصده
- إشاعة ثقافة السلم أخلاقه، آدابه، وأدبياته وسلوكه.
- توضيح مفاهيمه وقيمه وفوائده ومقاصده.
- إدراجه في المناهج التربوية باعتباره مادة تواصلية.
-  تشجيع أساليب الوساطات والتحكيم وتفعيل أدوات الصلح.
-تقديم دراسات مقارنة عن السلم في الإسلام وفلسفة الغربيين وبخاصة عند كانت وراسل.
- تشجيع الحوارات بين الشباب وبين العلماء.
- تنظيم محاضرات وندوات ومناقشات في الجماعات والنوادي الفكرية حول قضايا السلم.
- زيارات ميدانية لمناطق التوتر الطائفي أو الإيديولوجي.
- إنشاء منتدى لشباب السلم، يهيأ للمناشط السلمية وينشرها في صفوف شباب الأمة.
- إنشاء قناة للحكمة يتبرع لها أهل الخير تكون تابعة لمنتدى تعزيز السلم
- إصلاح منظومة الأفكار لوضع تصورات صحيحة شرعا وعقلا ومصلحة وحكمة، تجلب السلام والوئام.
من أجل أن نكون مع الجميع لتسهيل العيش المشترك والوصول إلى الصالح المشترك.

البيان الختامي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبي الرحمة وشفيع الأمة وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار؛ وبعد
فانطلاقا من قول الله عز وجل لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسنوتيه أجرا عظيما-النساء: 114.
ووفاء بوظيفة "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" التي اضطلع بها عند انعقاده للمرة الأولى العام الماضي؛ وهي "إعلان الحرب على الحرب لتكون النتيجة سلما على سلم"، بخلق تيار قوي ومتماسك في الأمة الإسلامية؛ يسعى إلى تأصيل فكر السلم على أسس شرعية متينة ومفاهيم محررة واضحة منسجمة، وإلى توصيله بكل الأساليب والوسائل التي يتيحها عصرنا إلى شرائح الأمة الإسلامية المختلفة.
ووعيا بأن ما حذر منه " المنتدى" في ملتقاه الأول من خطر انفجار جسد الأمة الإسلامية تزداد نذره بفعل تمدد الأزمات واتساع رقعتها؛ مما يشكل نزيفا حادا لم يقتصر على الإنسان والعمران بل امتد إلى الذاكرة التاريخية والإرث الحضاري الديني والثقافي، حتى أصبحت الألفاظ عاجزة عن تصوير المشهد العبثي المؤثث بالدماء والدمار والألم المادي والمعنوي.
واقتناعا من "المنتدى" بأن طول المسافة ووعورة الطريق وسوء الفهم، وغير ذلك مما يحول بينه وبين الوصول إلى الأهداف التي يطمح إلى تحقيقها، لا يجوز أن يكون مثبطا عن السعي واتخاذ الأسباب ؛ بل يقتضي منه ومن من كل غيور على المجتمعات المسلمة وحريص على السلم الدولي استحثاث الخطى في قلب ميزان الشر إلى خير وسلم ونماء.
واستبشارا بالصدى الطيب "للمنتدى" في الأوساط العلمية والفكرية داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها وفي عدد من المحافل الدولية؛ حيث أصبحت تتداول أفكاره ومصطلحاته، وتبحث المفاهيم التي فتح باب مراجعتها، ويناقش منهجه في فهم النصوص وتصور المفاهيم الشرعية وتنزيلها على الواقع المعاصر، ويستمع في المحافل الدولية -كمجلس الأمن ومنتدى دافوس - وفي وسائل الإعلام العالمية إلى تصوره لمفهوم السلم في الإسلام وللمقاربة الإسلامية لمكافحة التطرف العنيف، ويحتفى بالبيانات الصادرة عنه نصحا للأمة وتبيينا للموقف المنسجم مع شريعة الإسلام عقب عدد من  الأحداث  والظواهر التي طرأت بعد الملتقى الأول .
