الرئيسية

الملتقيات

 
حلف الفضول: فرصة للسلم العالمي - الملتقى الخامس

2018
حلف الفضول: فرصة للسلم العالمي - الملتقى الخامس

  • البيان الختامي
السلم العالمي والخوف من الإسلام - الملتقى الرابع

2017
السلم العالمي والخوف من الإسلام - الملتقى الرابع

  • بسم الله الرحمن الرحيم
    تثير العمليات الإرهابية الشنيعة التي ترتكب باسم الإسلام وخاصة منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001م جدلا كبيرا في العالم الإسلامي وفي الغرب على حد سواء. وإذا كانت الأغلبية الساحقة من المسلمين تبرِّؤ دينها وتتبرأ من هذه الظاهرة؛ بل وإذا كانت مواقف وتصريحات معظم الساسة وكثير من المفكرين ورجال الدين الغربيين المرموقين تنصف الإسلام والمسلمين؛ فإن ربط الإرهاب والقتل بتعاليم الإسلام نفسه وشريعته، واعتبار قيم الحياة الاجتماعية الإسلامية غير قابلة للتواؤم والتعايش مع غير المسلمين من الأفكار التي تلاقي رواجا متزايدا في المجتمعات الغربية وينظّر لها مفكرون وخبراء استراتيجيون وفاعلون سياسيون ومؤسسات إعلامية وفنانون...   
    وتكمن خطورة هذا الموقف في أنه يؤدي إلى حلقة مفرغة؛ فاتساع دائرة الخوف والتخويف من الإسلام والمسلمين في المجتمعات الغربية يدفع على مستوى العلاقات الدولية كما على مستوى العلاقة بالأقليات المسلمة إلى اتخاذ مواقف وانتهاج سياسات خارجية أو داخلية تضعف الثقة بين الطرفين وتشجع انتشار الخطاب المعادي للغرب في المجتمعات المسلمة على أساس المفاصلة الدينية التي تتغذى أيضا من ذاكرة الإرث الاستعماري الغربي ...وقد بات واضحا أن الموقف السلبي التحريضي ضد الإسلام نفسه وضد قيم المسلمين وثقافتهم يشكل اليوم في المجتمعات الغربية -وخاصة تلك التي للمسلمين فيها وجود ملحوظ- ورقة انتخابية ناجحة بل واستثمارا تجاريا مربحا أحيانا. فبرغم كون المسلمين في الغرب يعيشون في دول لا تفرقة فيها -نظريا وقانونيا- على أساس الدين أو العرق، والناس فيها متساوون في المواطنة وفي قرينة البراءة؛ إلا أنهم أصبحوا مضطرين إلى المجاهرة كل مرة بتبرئة دينهم ومجتمعهم من تهمة الدعوة إلى التطرف والعنف والإرهاب؛ كما لو كانت تصرفات فئة شاذة جمعت بين الضلال والإجرام تلزمهم جميعا.
    فهل يشكل الإسلام باعتباره دينا تهديدا حقيقيا للسلم في المجتمعات الغربية وفي علاقة المسلمين مع المجتمع الدولي عموما؟ وهل يسوغ علميا وأخلاقيا اعتبار تصرفات مجموعات إجرامية هامشية ليست لها أي شرعية ممثلة لأكثر من مليار من المسلمين؟ أليس "السلام" عند المسلمين اسما من أسماء الله الحسنى، وتحيتهم اليومية تحية سلام، وإيمانهم لا يتزعزع بكون رسولهم -عليه الصلاة والسلام- جاء رحمة للعالمين؟
    إن الإسهام في كسر هذه الحلقة المفرغة من الارتياب والتوجس والخوف المتبادل، الحاضنة لمشاعر الكراهية والعنصرية والإقصاء، والمؤججة لأشكال محتملة من الفتن والصراعات المهددة للسلم الاجتماعي والدولي... بات إحدى الأولويات التي تحظى باهتمامات "منتدى تعزيز السلم". وبناء على ذلك اختار "المنتدى" تخصيص ملتقاه السنوي الرابع (منتدى 2017م) لموضوع "السلم العالمي والخوف من الإسلام".
    وسيتدارس العلماء والمفكرون والباحثون والفاعلون السياسيون والإعلاميون وغيرهم من المعنيين بالموضوع بأبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة من 05 إلى 07 ديسمبر2017م -بحول الله- المحاور التالية:
    المحور الأول: الدين والهوية والسلم العالمي:
    يتضمن هذا المحور موضوعين اثنين هما: 
    1- البيئة الدولية للسلم العالمي.
    2- البيئة الإقليمية للسلم العالمي.
    ويسعى هذا المحور إلى الرصد والتحليل الإجمالي للعوامل التي تشكل تهديدا محتملا للسلم على المستويات الإقليمية أو الدولية؛ سواء كانت هذه العوامل عائدة إلى الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو عائدة إلى الأفكار والثقافات وتمثُّل المعتقدات. 
    وعلى رأس النوع الأول من العوامل وجود أسلحة دمار شامل في إطار نظام عالمي قائم على توازن الرعب مع غياب الضمانات الكافية لعدم استعمالها؛ وخروج بعضها عن مراقبة الدول وسلطتها. كما تتضمن هذه العوامل التنازع على السيادة في بعض المناطق أو على الثروات الطبيعية والمياه، والمطالب الانفصالية، والجريمة المنظمة، والمجاعات، والهجرات الجماعية غير المقننة، دون أن ننسى مخاطر التلوث البيئي على المستوى العالمي....
    وفيما يرجع إلى النوع الثاني من العوامل تشكل بعض النزعات الفكرية المتمركزة حول الذات المؤمنة بضرورة "صدام الحضارات" و"نهاية التاريخ"، والهويات المتشنجة، والنزعات العنصرية، والتطرف الديني أيا كان مصدره ... خطرا على السلم الاجتماعي والدولي بدءا بالإقصاء والتهميش في حق الأقليات الإثنية أو الدينية إلى التطهير العرقي والديني والإرهاب العابر للقارات وصولا إلى شن الحروب الاستباقية على أعداء محتملين باعتبارهم مختلفين في رؤيتهم للعالم والقيم ونمط العيش.
    وتتكفل ورشتان من هذا المحور بتعميق النظر في هذا النوع الأخير من العوامل مركزة على دراسة طبيعة علاقة الأديان عموما والإسلام خصوصا بظاهرة العنف. فقد أصبحت فكرة وجود أسس دينية للعنف شائعة في الأوساط العلمية والسياسية بسبب ما يقع اليوم في العالم من أحداث مأساوية.  لكن شيوع هذا الفكرة لا ينبغي أن يحجب عنا أسئلة تعنى بما وراء المظاهر: هل الأديان التي جاءت لتزكية الإنسان ليعيش مع غيره ومع الكون كله في سلام تدعو إلى العنف؟ وهل يجوز أن نتعامل مع النصوص الدينية التي لا تنسجم في ظاهرها مع قيم السلم بطريقة تعزلها عن سياقاتها العامة والخاصة؟ وهل ما يقع اليوم باسم الأديان هو بسبب الأديان نفسها أم بسبب استغلالها وتوظيفها لمآرب دنيوية آثمة؟ ...
    وبالنظر إلى المظاهر المتجددة والنتائج المؤلمة لصراع الهويات تطرح ورشة ثالثة من هذا المحور للنقاش طبيعة العلاقة بين الهويات والعنف؛ من خلال استنطاق مفهوم الهوية نفسه، وتحليل إمكان تداخل وتلاقح الهويات، وشروط استثمارها لتعزيز قيم العيش المشترك.
    وبذلك تكتمل ورشات هذا المحور الثلاث:
    أ- الدين والعنف.
    ب- الهويات والسلم العالمي.
    ج- الإسلام ومقتضيات السلم العالمي.
    المحور الثاني- الخوف من الإسلام: الأسباب والسياقات:
    يتضمن هذا المحور موضوعين اثنين هما: 
    1- الخوف من الإسلام من منظور غربي.
    2- الخوف من الإسلام من منظور المسلمين في الغرب.
    ويستمد هذا المحور مشروعيته العلمية والعملية من كون خطاب الكراهية يمكن أن يشكل تهديدا حقيقيا للسلم الاجتماعي والدولي خاصة في عالم يعرف أزمات عميقة الأثر على المجتمعات كأزمات الهوية والأزمة الاقتصادية العالمية الخانقة. ويتيح الموضوعان الرئيسيان للمحور فرصة التعرف على زاويتي نظر لظاهرة الخوف المبالغ فيه من الإسلام أو ما يسمى اليوم "الإسلاموفوبيا". وتتوارد زاويتا النظر هاتان على الإجابة عن مجموعة من الأسئلة سعيا إلى مقاربة شاملة ومتوازنة لفهم الظاهرة: ما المقصود بـ"الإسلاموفوبيا"؟ وما دواعي استحداث المصطلح؟ ولماذا التمييز بين "إسلاموفوبيا" كانت قائمة وأخرى جديدة؟ وما هيى أسباب الظاهرة تاريخيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا؟ وما نصيب المسلمين أنفسهم في تعاظم هذه الظاهرة؟ وما هي منطلقاتها الفكرية والإيديولوجية؟ وما هي الآليات الإعلامية والرمزية والتواصلية التي تستعين بها لبث خطابها؟  وما هي آثارها الواقعة والمتوقعة على علاقة الغرب بالإسلام والمسلمين؟ 
    إن الحاجة إلى هذه المقاربة لا تتعلق بالمسلمين وحدهم بل هي مقتضى الوعي بخطورة ما تتضمنه هذه الظاهرة من خنق لفرص التعايش وتدمير لتماسك المجتمعات بل وتدمير لمعاني النبل في الإنسان نفسه إذا كان خبزه اليومي التنقيب عن مثالب الآخر وشيطنته وتحميله مآسي الوطن والعالم. 
    ولتعميق البحث في ظاهرة "الإسلاموفوبيا" يتعزز هذا المحور بالورشات التالية:
    أ- الإسلاموفوبيا والإسلاموفوبيا الجديدة.
    ب- الإسلاموفوبيا والنزعات الشعبوية الجديدة.
    ج- الإسلاموفوبيا والإعلام ووسائل الاتصال.