وتفاؤلا بالقدرة على تحويل كثير من توصيات واقتراحات الملتقى الأول "للمنتدى" إلى مبادرات عملية ومؤسسات فعلية؛ كإنشاء "مجلس حكماء المسلمين"، و"جائزة الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه للسلم"، والمساعي المتعددة للمصالحة في أفريقيا بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين إخوانهم المسيحيين، والدعوة إلى صيف بدون حروب في تورونتو (كندا)، وإصدار بيان " ما هذه بطريق الجنة"، وتنظيم ندوات مع شركاء من أديان مختلفة في خدمة السلم، وإبداع مشاريع لإدماج الشباب في توصيل قيم السلم ...وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره، وقد يحجبه غبار الفتن ودخان موقدي الحرائق.
وفي ظلال رعاية كريمة وعناية فائقة متواصلة من سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان؛ رعاية واكبت انعقاد الملتقى الأول وما تلاه من خطوات ومبادرات؛ وآلت على نفسها أن توفر لضيوف "المنتدى" فضاء فسيحا من التذاكر الحر لا تقيده إلا المسؤولية العلمية... وبدعوة من معالي الشيخ عبد الله بن بيه رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"
انعقد بفضل الله وحسن توفيقه؛ في شهر رجب الشهر الحرام الذي تحقن فيه الدماء (من 09 إلى 11 منه سنة 1436 هـ الموافق لـ 28 إلى 30 أبريل 2015 م) بأبو ظبي مدينة التعايش والتسامح  والأمان؛ الملتقى الثاني لــ"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، بمشاركة نحو 350 من علماء المسلمين ورجال الدين والمفكرين من 80 بلدا من أرجاء المعمورة  يتقدمهم الإمام الأكبر د أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، ويؤازرهم نخبة من الشباب المتمرسين بوسائط التواصل الاجتماعي (الهاكاثون)، مع حضور وازن وإسهام فعلي لنخبة من وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية من بلدان إسلامية مختلفة؛ ولممثلي عدد من الأقليات المسلمة والتجمعات الإسلامية في العالم ، كل ذلك في جو من التعاون والتآلف والحوار البناء المتحرر من الأفكار المسبقة، للبحث عن سبل تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة.
وبعد عكوف على تدارس موضوع السلم؛ تشخيصا لواقعه واستشرافا لآفاقه في خريطة المجتمعات المسلمة، وتأصيلا لمفاهيمه وقيمه وفقهه وقواعده ووسائله، وتحليلا لعبره في تجربة الأمة الإسلامية قديما وحديثا، وابتكارا لسبل ووسائل الدعوة إليه وبثه في عقول الناس ووجدانهم، أصدر المشاركون في "المنتدى":
بيان أبو ظبي للسلم 2015
09 رجب 1436 هـ/ 30 أبريل 2015م
إن المتأمل في حالة كثير من المجتمعات المسلمة يروعه المشهد اليومي المؤثث بالدماء والأشلاء والدمار والألم المادي والمعنوي. وهذه البشاعة التي تعجز الألفاظ عن تصوير ما تختزنه من عنف عبثي لا تفوقها إلا بشاعة ارتكابها باسم الإسلام؛ افتراء على الرحمن الرحيم وعلى رسوله المبعوث رحمة للعالمين عليه الصلاة والسلام، وعلى أكثر من مليار من المسلمين وصم دينهم، وشوهت سمعتهم، واستهدفهم الاشمئزاز والكراهية. 
ولا تعدم الأطراف المتورطة في هذه البشاعة ذرائع جاهزة لتبريرها سواء كانت طائفية أو إيديولوجية أو اجتماعية أو سياسية. كما يحلو لغالبية المسلمين أن يعزوا هذه الفتنة إلى مؤامرات خارجية؛ وكأن وجاهة شيء مما ذكر ينتهض مسوغا لحفلة القتل التي يتكاثر مرتادوها شبابا وشيبا افتئاتا على الدين والأمة والعقل والإنسانية. 
وقد تبين لـ"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" بعد أكثر من عام على انعقاد ملتقاه الأول وتبشيره بالسلم والدعوة إليه نظريا وعمليا؛ أن القضايا التي شغلته ما زالت غيرَ مُستوعَبةٍ، والقيم التي دافع عنها غير مُتَمَثَّلةٍ، والنصوص الشرعية التي سردها غير ممتَثَلة. كما لاحظ فشل معظم الخطاب المتصدي لشرعنة القتل باسم الدين؛ لأنه يكتفي بالتنديد على شاكلة العموميات الصحفية، أو بالردود الجزئية، أو يستبعد النصوص والمفاهيم الشرعية من معالجة الداء فيسلم ضمنا بأن الإرهابي يعتمد على الشرع، ويُحدث خلطا بين الدين الموحى به والتدين الأعمى.
وانطلاقا من الاعتقاد الراسخ لـ"المنتدى" بأن حلول معضلات الأمة الإسلامية لا يمكن أن تخرج إلا من دينها الذي ارتضاه الله لها بالأدلة البينات والحجج الواضحات؛ فإنه يرى أن كيفية قراءة النصوص الشرعية والاستنباط منها هي المعضلة، وهي الحل؛ فالمشكلة في عمقها مشكلة خطاب التجديد الذي من شأنه أن يهيئ أرضية السلم في المجتمعات المسلمة دون تجاهل الأبعاد غير الفكرية للأزمة.
إنه لا مفر ولا بديل عن تجديد صياغة الخطاب الديني بإعادته إلى أصوله، وإعادة تركيب المفاهيم الحقيقية الصحيحة لغة وعقلا ومصلحة، ومقاربة إعادة برمجة العقول وتوجيه الإرادة إلى البناء بدل الهدم، والإيجاد بدل العدم، ومقارعة الحجة بالحجة لتحرير العقل بالدين وتبرير الدين بالعقل، فلا تفاوت ولا تناقض؛من خلال منهجية جديدة في صياغتها، قديمة في جذورها، خارجة من رحم الإسلام وتراثه، ومن جذور المعارف الإسلامية والإنسانية، وبإنتاج خطاب جديد في مضامينه الزمنية، قديم في ثوابته الأزلية، يبني الأسباب الشرعية على الشروط الزمنية ويراعي الموانع البشرية. إنها فرصة المجتمعات المسلمة لتكتشف مجددا وفي قلب معاناتها ومآسيها منهجا أصيلا حجبته التحولات العميقة فيها وفيما حولها في القرون الأخيرة مع ضعف الاستجابة الحضارية عندها.
إن هذه المنهجية الجديدة  في تأصيل البنى المفاهيمية الشرعية هي وحدها الكفيلة بالكشف عن الأخلال والمغالطات التي يحملها فكر المتطرف والإرهابيين كاجتزاء النصوص، والإعراض عن الكليات في تصور مفاهيم دقيقة عظيمة الأثر في استقرار المجتمعات المسلمة، وفك الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع وبين الأول منهما ومنظومة المصالح والمفاسد، وإغفال سياقات التنزيل عامةً وخاصةً، والغفلة عن سنن الله عز وجل في الاجتماع والتاريخ البشريين بإضفاء الكمال على تجربة الأمة الإسلامية، والتماهي مع هذا التمثل بانتحال صفة الأمة المطهرة التي لا تكتمل مشروعيتها إلا بمفارقة جماعة المسلمين، ونصب إمام بوسائل القتل والسلب والنهب .