    المحور الثالث- الإسلام والعالم: رؤية إسلامية للسلم العالمي:
    عنوان الموضوع الرئيسي لهذا المحور "رؤية إسلامية للسلم العالمي". فبعد تحليل البيئة الإقليمية والدولية للسلم في أبعادها المادية والمعنوية وتحليل الصورة المروّجة عن المسلمين وعن دينهم باعتبارهم مصدر خوف وتهديد، يقتضي المقام طرح رؤية "منتدى تعزيز السلم " لطبيعة الإسهام الذي قدمه الإسلام للسلم العالمي على مستوى المقاصد والأحكام والتجربة التاريخية. وهي فرصة متجددة مع كل ملتقى لـ"المنتدى" لتأصيل المفاهيم وبيان مدلولاتها الحقيقية لفداحة النتائج التي تترتب عن التباس المفاهيم بفصلها عن القيم العليا للإسلام ومقاصد الشريعة وعن السياقات العامة والخاصة لنزول الأحكام الشرعية وعن مآلات تنزيلها على الواقع بمستجداته وتحولاته. ومن اللافت للانتباه أن آفة الاجتزاء هذه يتفق فيها فريقان هما على طرفي نقيض: من يتهمون الإسلام بكونه دين عنف وقتل، ومن يمارسون العنف والقتل باسمه!
    وتتكامل مع الموضوع الرئيسي للمحور الورشات الثلاث التالية:
    أ-من الدار إلى الجوار: 
    قد يوحي مفهوم الدار عند الفقهاء في عصور خلت -أي تقسيمهم المعمورة تقسيما ثنائيا إلى دار إسلام ودار حرب أو ثلاثيا بإضافة دار العهد- بأنه لا مجال للثقة في إمكان تعايش إسلامي-عالمي. وقد يتعزز هذا الانطباع باستناد تيارات متطرفة أو إرهابية إلى هذا التقسيم لتبرير الأقوال والأفعال. لكن السؤال الجوهري الذي يرد على هذا الانطباع هو: هل هذه القسمة الثنائية للعالم عند الفقهاء منصوص عليها وثابتة أم هي مفهوم وظيفي أنتجوه توصيفا لوضع قائم ليرتبوا عليه أحكاما تهم المكلفين في عباداتهم ومعاملاتهم؟ وهو سؤال يفتح المجال لأسئلة تفصيلية كثيرة من قبيل: ألم يكن الأصل في ذلكم الوضع الدولي الصراع على النفوذ وحروب التوسع باستثناء حالات نادرة من العهود والمواثيق الجزئية أو الشاملة بين بعض الدول؟ ألم تكن من خصائص المرحلة تداخل السلطة الدينية مع السلطة الزمنية وتفاصُل المجتمعات بمعتقداتها مما يجعل حياة المسلمين خارج "دارهم" مهددة وإقامتهم لشعائر دينهم من باب أولى؟ ألم يتنبه الفقه الإسلامي حتى في أثناء تلك المرحلة لوجود وضع غير خاضع للتصنيف الثنائي أو الثلاثي للدار وهو ما سمي بـ"الدار المركبة" حيث لا توجد السيادة لأحكام الشريعة لكن بوسع المسلمين العيش فيها وإقامة شعائرهم الدينية آمنين مطمئنين ؟ وما دام مناط تقسيم المعمورة هو الأمن على النفس وممارسة حق التدين أليس الأصل عند المسلمين -كما في النصوص الشرعية المعززة بشهادة التاريخ- أن البلاد بلاد الله وأن العباد عباد الله، وأن بوسع المسلم أن يعيش حيث طاب له العيش ؟  
    وإذا انتقلنا من الماضي إلى الحاضر: ألم يصبح تقسيم المعمورة الموروث من الفقه الإسلامي عند المسلمين المعاصرين -علماء ودولا -في ذمة التاريخ بعد أن تجاوزه الواقع ولم يعد هناك مجال جغرافي متمحض لدين من الأديان؛ بل وأصبحت حرية التدين حقا تحميه الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية؟ ...
    ب- الجهاد والحرب العادلة: 
    يبدو مفهوم الجهاد محفوفا بالالتباس لدى معظم الرأي العام الغربي وبالمغالطات عند كثير من المثقفين ووسائل الإعلام لأنه يتطابق عندهم مع مفهوم الحرب المقدسة؛ مما يحوله إلى مفهوم مهدد للسلم العالمي. في المقابل يحيل مفهوم الجهاد عند المسلمين إلى مضامين أوسع بكثير من معنى القتال. فالجهاد شامل في دينهم لأنواع العبادات الظاهرة والباطنة وإن قصره الفقهاء في كتبهم على القتال لأن الحديث عن الأبعاد الروحية والتربوية للمفاهيم الشرعية ليس من اختصاصهم. 
    وتمس الحاجة في هذا المقام إلى التمييز بين نوعين من الجهاد العسكري في الفقه الإسلامي: الأول هو "جهاد الدفع" الذي يشمل أشكالا من رد العدوان، وردع الدول المجاورة المتأهبة لنقض العهود، وتأمين الحدود... وهو حق من حقوق الدول حتى بمعايير المواثيق الدولية المعاصرة.  أما النوع الثاني المسمى في الفقه الإسلامي بــ"جهاد الطلب" فهو الحالة الوحيدة التي يرتبط فيها القتال بالدعوة إلى الدين. وهو الذي ينظر إليه الغربيون من منظور الحرب المقدسة في تاريخهم. وهذا النوع الثاني من الجهاد ارتبط بظروف تاريخية لم تعد قائمة في عصرنا. فلم تكن في الماضي معاهدات دولية ولا حدود إلا تلك الثابتة بقوة السلاح أو بعد المسافة. ومن ثم كان متعذرا في الغالب على المسلمين إيصال الدعوة إلى الدين الخاتم للرسالات السماوية -في نظرهم - وتبرئة ذمتهم دون إسناد حربي. ألم تناهز البعوث النبوية المجردة من السلاح إلى قبائل العرب أربعين بعثا حينما أتيحت الفرصة للدعوة السلمية بينما لم تتجاوز المواجهات المسلحة بين المسلمين وبين أعدائهم سبع مرات؟ ولماذا استثنت الفتوحات في العهد النبوي وفي عهد الخلفاء الراشدين مناطق كثيرة مع وجود قوة عسكرية ضاربة عند المسلمين ورصيد معنوي قوي بالإيمان وبالانتصارات؟ وهل نكون مبالغين إذا قلنا إن أشكال الحرب التي تقرها الشريعة لا تخرج عن مفهوم الحرب العادلة حتى بمعايير الفلسفة الأخلاقية والسياسية المعاصرة؟
       وتأسيسا على ما سبق هل يحتاج المسلمون اليوم حقا إلى جهاد الطلب وهم ينعمون كغيرهم بحرية التواصل مع عالم تلاشت فيه الحدود والحواجز في وجه الأفكار والقيم؟ وبوجود ميثاق ومنتظم أممي ينظم العلاقة بين الدول ويجرّم عدوان بعضها على بعض تشوفا إلى سلم دولي شامل؟ ثم إذا كان إعلان جهاد القتال بكل أصنافه قرارا مخولا شرعا للدولة باعتبارها المؤهلة وحدها للموازنة بين المصالح والمفاسد؛ ألا يكون إعلان الحرب على الناس من أجل إدخالهم في الدين في عصر السلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل مجانبا للعقل ومجافيا للشريعة الإسلامية القائمة على الدعوة السلمية وتحصيل المصالح البشرية؟

    ج- السلم في مقاصد الشريعة:
    تنقلنا هذه الورشة من مستوى المفاهيم والأحكام الشرعية إلى مستوى المقاصد حيث تتناسق الجزئيات وتتكامل لتجاوز آفة الاجتزاء التي سبقت الإشارة إليها في مقدمة هذا المحور. وتروم هذه الورشة الإجابة عن الأسئلة التالية:
    أليس استتباب السلم شرطا أساسيا لعمارة الأرض التي هي مقصد من مقاصد الخلق؟  أليس السلم ضامنا لحفظ كل المقاصد الضرورية للشريعة وما يتفرع عنها من مراتب المصالح؟ ألا تختل تلك المقاصد باختلال السلم؟ إذ كيف يتمكن الناس حقا من ممارسة شعائر دينهم ويأمنون على أنفسهم وذويهم وأعراضهم وعلى ممتلكاتهم في وضع لا سلم فيه ولا أمان؟ أليست هذه المعاني حصيلة استقراء لما نطقت به نصوص الشرع وشهدت له التصرفات النبوية وسار عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن اقتفى أثرهم من السلف الصالح؟ وإذا كان الأمر كذلك ألا يكون الإذعان لأولوية السلم على غيره من المصالح فريضة شرعية قبل أن تكون اعتبارا بالتجارب الإنسانية واستفادة من الحكمة البشرية؟ ...
    المحور الرابع: الإسلام والعالم: مسارات التعارف والتضامن:
    عنوان الموضوع الرئيسي لهذا المحور "مسارات التعارف والتضامن" ووظيفته هي التفكير في سبل الانتقال من علاقة بين المسلمين وغيرهم -وخاصة بلاد الغرب- يطبعها الكثير من سوء الفهم المتبادل والصور النمطية والتوجس؛ بل والكراهية في بعض الحالات، إلى علاقة تعارف وتعايش سيكون لها قطعا -إذا تحققت- آثار إيجابية على السلم داخل المجتمعات التعددية وفي العلاقات الدولية. 
    وليس في التطلع إلى هذه النقلة غفلة عن العقبات والعوائق الكثيرة التي تجعل تحقق هذا النوع من العلاقات هدفا بعيد المنال في الأفق المنظور. وإنما هو اقتناع بضرورة بذل العقلاء والحكماء من الطرفين أقصى جهودهم لبناء حصون السلم في عقول البشر في مرحلة يسهل فيها التواصل الإنساني، وتتشوف فيها مجتمعات كثيرة إلى حكامة سياسية واقتصادية عادلة، وتتداعى فيها منظمات المجتمع المدني إلى إغاثة الملهوفين والتضامن مع المختلفين دينا وعرقا ومواجهة دعوات الكراهية والعنصرية. (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين- البقرة:251).
    وتنبثق عن الموضوع الرئيسي لهذا المحور الورشات التالية:
    أ- من جهاد القتال إلى جهود الوصال:
    تعلمنا الأديان أن مصائر بني الإنسان هي نتيجة اختياراتهم ومواقفهم وتصرفاتهم. وهي أيضا خلاصة تاريخ البشرية التي عانت كثيرا من ويلات الصراعات والحروب ولم تنعم بالسلم والرخاء إلا حيث وجدت الحكمة ورجحت قيادات المجتمعات خيار التعايش. وقد حققت البشرية في القرن الماضي بعد حربين عالميتين إنجازا تاريخيا بانخراط الدول في منتظم أممي ينظم علاقاتها، ويحمي سيادتها وشعوبها من العدوان، ويرجع إليه لفض النزاعات. فهل تستطيع البشرية تحقيق المزيد من الإنجازات وتحصين المكتسبات وتطويرها وتفعيلها في مجالي العلاقات الدولية والعلاقات الثقافية والاجتماعية؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فكيف ننقل العلاقات من دوائر الصدام إلى آفاق التعارف؟ وكيف نطفيء نيران الصراعات التي يوقدها باستمرار الجهل أو الجشع؟ وهل بوسعنا التحرر من الجهل والجشع بدون تحري الحقيقة وإرادة التسامي على الأحقاد ومحبة الخير للجميع والبحث عن المصالح المشتركة؟ وإذا كان الجهل المتبادل بحقيقة الآخر ورؤيته للعالم من مؤججات الصراع ألا يكون الاعتراف بالحق في الاختلاف، وعلاج الخلافات بالحوار، وممارسة النقد الذاتي، شروطا ضرورية للتعارف؟ وماذا عن الذاكرة التاريخية المشتركة المختزلة عادة في الحروب؟ وهل نستطيع صيانة جهود التعارف والتضامن إذا لم يضبط الحق في حرية التعبير بمسؤوليته الميدانية عن نتائج التعبير كما يقع عند تدنيس المقدس؟ وما الذي ينتظر في المقابل من الخطاب الإسلامي؟ ألا تتنامى في المجتمعات المسلمة قيم لا تعكس إنسانية الإسلام وعالميته؟ أليس مطلوبا من الفقه الإسلامي في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ المسلمين وتاريخ العلاقات الدولية أن يكون فقه السلم بامتياز؟ ...
    ب- جسور التعارف ودوائر التضامن:
    لا تتأسس جهود التعارف والتضامن على فراغ؛ بل بوسع الإنسانية استثمار وتنمية مشتركات في غاية الأهمية رمزيا ووظيفيا، وعلى عدة مستويات:
    فعلى المستوى الديني توجد مساحة كبيرة من المشتركات وخاصة بين العائلة الإبراهيمية. وبصفة عامة أليس جوهر الأديان من حيث الممارسة العملية تزكية النفوس لتثمر الفضيلة ومحبة الخلْق وحسن المعاملة والتعاون على الخير؟ ألا يكون من مصلحة أتباع الديانات تجاوز المنطق الغالب في علاقتهم بغيرهم وهو منطق الانتقاد المتبادل إلى منطق العيش المشترك بسلام في الدنيا؟ أليس من الأنفع للبشرية أن تتعاون الأديان في مجال قيم الخير والمحبة والتضامن؟ أليس من الأجدى أن نفوض الحكم على العقائد لله عز وجل؛ فهو يحكم في الآخرة بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون؟
    وعلى المستوى الإنساني توجد مساحة أرحب من القيم الأخلاقية والحاجات المعنوية المشتركة المستعصية على الحصر.
    وعلى المستوى السياسي والحقوقي يعتبر مبدأ المواطنة في عصرنا أفضل إطار متاح للعيش المشترك لتقريره تساوي السكان في الحقوق والواجبات بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم. ألم تثبت التجارب أن هذا المبدأ حينما يبنى على حق الاختلاف يجنب المجتمعات آفات التصدع؟ ألا تعد اختيارات بعض البلدان التي حرصت على احترام بل وتشجيع الخصوصيات الدينية والثقافية في انسجام مع الدساتير ناجحة وجديرة بالاعتبار منها؟ومن المشتركات التي تملك الشعوب تنميتها أشكال متنوعة من التبادل الثقافي الذي تغتني به الشخصية الإنسانية على مستوى النظرة إلى العالم والقيم والخبرات الحياتية. وهو تبادل لا يضعف إلا في الأزمات.
    ولا يغيب عنا في هذا المقام أن شكلا من أشكال التبادل كان فيما مضى من أهم عوامل التوافق على السلم والتعارف بين الأمم وهو التبادل التجاري والاقتصادي.  لكن لا بد من التساؤل اليوم وقد تطورت الحاجة إلى هذا التبادل بشكل لم يعهد من قبل: هل قواعد هذا التبادل ونظمه وآلياته في عصرنا تُوازن بين قيم التعارف ومقتضيات المصالح؟ أليست هذه القواعد من أسباب توتر العلاقات بدل أن تكون جزءا من الحلول؟ ألا تحتاج إلى مراجعة في ضوء قيم العدل والإنصاف؟ ...
    ج- استشراف مستقبل التعارف والتضامن في المجال الدولي
    إذا كان العالم اليوم على فوهة بركان من المخاطر بما كسبت أيدي الإنسان فإن التعارف بين الديانات والثقافات من شأنه أن يقلص الخلافات بين المنتمين إليها ويمهد لتصالح يحيي الآمال في قدرة الإنسان على صناعة غد أفضل بما وهبه الله من عقل واختيار وفطرة خلقية. 
    فهل ترفع الديانات هذا التحدي؟ وهل تسهم ديانات العائلة الإبراهيمية -خاصة - بتصافحها وتصالحها في تعزيز روح السلم في العالم وتسهيل الولوج إلى طريق العدالة والخير ومعالجة المظالم والمظلوميات؟ 
    وهل تقوى ثقافات العالم على التوفيق بين الخصوصية وبين ما يشترك فيه الجميع من إيمان بقيمة الإنسان وكرامته وحاجة الشعوب بعضها إلى بعض لاستيلاء النقص على البشر جميعا مهما ارتقت معارفهم ونظمهم؟ ألا يتجه التاريخ إلى إذابة الحواجز الثقافية بين الناس بحكم قوة حركة التواصل والتمازج في عصرنا؟ ألا يدعو هذا الوضع إلى عمل مشترك في خدمة السلم العالمي تتكامل فيه الخبرات وتتبادل فيه التجارب وتتوحد فيها الإمكانات وتُهيَّؤ أجيال المستقبل للعيش في مجتمعات قائمة على التمازج والتنوع ومتشبعة بقبول الاختلاف؟
    ويقتضي منهج  "منتدى تعزيز السلم" في رصد وتجلية عناصر الأمل أن نتعرف  على جهود كبيرة  في أرجاء مختلفة من العالم تبذل لتعزيز السلم بين الديانات والثقافات والشعوب.
    فعلى المستوى الديني ما هي الدروس التي خلصت إليها جهود مؤسسات ومنظمات ومبادرات الحوار بين الأديان لخدمة السلم؟ وعلى المستوى الفكري والأكاديمي ماذا تحقق لمراكز الحوار الحضاري ومراكز وكراسي الدراسات لتبادل المعارف والمعطيات وتقديم صورة صحيحة عن الآخر؟ وعلى المستوى الاجتماعي ما هي آفاق شبكة من الهيآت في العالم للتعارف الإنساني والتبادل الثقافي وإنصاف الأقليات وتسهيل اندماجها في الحياة العامة وتعزيز حظوظها في تكافؤ الفرص وضمان حقوقها الثقافية والسياسية؟ وفي المجال السياسي كيف تشكلت وإلام تتطلع التجارب الرائدة لبعض الدول؛ سواء على مستوى التشريعات والقوانين أو على مستوى المبادرات أو على مستوى المواقف؛ في إقرار نموذج مجتمعي يرسي ويحمي أسس التعارف والعيش المشترك؟
    إن قيمة هذه الجهود والتجارب بالنسبة لمنتدى تعزيز السلم تكمن في كونها تثبت وجود وعي يتشكل في مناطق مختلفة من العالم بضرورة إيجاد أرضية فكرية واجتماعية للعيش المشترك بين المسلمين وغيرهم.  وهذا الوعي تمثله نخبة من البشر؛ تختلف أديانهم وثقافتهم وتخصصاتهم ومواقعهم وأدوارهم في المجتمع؛ ولكن يؤلف بينهم الصدق والإنصاف والبحث عن المصلحة المشتركة ومحبة الخير للجميع والإيمان بوحدة المصير الإنساني.  
    ويطمح "منتدى تعزيز السلم" أن يكون ملتقاه السنوي الرابع (السلم العالمي والخوف من الإسلام) فرصة لتلاقي وتلاقح أفكار وتجارب جزء من هذه النخبة؛ من أجل تحليل علمي موضوعي لجذور وأسباب ومآلات المخاوف المتبادلة بين المسلمين وغيرهم من جهة، وللوصول من جهة ثانية إلى مقاربات نظرية جديدة ومخرجات تسهم في دعم جهود الحكماء والعقلاء لخدمة السلم العالمي والتسامح والمحبة بين بني الإنسان.
    (ياأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير) سورة الحجرات: 13.
    الورقة التصورية
  • بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين،
    وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين
    أصحاب المعالي،
    أصحاب السعادة،
    أصحاب السماحة والفضيلة
    الأخوات الكريمات، الإخوة الكرام
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
     لا تزال منن الله سبحانه وتعالى علينا تتوالى، فيشاء الله جل في علاه أن يمن علينا بعقد لقائنا الرابع، وكما عودنا جميل فضله دائما، ها نحن نجتمع اليوم في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة ، أرض المؤسس القائد المغفور له الشيخ زايد في عام زايد الخير، برعاية كريمة من أبناء زايد الخير، والخير لا يأتي إلا بخير، وقديما قال الشاعر:
    فما كان من خير أتوه فإنما  وهل ينبتُ الخطيَّ إلا وشيجه توارثهم آباء آبائهم قبلُ وتُغرس إلا في منابتها النخلُ
    فنشكرهم على كريم عنايتهم، وجزيل عنايتهم التي أحاطوا بها المنتدى منذ تأسيسه، والتي لم تتخلف يوما عن دعم سيره في مسيرة البحث عن السلم.