إن تلكم المنهجية هي التي تدلنا على أن السلم فريضة في ديننا باعتباره مقصدا أعلى من مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن له أولية على الحقوق الثابتة أو المزعومة، المادية أو المعنوية، الفردية أو الجماعية، الدينية أو الدنيوية، لأنه لا ثبوت ولا ثبات لها إلا به، ففقدان السلم هو فقدان لكل الحقوق بما فيها الحق في الوجود، وهي الكفيلة بمصالحة المسلمين مع ذواتهم ومع غيرهم ليشاركوا البشرية ما وصلت إليه من قيم هي في حقيقتها تجسيد لما سبق في علم الله من قابلية بني آدم للخير والنبل وما أودع في فطرتهم من بحث عن المحبة والتعارف والسلم، وهي التي عليها المعول في التخلص من  مفارقة عبثية: تشوف عقلاء البشر إلى السلم واستماتتهم من أجل تحقيقه برغم كثرة العوائق والإكراهات في مقابل انتكاص فكر الأمة  ليفسح المجال للعنف الدموي المتدثر بلباس التقوى والطهرانية.
إن تلكم المنهجية هي التي جعلت "صحيفة المدينة" الأصل في التجربة التاريخية للمجتمعات المسلمة وغيرها من أشكال العلاقات استثناء محكوما بظروف عابرة، وإن السياق الحضاري المعاصر يرشح هذه "الصحيفة" لتقدم للمسلمين النموذج الأصيل للمواطنة، إنه الوضع الملائم لحالة الأقليات في الديار الإسلامية، فالعقد الذي ينطبق عليهم هو عقد جديد بالنوع قديم بالجنس؛ تحترم فيه الخصوصية، وتتمتع فيه الأقلية بحرية كاملة، ويتضامنون في إدارة شؤون دنياهم طبقا لواجبات وحقوق محددة بالدستوري العقلاني الذي يكفل التوازن والتعايش السعيد وسيادة حكم القانون وتسوية الاشكالات السياسية بالعدل والإنصاف.
وقد آن الأوان لكي يتصالح المسلمون مع دولتهم الوطنية باعتبارها شكلا من أشكال نظم الحكم الذي لا يخضع إلا لقواعد المصالح والمفاسد والترجيحات والموازنات، وعلاقة تعاقدية لا تفقد مشروعيتها بمجرد الأخطاء؛ ولا تعفي إخفاقاتها من واجب الحوار البناء والنصح الحكيم بين المتعاقدين؛ حتى يتمحض جهد الجميع لبناء القدرات والإمكانات، وسد الثغرات، والتعاون على البر والتقوى، والتطلع إلى الريادة، واستعادة موقع الأمة التي أخرجت للناس رحمة بهم ونصحا لهم.
وإن "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" يؤكد عزمه على مواصلة حمل رسالته العلمية والعملية. فأما رسالته العلمية فببيان قيمة السلم ومحوريته في دين الإسلام وتأصيل المنهج الصحيح في التعامل مع النصوص والمفاهيم الشرعية، والربط العضوي بين تعليمات الشرع والظروف الموضوعية، وبين المصالح جلبا والمفاسد درءا والتطبيق العملي، لنعلي من شأن السلم، وتوفير أسباب الحياة، ونحط من الافتخار بالحرب ونبعد أسباب الدمار والهلاك، لتكون النتيجة أن من يمارس القتال والتدمير والتكفير والتهجير ليس له سند صحيح من الإسلام، ولا يعتمد على منهج مستقيم من مناهج تفسير النصوص.
وأما رسالته العملية فبالمزيد من الانخراط في العمل الميداني والمبادرات الإصلاحية وتأسيس الهيئات والمنابر الكفيلة بإضاءة الشموع بدل لعن الظلام. ذلك فالغاية هي أن تنبت شجرة السلم، والتي تحتاج وقتا لتقوم على سوقها؛ وليس المهم من يستثمر أو من يستظل، ولكن المهم هو إنجاز المهمة التاريخية. (وقل اعملوا فسيرى عملكم ورسوله والمؤمنون-التوبة 105).
القرارات والتوصيات
القرارات:
-  اتخاذ التدابير اللازمة لتحويل " منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" إلى مؤسسة لها قانون منظم وهياكل إدارية وعلمية.