    أيها السادة والسيدات:
    نذكر بأن الموضوع الدائم للمنتدى هو "السلم" وهو المبدأ الذي ينطلق منه وأساس الأهداف التي يضعها نصب عينيه، وقد عبرنا في مناسبات سابقة أننا غرسنا شجرة السلم منذ سنوات أربع، ولم ننقطع عن سقيها على مدار السنوات، ليقوى جذعها ويمتد فرعها، وتثمر أقناؤها وأغصانها السلم والسلام، وأملنا أن تستثمرها البشرية كلها، وتستظل بها الإنسانية جميعها.
    عند كل لقاء نتساءل: ماذا أنجزنا منذ آخر لقاء ؟ وماذا سيضيف ملتقانا الرابع هذا للملتقيات الثلاث التي سبقته؟ والسؤال الأهم: لماذا اجتماعنا اليوم؟
    منجزات المنتدى بين 2016 و2017
    أما السؤال الأول، فبين الملتقى الثالث وملتقانا هذا بدأت لجان موسوعة السلم في عقد ورشاتها تنفيذا لتوصياتكم في الملتقيات السابقة، ومجلة السلم يصدر عددها الثاني، وسلاسل السلم أخذت مسارها.
     هذا في ما يتعلق بالجانب الفكري والتنظيري، أما العمل الميداني فبحمد الله كان المنتدى حاضرا في ملتقيات عالمية فقد شارك بدعوة كريمة من رابطة العالم الإسلامي في مؤتمر نيويورك حول "التواصل الحضاري بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي"، وقد أظهر هذا اللقاء كغيره من المناشط مدى الحضور والقبول الدولي الذي تتمتع به الرابطة بقيادة معالي الدكتور محمد عبد الكريم العيسى، كما شارك المنتدى في اجتماع دافوس لمكافحة الاتجار بالبشر بنيويورك ، وبدعوة من الأمم المتحدة شارك المنتدى في مؤتمر مواجهة التحريض على العنف وخطاب الكراهية، كما لبّينا الدعوة التي وجهها إلينا رئيس أساقفة الكنيسة الأنجليكانية ببريطانيا، حيث أجرينا محادثات مفيدة لخدمة السلام، ولعل من أهم ما ميّز سنتنا هذه استقبال المنتدى بأبوظبي لأول قافلة أمريكية للسلام في محطتها الأولى، وفي محطتها الثانية بالرباط عاصمة المملكة المغربية. 
    وسنتحدّث لاحقا عن هذه القافلة والدروس المستفادة منها. 
    أما ما سيضيفه ملتقانا الرابع، فهو منوط بكم، ونعول عليكم أن تمدونا بآرائكم النيرة وتوصياتكم القيمة لنشترك جميعا في هذه المهمة، ولنتعامل مع هذه المرحلة التي تشتد أزماتها وتضيق حلقاتها، ولكن لا نيأس من روح الله، فهناك ما يدل على أن الشعوب سئمت من الحروب، ولم تعد الدعوات الأيديولوجية تحركها، ولا وعود الرفاهية المزعومة تغريها، إن الناس يحبون السلام. وهذا ما سيسعى ملتقانا إلى الإسهام فيه. 
    وبخصوص لماذا نجتمع؟ فإن اجتماعنا يأتي في سياق البحث الدؤوب عن السلام، من خلال معالجة أمرين: 
    - الأول: المفاصلة الدينية التي اتسعت دائرتها في المجتمعات المسلمة، وقد تعامل المنتدى مع جانب منها في مؤتمر مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي في يناير 2016.
    - الثاني: ظاهرة الخوف والتخويف من الإسلام التي أصبحت واقعا يطرح أسئلة قلقة ومقلقة في الآن ذاته.
    وقد خلصنا في اجتماعات مجلس أمناء منتدى تعزيز السلم إلى ضرورة أن نستكمل العمل في ما يخص الدائرة الأولى، وأن نبدأ التعامل المباشر مع الدائرة الثانية، وفي هذا الصدد رأى مجلس الأمناء أن الأوضاع العالمية تدعو إلى الربط بين السلام الذي نسعى إليه وبين ظاهرة الخوف من الإسلام، فاخترنا أن يكون موضوع الملتقى الرابع هو: "السلم العالمي والخوف من الإسلام: قطع الطريق أمام التطرف"، فنرجو من الله تعالى التوفيق والسداد.
    سياق الملتقى الرابع: 
     نحاول اليوم في هذا الملتقى الرابع أن نقف وقفة تأمل مع العالم من حولنا، وقفة لن تلفتنا عن بحثنا الواصب، وحراكنا الدائب في سبيل السلم، وقفة تتمثل في العنوان الذي اختير هذه السنة "السلم العالمي والخوف من الإسلام: قطع الطريق أمام التطرف".
    ومما يرشح هذا الموضوع الوعيُ بدرجة الاهتمام بالعلاقة بين السلم العالمي والإسلام، والتي أصبحت إلى حد ما ملموسة ومحسوسة في أوروبا وأمريكا. كما أننا في المنتدى نؤمن بأنه في سياق العالم المعولم الذي انتظمته ديناميكة واحدة، هي ديناميكية العولمة في أبعادها وتمظهراتها المختلفة، من حركة رؤوس الأموال والبضائع، وعملية التثاقف، وتيارات الهجرة الدؤوبة في عالمنا الذي تقاربت أركانه وصار كالقرية الواحدة، لم يعد بوسع أي مجتمع أن يبقى خالصا نقيا دينا أو عرقا، وهذا التنوع في المنطق الديني والإنساني يحتم الوعي بوحدة المصير والمسار، وبضرورة العمل الإيجابي والتعارف والتعايش بدل التنافر والتنابذ والكراهية والتمييز.
    وعلى صعيد آخر، يمكن القولُ إن تنامي خطابات الكراهية وسياسات التمييز، يرفد التطرُّف في الضفة الأخرى بأسباب يتمسَّك بها في اكتساب نوع من الشرعية الموهومة ويمدُّه بأوعية متجدّدة لتجنيد المزيد من الأتباع والدماء الجديدة.
    ولهذا، فإننا عندما نتحدث عن خطاب "الخوف من الإسلام"، لسنا نُعنى به لمجرد ما فيه من البعد عن الميزان العقلي والميزان الأخلاقي؛ أو ما يؤدي إليه من الأضرار العظيمة والشروخ الجسيمة داخلَ نسيج المجتمعات المركّبة، وما يحتويه من مجانفة لمبادئ نموذج العقد الاجتماعي القائم على أسس المواطنة المتساوية، كل ذلك مهم ولكن مقصدنا الأصلي في تناول هذه القضية هو  قطع الطريق على التطرف بتجفيف أحد منابعه وفك الارتباط بينه وبين أحد روافده المتمثل في إعلان المفاصلة النهائية بين المسلمين والعالم كله، لإشعال الحرب الدينية الأبدية واللانهائية والعبثية حرب الجميع ضد الجميع، تلك هي المأساة التي تتخادم فيها الإسلاموفبيا والمتطرفون. وما القرار الأخير المتعلق باعتبار الولايات المتحدة القدس الشريف عاصمة لدولة إسرائيل إلا مثال للقرارات التي تخدم المفاصلة الدينية ولا يسعد بها دعاة السلام.
    ومنتدى تعزيز السلم وإن اختص في توصيفه بالمجتمعات المسلمة، إلا أنه يرى أن علاقة المسلمين بغيرهم في المجتمعات ذات الأغلبية غير المسلمة داخلة في اهتماماته وصميم انشغالاته، لما لهذه العلاقة المتوترة من انعكاسات سَلبية على السلم الاجتماعي في المجتمعات المسلمة وغير المسلمة على حد سواء، لأننا نعتقد أن وسائل تعزيز السلم التي نتبناها في المجتمعات المسلمة هي نفسُ الوسائل التي تنشر السلام في كل المجتمعات الإنسانية، لأن منغصات السلم وعوائقه واحدة في كل مكان،  وهي جزء من ظاهرة الرُّهاب والخوف من الإسلام

    المحور الأول: معالجة ظاهرة الخوف من الإسلام: الصورة والعوامل
    ينبغي بادئ ذي بدء أن نؤكد أننا لسنا هنا في مقام محاكمة أو سياق مرافعة قانونية ولا حتى حقوقية حول ما يسمى بالإسلامفوبيا، لأننا -كما اخترنا منذ أول ملتقى- إطفائيون يبحثون عن وسائل السلام والعافية للمجتمعات المسلمة والإنسانية، فذِكْر أسباب الظاهرة لا يعني أننا نحاكم أناسا آخرين قانونيا وأخلاقيا، ولا نريد أن نجعل من الملتقى منصة اتهام أو تبرئة، وإنما نبحث عن المقاربة الإيجابية التي تعيد الثقة بين المسلمين وغيرهم، والتي تجلي الصورة الحقيقية والصحيحة للإسلام.
    ومع ذلك فإننا لا ندعي الوصاية على مواطني الدول الأخرى فيما يلجئون إليه من الوسائل القانوينة المتاحة لهم للتصدي لخطاب العنف والكراهية ولنيل حقوقهم، فلكل سياق خصوصيته ولكل مجتمع تنزيلاته الملائمة لأطر نظامه العامّ. 
    إن بحثنا ليس بحثا تقليديا، وإنما هو تشخيص لتلمس العلاج لهذه الظاهرة، من خلال رصد تمظهراتها، وسبر عواملها. فما هي هذه التمظهرات؟ وما هي هذه العوامل والأسباب؟
    1- التمظهرات:
    التمظهرات لا تخطئها العين، ولا يحتاج إبرازها إلى كبير عناء، فهي معروفة ليس فقط من خلال ما يكشفه الإعلام، بل حَسْب الباحث أن يجدها بارزة وجلية على أعلى مستويات التصريحات الرسمية العالمية.
    فتمظهرات الظاهرة تتمثَّل في نمو خطابات الكراهية والتمييز التي بدأت تغزو المشهد العمومي في المجتمعات الغربية من أطرافه، من خلال تنامي حركات كانت إلى وقت قريب هامشية، كأحزاب اليمين المتطرف والأحزاب النازية الجديدة، والتي تبني خطابها الإيديولوجي على فرض التناقض بينها وبين الغير. مع الإشارة إلى أن الكراهية لم تعد خصيصة غريبة بل إن مناطق في العالم الشرقي أصيبت بلوثة الكراهية ضد الإسلام والعنصرية ضد المسلمين من طرف بعض البوذيين وغيرهم.  
    لا شكّ أن هذه الأفكار قديمة بالجنس في الخطاب التقليدي للحركات الوطنية أو الشعوبية، ولكنها جديدة بالنوع في تشكلاتها الراهنة، حيث إن عنصر الجدة ومظهر الأزمة هو تمكُّن الخطابات الإقصائية ذات النبرة العالية والتعابير الساخطة من جذب قطاعات واسعة من الجمهور في دول كبرى لها إمكاناتها ومكانتها في العالم؛ فأصبحت هذه الخطابات تسهم في صناعة السياسات الكبرى في هذه الدول، فيما يتعلق بالهجرة، وبتحديد الموقف من الأقليات المسلمة، بل وحتّى في توجيه السياسة الخارجية أحيانا.
    على أنَّ هذا المشهد المتفاقم لا يمكن أن يُنسينا المواقف الحكيمة لحكومات غربية ولأحزاب لها وزنها وثقلها، ولغالبية هيئات المجتمع المدني التي تصدَّت لخطاب العنف والكراهية ضد المسلمين بالمبادرات القانونية وحملات التوعية والتضامن.
    ولقد كان الرئيس الفرنسي ماكرون واضحاً في تعبيره عن تسامح الإسلام ومدركاً أن آراء المتطرفين لا تمثل الإسلام عندما قال قبل شهر -أي في الثامن من الشهر الماضي- هنا في أبوظبي بدولة الإمارات بمناسبة افتتاح "متحف اللوفر" -وهو يخاطب سمو الشيخ محمد بن زايد وضيوفه-: إن من يجعلونكم تعتقدون بأنَّ الإسلام يبنى من خلال تدمير الديانات التوحيدية الأخرى هم كذابون ويخونونكم".  
    2- ما هي الأسباب والعوامل؟
    إن من شأن الظواهر البشرية أنها ترجع إلى شبكة عوامل متعددة متداخلة ومتضامنة، وهذه العوامل منها ما هو موضوعي، ومنها ما هو ذاتي، ومنها الحقيقي، ومنها الوهمي، وهذا التعدد هو ما يجعل البحث في الظاهرة متشعبا، ويلزم الباحث حينما يعالج الظاهرة أن يسبُر شبكة الأسباب، ويفحص قوة تأثيرها ليخلص إلى انتقاء العامل المهيمن الذي ينبغي أن يُخص بمعظم المعالجة. 
    وقد أحصى الدارسون عدة عوامل لكل واحد منها نصيب في تشكيل بناء الظاهرة وتكوين الإشكالية المؤسسة لمفهوم الإسلاموفومبيا. 
    فمن الباحثين من أناط المشكل بأبعاده النفسية التي يوحي بها استعمال كلمة رهاب phobia، بما تحمله من دلالات وجدانية. 
    ومنهم من أبرز العوامل الاقتصادية، مشدِّدا على سياق الكساد الذي تمر به الاقتصادات العالمية، ودور المنافسة الأجنبية في سوق العمل في تأزيم وضع البطالة وتدني مستويات الأجور. 
    ويفضل آخرون الحفر والكشف عن الجذور التاريخية للظاهرة، من خلال إبراز دور الذاكرة في صناعة التصوّرات النمطية السلبية، التي ما تزال موجودة في الذهنيات والوعي العمومي، وتؤطّر البنية الاستباقية للبحث لدى بعض المستشرقين والباحثين.
    إن هذا الفكر من رواسب مرحلة تاريخية خلت، حيث نشأ في سياقات تتعلّق بالحروب الصليبية وحروب استعادة شبه الجزيرة الإيبرية، أو في سياق بسط أوروبا نفوذها الاستعماري على العوالم الأخرى، وتهيئها لاحتلال شمال افريقيا، ولنذكر خطاب أرنست رينان الذي ألقاه في كوليج دي فرانس في 23فبراير1862حيث يقول: (في هذا الوقت المناسب، إن الشرط الأساسي لتمكين الحضارة الأوربية من الإنشاء هو تدمير كل ماله علاقة بالسامية الحقة، بتدمير سلطة الإسلام التيوقراطية، لأن الإسلام لا يستطيع أن يعتبر إلا كدين رسمي، وعندما يختزل إلى وضع دين فردي فإنه سينقرض، هذه الحرب الدائمة الحرب التي لن تتوقف إلا عند ما يموت آخر أولاد إسماعيل  بؤسا أو يرغمه الإرهاب على أن ينتبذ في الصحراء مكانا قصيا...إن الإسلام هو التعصب، إن الإسلام هو احتقار العلم، هو القضاء على المجتمع المدني، إنه سذاجة الفكر السامي المرعبة، إنه يضيق الفكر الإنساني، يغلقه دون كل فكرة دقيقة، دون كل عاطفة لطيفة، ودون كل بحث عقلاني...إلى آخر كلامه).
     إنه تصريح لا يحتاج إلى تفسير، وكل تعقيب من شأنه إضعاف النص كما يقول المستشرق الفرنسي المنصف فنسان مونتاي.
    ولكن الإنصاف يقتضي أن نؤكّد أن هذا الخطاب كان يمثل فقط أفكار بعض النخبة في تلك الحقبة، ولا يمكن أن نعمّمه، ففي المقابل فالكثير من المستشرقين والباحثين المنصفين عارضوا هذا التناقض بين الإسلام والغرب، ومن أكثرهم إنصافا المستشرق توماس أرنولد في كتابه "دعوة الإسلام" فكما أن الإرهاب لا يمثل رأي المسلمين أجمعين، فكذلك خطاب الكراهية لا يمثل رأي الغرب أجمعه.  
    وبدون أن ننفي العوامل الأخرى، نقول إن العامل المسيطر والسبب المهيمن والمؤثر في فشو ظاهرة الاسلاموفوبيا واستفحالها هو العلاقة المزعومة بين الإسلام والإرهاب وبما أن البعد التاريخي الذي يختزل الذاكرة التاريخية في المنحى الصدامي ويحاول البعض أن يؤسس عليه حتمية الصدام الحضاري، قد أصبح رغم فعاليته يتوارى وراء العامل المسيطر وهو مسألة الإرهاب، حيث انضاف خلال العقود الأخيرة إلى السخيمة التاريخية ركام حوادث تحولت إلى أحداث مدوية، افتات فيها أفراد على الغالبية العظمى من المسلمين، فصدَّق كهانُ صدام الحضارة ظنهم وتحولت الكهانة إلى كارثة.   
    ومن المفارقات أن المسلمين في الإرهاب ضحايا من جهتين، فهم من جهة أكثر ضحايا الإرهاب، ومن جهة أخرى هم المتهمون الدائمون في جميع قضايا الإرهاب. 
    وهي التهمة الناشئة عن جهل بالإسلام وتحريف المفاهيم.
    ولا يزال المنتدى على عهده ووعده، سائرا في دربه في التصدي لدعوى الربط بين الدين والعنف، والاضطلاع بدوره في تفكيك منظومة المفاهيم التي يتوسل بها المتطرفون في تبرير العنف بالدين.
    تحدث فرنسيس فوكوياما عن الأيديولوجيات المجنونة، وعن الديانات المجنونة، وخلص إلى أنه كما ماتت الأيديولوجيات المجنونة ستموت الأديان المجنونة كذلك، وإذا اتفقنا معه في إمكانية أن تكون هناك أيديولوجيات مجنونة، فإننا لا نسلم له بوجود ديانات مجنونة، لكن ينبغي أن نقر أن صناعة التدين التي هي صناعة بشرية، أحالت الدين الذي هو في أصله طاقة تصنع السلام إلى طاقة تصنع منها القنابل المميتة المهلكة للحرث والنسل، فصناعة التدين إذا لم نحسن إتقانها، ولم ندرك أبعادها، فيمكن أن تنفرط، وتتحول من رحمة إلى عذاب. 
    وقد عانت المجتمعات المسلمة من صناع هذا النوع من التدين من أهل الثقافة المأزومة الذين حكموا بالجزئي على الكلي، وتجاهلوا الواقع وعاشوا في القواقع، فقدموا فتاوى تتضمن فروعا بلا قواعد، وجزئيات بل مقاصد، تجانب المصالح وتجلب المفاسد، فخلقوا فوضى فكرية سرعان ما استحالت دماء مسفوكة رغم عصمتها، وأعراضا منتهكة رغم حرمتها، وعمدوا إلى مجموعة من المفاهيم كالجهاد ، وكالولاء والبراء، وكتقسيم الدار، وكالجزية وأهل الذمة، فانحرفوا بها عن سياقاتها اللغوية والشرعية والتاريخية، وخرجوا بها عن مقاصدها، ونسفوا كل شروط النظر الفقهي فيها، ولبَّسوا على المُغرَّر بهم مضامينها، وقفزوا على كل عناصر منهجية التعامل مع المفاهيم والنصوص الشرعية، وقد كان هذا الفكر ومنهجه ومخرجاته مادة عمل المنتدى في ملتقياته السابقة، حيث صححنا كثيرا من هذه المفاهيم، وبينا عناصر المنهجية التي تموقع نصوص الشريعة ومفاهيمها وتموضعها بتأويل تقرُّه الأدلة ومقاصد الشرع. 
    أما في المجتمعات ذات الأغلبية غير المسلمة، فقد طفت على السطح ظاهرة الخوف من الإسلام أو على الأصح التخويف من الإسلام، اعتمادا على أحداث سيئة، أو اعتمادا على الواقع المستشري في الكثير من المجتمعات المسلمة، تنمط صورة الإسلام والمسلمين، خاصة بعد تمكن الجماعات المتطرفة والمأزومة من استقطاب شباب ولدوا في الغرب، ونشأوا في الغرب، ولم يعرفوا لهم وطنا إلا بلدان الغرب، وإقحام هؤلاء الشباب في أتون الحروب التدميرية في منطقة الشرق الأوسط وغيرها، وإقدامهم على ارتكاب أعمال إجرامية في البلدان التي ينتمون إليها سواء كانوا أصليين في تلك البلاد، أو كانوا من الأجيال الثالثة والرابعة من المهاجرين الذين هاجروا إليها.