- إنشاء موسوعة السلم في الإسلام باعتبارها أول موسوعة في تاريخ الإسلام شاملة لفقه السلم وقواعده وقيمه ووسائله وفق منهجية "المنتدى" في التعامل مع النصوص الشرعية.
- تنظيم ندوة حول تجريم التكفير في خريف السنة الميلادية الجارية.
- عقد دورات علمية لترسيخ فقه السلم في أنحاء مختلفة من العالم.
التوصيات:
- متابعة الرسالة العلمية للمنتدى في تأصيل منهجية التعامل مع النصوص الشرعية وإحياء فقه السلم وقواعده وقيمه
- تأسيس "منتدى شباب تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"
- تكوين فرق من شباب السلم ينشرون فكر "المنتدى" ويحاورون به نظراءهم في العالم.
- انتداب ممثلين عن " المنتدى " للقيام بزيارات ميدانية لمناطق التوتر الطائفي أو الإيديولوجي.
- إنشاء قناة يتبرع لها أهل الخير تكون تابعة "للمنتدى"؛ ويقترح لها اسم "قناة الحكمة".
- إصدار مجلة تعبر عن فكر "المنتدى" وتنشر بحوثا محكمة تأصيلية وفكرية وميدانية.
 - جمع ما ألفه دعاة التطرف والإرهاب قصد تصنيف وتحليل ونقد الأسس الفكرية والتبريرات المغلفة بلبوس الشرعية الدينية.
- قيام الجامعات ومعاهد البحث بجمع وتحقيق نصوص المعاهدات الدولية في تاريخ المسلمين ودراستها من منظور التخصصات العلمية المختلفة.
- تخصيص منح دراسية للبحث في الآليات الاجتماعية والتشريعية والقانونية التي تضمن التقدم في تعزيز فرص السلم في المجتمعات المسلمة وعدم النكوص عن المكتسبات.
- القيام بدراسات مقارنة عن السلم في الإسلام وفلسفة الغربيين.
- إدراج مادة عن قيم السلم في المناهج التربوية في المجتمعات المسلمة باعتبارها مادة تواصلية.
- تشجيع أساليب الوساطات والتحكيم وتفعيل أدوات الصلح، وإنشاء هيئات وأجهزة ووزارات للمصالحة والسلم في الدول التي فيها نزاعات (نموذج دولة وسط أفريقيا)
- تخصيص جزء من ميزانية كل دولة في العالم للسلم.
- تكريس جزء من ميزانية الحروب للسلم وتعزيزه.
- فتح حوار جاد وصريح مع كل الأطراف للقضاء على بؤر التوتر وإزالة المظالم من أي نوع لإرساء سلام دائم ومستدام في العالم.
- دعوة الدول الإسلامية إلى سن قوانين تجرم التكفير غير المبرر والصادر من غير أهله؛ باعتباره محرما كما تنطق بذلك نصوص الشرع الصريحة ولأنه يفضي إلى إباحة إراقة الدماء وقتل الأبرياء.
- التعجيل بخطط للعمل الميداني تفتح أوراشا كبرى في المجتمعات المسلمة؛ ومنها:
* أوراش التحصين الاجتماعي
* أوراش الإنتاج المضموني الداحض لمضامين فكر العنف والتطرف.
* أوراش تقريب العلوم الشرعية لغير المتخصصين، والتكوين في فقه السلم للعلماء الشباب والخطباء والوعاظ.
- تشجيع الحوارات بين الشباب وبين العلماء حول المفاهيم المتوسل بها للتشكيك في قيم السلم وقواعده.
-  توعية الأسر المسلمة – وخاصة فيى المجتمعات غير المسلمة-بأهمية التنشئة على قيم السلم فيى العلاقات الأسرية؛ لضمان استقرارها وعدم انجذاب الشباب قليلي الخبرة والعلم إلى دعاوى الفتنة بسبب غياب الانسجام الأسري.