     وتنميط صورة الإسلام والمسلمين مرده في تصورنا إلى مجموعة من العناصر من بينها:
    - التصورات الزائفة عن الإسلام النابعة من الجهل به، والقاعدة تقول: من جهل شيئا عاداه، فمن يعادي الإسلام ينطلق من نفس المفاهيم التي تنطلق منها الفئة المتطرفة كالجهاد، والولاء والبراء... 
    وهذا التصور الزائف مؤسس على مفاهيم اجتثت من سياقاتها اللغوية والشرعية والتاريخية، وبتنزيلها المنحرف أحدثت أذى وإضرارا بالإسلام والمسلمين قبل غيرهم، وما تفجير المساجد والمعابد إلا دليل على ذلك. فهذا الفكر المشوه، والثقافة المألوسة المأزومة هو سبب الأسباب، وأس الأسس. ولا يعدو الأمر أن يكون فهماً خاطئاً، وتصوراً منحرفاً لأفراد، ومجموعات لا تمثل السواد الأعظم، ولا الرأي المعتمد. 
    - فكرة صدام الحضارات وصراع الأديان، واعتبار قيم الحياة الاجتماعية الإسلامية غير قابلة للتواؤم والتعايش مع غير المسلمين، وينظّر لها مفكرون وخبراء استراتيجيون، وفاعلون سياسيون، ومؤسسات إعلامية وفنانون، وهى قاعدة "صدام الحضارات" التي أعلنها هانتغتون والتي ألح فيها على أن الصدام قائم منذ قرون وأنه لن ينحسر، وبذلك اكتملت الصورة التي دشنها فوكوياما بنهاية التاريخ وأعلن فيها انتصار الحضارة الغربية.
      إن الإيحاء بحتمية الصدام نتيجة تنوع الحضارات، إنما هو دليل على فشل كل حضارة في أن تدرك أهمية الاعتراف بحق التنوع، وهو الحق الذي سنبني عليه رؤيتنا في العلاج باعتباره أساسا للحوار ووسيلة للتعارف.  
    - سلبية بعض المجموعات المسلمة في المجتمعات ذات الأغلبية غير المسلمة، وتخوفها من الاندماج في المجتمعات المحتضنة لها، إما كرد فعل على واقع التمييز والكراهية، وإما لاعتبارات ترجع إلى فهم ضبابي لمسألة الولاء للدين والوطن الأم، دون إدراك لكون الولاءات لم تعد دينية، بل صارت ولاءات مركبة ومعقدة تتحكم فيها عوامل متداخلة لا تنفصل عن بعضها، وينظر إليها باعتبارها دوائر ومراتب بإمكانها أن تتواصل وتتفاعل بدلا من أن تتصادم وتتقاتل.
    إن المرعب في هذا الواقع، سواء تعلق بالتطرف الديني والمذهبي العقائدي، أو تعلق بظاهرة الخوف من الإسلام أنه يواكب فترة زمنية تمتلك فيها البشرية أسلحة دمار شامل في إطار نظام عالمي قائم على توازن الرعب مع غياب الضمانات الكافية لعدم استعمالها؛ وخروج بعضها عن مراقبة الدول وسلطتها. وقد كنا من عهد قريب نسعى إلى إطفاء حرائق جسد المجتمعات المسلمة، لكن يبدو أننا في حاجة إلى العمل الشاق على إطفاء حرائق جسد العالم وخفض حرارته التي يزيد منها التنازع على السيادة في بعض المناطق أو على الثروات الطبيعية والمياه، والمطالب الانفصالية، والجريمة المنظمة، والمجاعات، والهجرات الجماعية غير المقننة، دون أن ننسى مخاطر التلوث البيئي على المستوى العالمي، والحديث عن الهويات الدينية والمذهبية والعرقية التي انتفخت، وعن ذاكرة السوء التاريخية التي استيقظت تجر موكباً من المتعصبين والإيديولوجيات المتحاربة في الشرق والغرب، في عالم معولم تشيع فيه الأفكار والثقافات المختلفة، وتروج فيه المبادلات الاقتصادية والابتكارات التكنولوجية، ومن المفارقات أن وسائل التواصل والمواصلات زادت الهوّة اتساعاً بين البشر بدلا من أن تقرب العقول والأفكار. 
    كل ذلك يقدم أسئلة ويستدعي بحثا عن الأجوبة. 
    هل يجوز للأديان أن تكون طرفا في هذه الصراعات، تحش نيرانها حينا، وتكون أداة فيها حينا، وتخوف من بعضها البعض، أم ينبغي أن تجعل من نفسها المخلص المنقذ للإنسان والأوطان، فتكون عامل بناء لا هدم، عامل وقاية لا عدوى؟
    هل من الضروري أن يخلق كل عصر "إسلاموفوبيا" خاصة به؟
    هل من الضروري أن تنطبق على الواقع مقولة هيجل: "إن كل ما نتعلمه من درس التاريخ أنه لا أحد تعلم من هذا التاريخ" أم إنه ينبغي أن نتعلم من هذا التاريخ حتى يستقر السلم العالمي؟
    أليس من الواجب تفعيل مقولة هانس كيونج: لا سلام بين الأمم ما لم يكن هناك سلام بين الأديان؟ 
    المحور الثاني: رؤية علاجية لمواجهة ظاهرة الخوف من الإسلام حفظا للسلم العالمي
    تَتَرَتُّب رؤيتنا العلاجية على طبيعة المعالجة الآنفة وعلى ما جلّيناه من هيمنة العامل المتعلّق بالإشكال الحضاري والديني، والذي يستبطن في عمقه سؤال الاختلاف والعلاقة مع الآخر، فيكون العلاج من جنس المضادات الحيوية التي ترتكز على المقاربات التالية: 
    - مبادئ العلاقة الإنسانية في بالإسلام 
    - تنمية المشتركات وتعزيز ثقافة الحوار 
    1- مبادئ العلاقة الإنسانية في الإسلام
    من عناصر الرواية الصحيحة للإسلام أن نعلم:
    أولا : أن الإسلام يعتبر البشر جميعا إخوة، فيسد الباب أمام الحروب الكثيرة التي عرفها التاريخ الإنساني بسبب الاختلاف العرقي.
     والإسلام يعترف للبشر  بحقهم في الاختلاف، ﴿ولا يزالون مختلفين﴾.
    ثانياً: اعترف الإسلام للآخرين بحقهم في ممارسة دينهم، فسد الباب أمام الحروب الدينية التي كاد التاريخ البشري أن يكون مجرد سجل لها.
    ثالثاً: اعتبر الإسلام الحوار والإقناع الوسيلة المثلى﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾.
    رابعاً: اعتبر الإسلام أصل العلاقة مع الآخرين المسالمة التي تقدم على بساط البرّ والقسط والإقساط.
    إننا نؤمن أن الاختلاف من نتائجه التعددية الدينية، ونؤمن أن التعددية الدينية في كل الأوطان اليوم صارت واقعا عالميا، والقبول بهذه التعددية من خلال تنزيل مقصد التعارف، وتفعيل المشترك هو أمر تشهد له نصوص الدين الإسلامي، ونزعم أنه لم يعرف التاريخ دينا ولا أمة قبلت بالتعددية الدينية واحتوتها كالدين الإسلامي والأمة المنتسبة إليه.
    ولقد كانت "صحيفة المدينة" التي تأسس عليها إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي إطارا ناظما لترسيخ ثقافة قبول الاختلاف والتعددية الدينية والعرقية في المجتمع الواحد، كتابا يصرح بالتعددية الاختيارية، ويبني العقد على أساسها متجاوزا ما يمكن أن تسببه من عوائق بتقديم مصالح التضامن والتعاون في شكل حقوق وواجبات.
    وكان من أهم ملامح حقوق الإنسان في الصحيفة الاعتراف بالتعددية، وتقرير حرية العقيدة بإقرار أهل كل معتقد على ما يعتقدونه، كما أسست الصحيفة لقاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، ضمن بنية المجتمع المدني حين نصت على مكونات الأنساق البشرية والقبلية والمساواة بينها ضمن الإطار الذي تستقيم به سيرورة المجتمع؛ بحيث كل جزء منها مساو للأجزاء الأخرى ومكافئ لها في ما يقبل التكافؤ، لا مكان فيها لمنطق التابع والمتبوع، وبينت واجبات كل جزء تجاه مكوناته أولا، وثانيا تجاه باقي المكونات المشكلة لعموم المجتمع ضمن نسق العدل والمصلحة سلما وحربا، ثم ثالثا تجاه المكونات المحيطة به، استيعابا من الصحيفة للتعدد الديني والعرقي والقبلي ضمن سياقين مرتبطين هما: سياق العدل كأدنى حد مطلوب، وسياق البر الذي هو أعلى المراتب المطلوبة في التعامل مع الإنسان، والذي يقتضي مع مقام العدل ألا يكون هناك حديث عن أقلية وسط وطن، وإنما الحديث عن أمة واحدة.
    وقد انطلقت موسوعة السلم التي أنشأها منتداكم بإصدار الجزء المتعلق بالتصور لتكون سياجا للسلم دون العنف، وذلك لاستعادة منهجية الخطاب الإسلامي، انطلاقا من الفهم الصحيح والمقاربة الأصيلة المبنية على المنهج الأصولي المجمع عليه في الجملة.
    وكذلك سيصدر قريباً العدد الثاني من مجلة السلم التي تعنى بنشر الرواية الصحيحة للإسلام وإبراز الرؤية العملية للسلم، من خلال البحث في الإمكانات المتاحة في الثقافة الإسلامية والتراث البشري جميعه لتجديد الخطاب، ومن خلال التأكيد على مشروعية الاختلاف السائغ، وقيم التعارف والحوار والتعاون المؤطرة له، وكذلك من خلال الاستفادة من المنظور التكاملي بين المعارف والثقافات لتأكيد مبادئ السلم وضرورة التعايش السعيد. 
    2- تنمية المشتركات وتعزيز ثقافة الحوار: 
    إن لدى الإنسانية مشتركات كثيرة أدَّى تجاهلها وإذكاء الخصوصيات بدلها إلى كثير من الحروب والدمار، وإلى ابتعاد البشرية عن القيم التي أرساها الأنبياء، قيم الخير والمحبة والتراحم.
    المشتركات على مستويات مختلفة، منها المشتركات على مستوى الدين الواحد ومنها أخرى على مستوى الديانات ومنها مشتركات عليا يجتمع فيها جميع البشر تتجسد في القيم الإنسانية التي تجمع عليها البشرية بدياناتها المختلفة وفلسفاتها الكونية المتنوعة. إن تفعيل هذه الدوائر والوصل بينها في تناغم وانسجام، هو الذي من شأنه أن يرأب الصدع ويزيل سوء الفهم ويخفِّف من غلواء الاختلاف.
    إننا أمام فشل حضاري، يحطُّ من قيمة الإنسان، فما جدوى أن يغزو الإنسان الفضاء ويبلغ أقصى الكواكب، بينما يظلُّ عاجزا عن التفاهم مع أخيه ونظيره ومثيله.
    في الإسلام ليس الآخر هو اللاوجود أو المعدوم كما لدى أرسطو، إذ هو المقابل الفلسفي للموجود  etre / autre، كما أنه ليس  -كما لدى هيغل- النقيض الذي ينبغي الهيمنة عليه لتستكمل "الذات" وعيها بنفسها في صراع حتمي لإثبات الذات، ولا هو قطعا - كما لدى سارتر - الجحيم الذي يسلب الذات كمالها الأصلي.
    إن الآخر في رؤية الإسلام قد أجمل التعبير عنه الإمام علي رضي الله عنه بقوله " الناس صنفان: أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، فالآخر هو الأخُ الذي يشترك معك في المعتقد أو يجتمع معك في الإنسانية.
    ويتجلى هذا بسُمُوٍّ في تقديم الإسلام الكرامة الإنسانية بوصفها أول مشترك إنساني، لأن البشر جميعا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم كرمهم الله عز وجل بنفخة من روحه في أبيهم آدم عليه السلام، "ولقد كرمنا بني آدم " إن الكرامة الإنسانية سابقة على الكرامة الإيمانية. 
    وهكذا، يُشَدِّد الإسلام في  التصور الكلي للآخر على وحدة النوع والمساواة في الكرامة الإنسانية، والبحث عن تنمية المشتركات ونبذ معايير التفاضل إلا بالخير والتقوى، وهو ما عبّر عنه الإمام علي أيضا بقوله: "قيمة كل امرئ ما يحسنه".
    المشترك الإنساني هو  القيم الكونية التي  لا تختلف فيها العقول، ولا تتأثر بتغير الزمان، أو محددات المكان، أو نوازع الإنسان، لأن لها منابت وأصولا تحفظها من عوادي الدهر وتعسفات البشر.
    اختلف الفلاسفة في وجود هذه القيم المتشركة، فذهب ألفريد نورث وايت هيد  ALFRED NORTH WHITE HIDE‏ إلى القول بأنه: لا توجد قيم مشتركة، وإن القيم ليست مطلقة وإنما هي نسبية، وإن لكل عصر قيمه، والقيم التي تعتبر راقية سامية في زمان ، هي منحطة في زمن آخر، وكذلك يقول "إن المبدأ الذي يقول إنه يوجد أصل واحد للكمال الكوني أو نمط واحد هو مبدأ جدير بالإهمال". 
    أما أكثر الفلاسفة تحت قيادة "كانت" رئيس المذهب المطلق، فيرون أن الحق والخير والجمال هي قيم أزلية، لا علاقة لها بالزمان ولا بالمكان، فما كان قيمة في الماضي هو قيمة في الحاضر، وسيظل قيمة في المستقبل، وأن هذه القيمة وبالنسبة للصيني بالنسبة للأوروبي وبالنسبة للعربي هي قيمة واحدة ولو كانوا يجهلون ذلك.
     وهذا المذهب المطلق أرى أنه هو الذي تؤيده الديانات السماوية وتقدمه أوعية اللغة ومفاهيمها، فالعدل في كل لغة وفي كل مكان كلمة جميلة، وعندما ننطق كلمة الوفاء فإنها كلمة جميلة. عندما ننطق بالظلم وبالغدر نجدها في كل اللغات والثقافات  كلمات ممقوتة. بل حتى الظالم والغادر لا يريد أن يكون كذلك، ويود لو كان عادلا وفيا صادقا.
     هذه القيم مشتركة تجب إعادتها في حياة الناس، وهي مبثوثة في كل رسائل ودعوات الأنبياء، والإنسانية كلها اليوم محتاجة إليها حاجة الفطيم إلى الحنو والحنان والعطف بعد أن أحال السفهاء والمجانين مجالات حركتها إلى حقول ألغام؛ إنها قيم السلم الثابتة التي لا تتغير، وهي الأمر الكلي الذي لا تتخلف جزئياته، ولا تخص جنسا دون جنس، أو دينا دون دين.
    لقد شهدت القيم في الحضارة الغربية تطورين في غاية الأهمية والتأثير على مسار البشرية. التطور الأول وقع خلال عصر الأنوار، حيث كانت القيم سماوية، فأنزلتها فلسفة الأنوار إلى الأرض فانقطعت أوروبا عن نور الوحي - بشكل مختلف من منطقة إلى أخرى، فجاءت قيم حقوق الإنسان، والحريات، والديمقراطية، وأصبح الإنسان مرجع نفسه.
    بلغت هذه القيم الإنسانية أوجها بعد الحرب العالمية الثانية، في لحظة صحوة من الضمير البشري المصدوم بهول الكارثة، فجاء إعلان حقوق الإنسان. لكن اللجنة التي كانت تحرر هذا الإعلان اتفقت  على استبعاد الله سبحانه وتعالى، واستبعاد الخلق وما يشتق منه، كما يقول شارل مالك الذي كان العضو العربي الوحيد مع رينيه كاسان وجون همفري في هذه اللجنة. فقد استبعدوا الله سبحانه وتعالى حتى كأن الإنسان هو الله- تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-.
    أما التطور الثاني، فهو في العصر الذي نعيشه، وهو ما بعد الحداثة، حيث أعلن موت الإنسان أيضا بتأثير فلاسفة الشك الثلاثة  (ماركس -نيتشه -فرويد)، فأصبحت هذه القيم لا وجود لها، واستعيض منها بتكنولوجيا بلا روح، وجمع للثروات بلا رائحة. أصبح العنف سائدا، وأصبحت الأنانية سيدة هذا العصر الجديد الذي أصبحت فيه التكنولوجيا تحرك الإنسان في اتجاهات لا يحسب لها حسابا. 
    وهنا دق الفلاسفة والسياسيون أجراس الخطر، فلأذكر بعض العناوين التي توحي بهذا البعد، فقد عنون الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو Gianni Vattimo أحد أهم بحوثه بعنوان: Crépuscule des valeurs شفق القيم أو غروب القيم، -بحسب الترجمة التي نراها في هذه المسألة-، وهو في ذلك يومئُ إلى عنوان الفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر Oswald Spengler  في كتاب سماه  déclin de l'occident "   Le أي: أفول الغرب أو دلوك الغرب، وكذلك كتب المرشح للرئاسة الأمريكية باتريك جيه بوكانن  Patrick J. Buchanan  كتابا بعنوان موت الغرب The Death of the West.
    إنها عناوين متشائمة، تدل على أن القيم وصلت إلى الحضيض وأن الناس في حاجة إلى أن يعودوا إلى السماء، وأن هذه القيم التي استنبتوها في الأرض ثم تخلوا عنها أصبحت تدعوهم إلى أن يرفعوا رؤوسهم إلى السماء، ليروا ضياء من نور، أو يروا بارقة في أفق رحمة الله سبحانه وتعالى.
    لقد أصبح من الضروري المستعجل أن نتجاوز الشجب والتحذير لنبادر إلى الفعل في الوقت المناسب، فلن يكون للأجيال الآتية أي وقت للفعل، ويخشى أن تصبح هذه الأجيال أسيرة سيرورات ليس لها عليها سلطانٌ كالنمو السكاني والتدهور البيئي والتفاوت بين الشمال والجنوب أو التمييز الاجتماعي. 
    أن ننتظر إلى الغد، يعني أن نصل دائما متأخرين، فثمة شيء في غاية الهشاشة نحن مؤتمنون عليه: إنه الحياة في هذا الكوكب الأرضي. 
    على هذا الشعور بالمأزق تتأسس المسؤولية المشتركة التي ضرب لها النبي صلى الله عليه وسلم مثال السفينة، فقال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا). 
    إن البشرية الآن في سفينة واحدة، على وشك الجنوح، فلا بد لأهل القيم أن يأخذوا على أيدي الذين يريدون خرق السفينة،  
    ينبغي الانطلاق من الرغبة المشتركة النابعة عن المسؤولية المشتركة في إحلال السلم محل الحرب والمحبة مكان الكراهية والوئام بدل الاختصام، إذ من شأن ذلك أن يعبئ طاقات رجال الدين والمثقفين والأكاديميين -من أولي بقية  من كل الأديان والثقافات، للتحالف في حلف فضول لإزالة هذا الخطر الحضاري.
    يقوم هذا الحلف على تعزيز قيمة الحوار، فالحوار واجب ديني وضرورة إنسانية، وليس أمرا موسميا، الحوار من أصل الدين ومن مقتضيات العلاقات البشرية، ولذا أمر به الباري عز وجل فقال وجادلهم باللتي هي أحسن، وقال ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم.
    بالحوار يتحقَق التعارف والتعريف، والحوار يشهد للاستعداد الحاصل لدى جميع الأطراف لتقديم وجهات النظر النافعة والصالحة لحل مشاكل الكوكب الأرضي الذي نعيش عليه. 