- تفعيل دور المرأة المسلمة في خدمة السلم على مستوى الأسرة والمجتمع خاصة وفي مختلف ميادين الحياة.
- تخصيص الموارد المالية الكافية والتكوين اللازم لانخراط الشباب في استثمار وسائط التواصل الاجتماعي لتعزيز فقه السلم، واعتماد أسلوب "التثقيف بالنظير" لنجاعته وفعاليته في تحصين الشباب من آفات الفكر والسلوك.
- التنويه بكل الجهود التي بذلت وتبذل في العالم الإسلامي للاقتصار على -الحوار وسيلة وحيدة وخيارا لا بديل عنه في تسوية النزاعات وحل المشاكل والمطالبة بالحقوق في غير حالات رد العدوان والدفاع الشرعي.
- تشجيع كل المبادرات المشتركة للتعارف والتآلف والتعاون على الخير بين المسلمين وإخوانهم في الإنسانية.
- تثمين كل الجهود التي تبذل لرفع الحيف عن الأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي ما دامت ملتزمة بالإنصاف والموضوعية.
- تكثيف أشكال دعم المجتمعات المسلمة في الغرب والأقليات المسلمة عموما وخاصة من الناحية التعليمية والتربوية لتنجو من مزالق التطرف والعنف والصدام مع مختلف مكونات المجتمع، وتنخرط في تنمية أوطانها بما يضمن التعايش للجميع وتصحيح صورة ديننا الحنيف وصورة أتباعه في الغرب.
- دعوة الدول والمنظمات الدولية إلى تفعيل قرارات الأمم المتحدة وعلى رأسها القرار رقم 65\224 بتاريخ ( 11-أبريل-2011م)  الخاص بتجريم ازدراء الأديان ، ويدعو وسائل الإعلام العالمية إلى ميثاق يحمي كل الأديان من التهجم والسخرية ، كما يدعو  المسلمين إلى تجنب ردود الأفعال العنيفة التي تزيد الطين بلة وتضيف مشاكل جديدة إلى مشاكلهم المستعصية.
- الإشادة بجهود دولة الإمارات العربية المتحدة في رعاية المنتديات والهيئات التنفيذية والثقافية العاملة في سبيل تعزيز السلم، وبتخصيصها جوائز عالمية لتشجيع أشكال الإبداع الذي يخدم قضية السلم في العالم والتنويه بمبادرتها غير المسبوقة وفي ظروف عصيبة من حاضر الأمة إلى توفير فضاء حر محتضن للعلماء والمفكرين ينهضون فيه برسالتهم ويؤدون أمانتهم في الدعوة إلى السلم وإصلاح ذات البين في مجتمعاتهم، وفي العالم أجمع.
وفي الختام يتوجه المشاركون في منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بجزيل الشكر والامتنان لسمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان على رعايته النبيلة للمنتدى ودعمه المتواصل له وإيمانه برسالته وقيمه، ويضرعون إلى العلي القدير أن يحفظ رئيس الدولة سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ويبارك في صحته وعطائه، وأن يوفق نائبه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وولي عهده سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لكل خير ونفع، وأن يتغمد بواسع رحمته الشيخ زايد ويجعل ثمار هذا المنتدى في صحائف أعماله وسجلات أفضاله، وأن يحفظ للإمارات العربية المتحدة نعمة الأمن والاستقرار والتآلف والتعارف.
 كما يتوجهون بالشكر والامتنان لمعالي الشيخ عبد الله بن بيه على دعوتهم "للمنتدى" وينوهون بما يبذله من جهود علمية تأصيلية الجذور تجديدية المنزع لبيان منهج أهل الرسوخ في فهم النصوص وتنزيلها على الواقع، ومن جهود عملية لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة. 
والشكر والامتنان مستحقان لكل من أسهم في الملتقى الثاني لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بحضور أو بحث أو كلمة طيبة أو مساعدة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
                                                                                                                                                                                لجنة البيان الختامي للمنتدى