    الحوار قيمة والحوار مفتاح لحل مشاكل العالم، الحوار احترام الاختلاف، فصاحب الحوار يحترم الاختلاف بل يحب الاختلاف، بحيث ينظر إليه كإثراء، كجمال كأساس لتكوين المركب الإنساني.
    الحوار يدخل في قوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، فهل لنا أن نأمل بالحوار اليوم في تنمية جوانب الخير والقيم الإنسانية الخيرة المشتركة؟.
    الأصل في الحوار هو الاختلاف: إننا لا ندخل في الحوار إلا ونحن مختلفان بل إننا لا نتحاور إلا ونحن ضدان؛ لأن الضدين هما المختلفان المتقابلان، والحوار لا يكون إلا بين مختلفين متقابلين أحدهما يُطلق عليه اسم "المُدَّعِي" وهو الذي يقول برأي مخصوص ويعتقده. والثاني يُطلق عليه اسم "المعترض" وهو الذي لا يقول بهذا الرأي ولا يعتقده.
    وأساليب الحوار عديدة، وصيغه متنوعة، فالحوار في الصحافة والقنوات وداخل الأندية والمؤتمرات ومجالس الشورى والبرلمانات، والمفاوضات التجارية في المنظمات الدولية للتجارة وبين الأفراد في الأسواق والبرصات وخصومات الأزواج في البيوت.
    وكل نوع من هذه الأنواع له طرقه وأساليبه.
    ويكون داخل الشعب الواحد حيث تتسع دائرة المشترك، وبين الشعوب المختلفة كالحوار بين الشرق والغرب، وبين الأديان والملل المختلفة، فيكون المنظور الإنساني يشكل آفاق الحوار.
    والحوار يقدم كما يقول أفلاطون البدائل عن العنف؛ لأنه بالحوار يُبحث عن المشترك وعن الحل الوسط الذي يضمن مصالح الطرفين، وعن تأجيل الحسم العنيف، وعن الملائمات والمواءمات، التي هي من طبيعة الوجود، ولهذا أقرها الإسلام، وأتاح الحلول التوفيقية التي تراعي السياقات، وفق موازين لمصالح والمفاسد المعتبرة. 
    إن اعتماد وسيلة الحوار لحل المشكلات القائمة يوصل إلى إدراك أن الكثير منها وهمي لا تنبني عليه مصالح حقيقية، وبهذه الحلول التوفيقية التي يثمرها الحوار، تفقد كثير من القطائع والمفاصلات والأسئلة الحدّية مغزاها.
    ويبنغي أن يكون الحوار عميقا عمق الإشكال الذي يعالجه، حوارا يطول جميع المستويات ويتجسد في كافة القطاعات، ينطلق من أبسط مستويات الحياة المجتمعية إلى أكثرها تعقيدا وتركيبا، من البيت إلى الجامعة.  فلنغرس ثقافة التسامح في النفوس، يجب اتخاذ السبل بكل الوسائل التثقيفية، وفي مقدتمها التعليم والتربية، والإعلام الجماهيري، لإيجاد تلك القيم والتصوُّرات، لضبط وكبح جماح النفوس الميالة إلى العنف، وترجيح كفَّة التسامح وحسن تقبُّل الآخر، وباختصار إيجاد الروح الاجتماعية، والتعايش البناء بين أفراد المجتمع. 
    ومعنى ذلك أنَّ المثل والقيم التي يتلقّاها، ويلقنها أفراد المجتمع، عن طريق القنوات والأدوات التثقيفية، في مختلف مراحل التعليم، ووسائل الإعلام بشتّى أشكالها، وغيرها من وسائل الاتصال الجماهيري ذات مضمون رصين متسامح، ومتعقّل، لا يخرج على النّهج العام السائد، والأعراف المقبولة، لشحن العواطف، وإلهاب المشاعر، دون وزن للعواقب، ولا مبالاة بالنتائج.
    وباختصار فلا بدّ من علاج بالمضادّات، ونعني بالمضادّات الحيوية ذلك الخطاب الحيّ الواعي الذي يقوم على نبذ العنف وزرع ثقافة السّلام والتّسامح والمحبّة، وتقديم البدائل أمام الشباب اقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً، ومحاولة صرف جهودهم ونشاطهم في قنوات لصالح المجتمع ولصالح التنمية وجَسر العلاقة بين مختلف الفئات وتجديد الفكر التوفيقي والمنهج الوسطي في النّفوس وحشد جهود الطبقة المثقفة في الجامعات والمدارس ووسائل الإعلام لذلك.
    سادتي سيداتي، 
    إننا في منتدى تعزيز السلم نؤمن بأنه على الرغم مما يلاحظ ببادي النظر من فشو الإسلامفوبيا وكافة أنواع التمييز والعنصرية وجنوح المشهد السياسي في الديمقراطيات الغربية نحو النزعات اليمينية المتطرفة المنابذة لقيم التعاون والحرية والاعتراف بالآخر، ما يزال هنالك لحسن حظ الإنسانية أغلبية من أولي بقية من محبي السّلم ترنو إلى الخير وتحكِّم العقل والمصلحة والقيم المشتركة وروح البحث عن التعايش السعيد بين الديانات والحرص على مبادئ التسامح والتعارف.
    وفي هذا السياق كان من التوفيق أن احتضن المنتدى مبادرة قافلة السلام الأمريكية، التي يقودها رجال آمنوا بضرورة التعاون الإيجابي بين أتباع الديانات الكبرى، من أجل التخفيف من النبرة العدمية وإبعاد شبح الكراهية والعنصرية الذي أصبح يلقي بظلاله القاتمة على مجتمعاتهم، القس بوب روبرت والإمام محمد ماجد والحاخام بروس لستق، والعشرات من الحاخامات والقسس والأئمة من مختلف الولايات الأمريكية انخرطوا في هذه المبادرة ليكوّنوا تيارا للسلام والوئام والأخوة باعتبار أن ذلك يمثل الروح الحقيقية للرسالات السماوية، وهكذا فإننا نطمح إلى أن تنتهي هذه المسيرة بتجمع كبير لرجال الدين يمثل حلف فضول. 
    إن نموذج قوافل السلام يمكن أن يكون نموذجا لنوع جديد من الحوار التعارفي، إنَّه حضور الذوات في الحيّز المكاني والزماني، ولو لمدّة محدودة، حضور يتمثل في التشارك في العيش في الحركة معا والأكل معا والنوم معا والسفر معا – والسفر سمي سفرا لأنه يُسْفِرُ عن أخلاق الرجال -كما يقول بعضهم، وكلُّهم يقوم بشعائر دينه التي هي جزء من حياته اليومية بمرأى ومسمع من الآخر... إنهم يتكلمون ويبحثون، ولكِنَّ الأهم أنهم يشاهدون ويشهدون، ويكتشفون في النهاية أنههم إخوة، يشتركون في أكثر مما كانوا يتصورون.
    ولهذا سعينا باحتضاننا له ومواكبتنا لجميع مراحله إلى ترسيخ هذا النموذج ليصبح آلية عملية ناجعة للتعاون والتعايش وأكثر عملية ونجاعة، وتقليدا ينبغي العمل على تعميمه والاستفادة منه.
    نعتقد أنه سيبقى نموذجا للتعارف لعملية الحوار بل لعملية التعارف الإيجابي والتعاون على البر في حركة نرجو أن تكون فاتحة عهد جديد في العلاقات بين ديانات العائلة الإبراهيمية وبالتالي أن تكون فاتحة عهد في التعاون بين أصحاب العقول النيرة وذوي النهى لتصحيح مسيرة الانسانية.
    وترتكز قوافل السلام، من حيث الإطار المرجعي على إعلان مراكش لحقوق الأقليات باعتبار أن إعلان مراكش قد وضع الأسس المعرفية والشرعية لإمكانية خطاب التعايش المؤصل في أفق المواطنة بين مختلف الديانات داخل المجتمعات المسلمة.
    وتنطلق المبادرة من الوعي العميق بالحاجة الماسة إلى تبني مقاربة السلم واضطلاع عقلاء العالم من القيادات الدينية بدورهم في صناعة جبهة فكرية موحّدة وصياغة تحالف إنساني يقوم على تفعيل دوائر المشتركات.
    وأهم هذه الدوائر وأولاها بالاهتمام هي دائرة المشترك الديني بين أتباع ديانات العائلة الإبراهيمية، بحيث يمكن أن تشكل منطلقا سليما ديانة وعقلا ومصلحة، فإنّ اليوم الذي يجتمع فيه أبناء هذه العائلة الإبراهيمية على المشترك الذي بينهم، وينبذون التصورات النمطية ومشاعر الكره لتجمعهم مشاعر الأخوة الإنسانية وحب الخير والصداقة، سيكون يوما مشرقا في تاريخ الإنسانية. 
    فعندما تتصالح الأديان وتتصافح فإن من شأن ذلك أن يعزز روح السلام في العالم ويسهِّل الولوج إلى طريق العدالة والخير ومعالجة المظالم والمظلوميات. وكما قال اللاهوتي السويسري هنس كونج لا يمكن للسلام العالمي أن يتحقق بدون أن يتحقق السلام بين الأديان.
    لقد آن لقادة الديانات أن يبرهنوا على فعالية أفضل وانخراط أكبر لهموم المجتمعات البشرية لإعادة الرشد وإبعاد شبح الحروب والفتن المهلكة إذا كان البعض ينظر إلى الدين كعامل تفرقة وتمزيق لنسيج الشعوب فنحن في مبادرة القوافل نريد أن نبرهن عمليا على أن الدين يمكن ويجب أن يكون سبيلا لالتئام المجتمعات البشرية والقضاء على أمراض الحقد والكراهية المستحكمة، تلك هي العبرة والدعوة والرسالة التي نوجهها من خلال هذه القوافل.
     إن جهودا كبيرة تبذل في نطاق كل الديانات من أجل السلام، تقام الصلوات وترفع الدعوات من أجل ذلك، لكن تيار التضامن والتعاون يجب في النهاية أن يبرز وأن ينجز أعمالا ميدانية تبرهن للعالم كله أن الدين في أصله هو عامل خلاص ورحمة للعالمين 
    إن ذلك يحمِّل رجال الدين عبئا في ما يتعلق بكل ديانة لمعالجة التطرف والغلو وطرد النعاج الجرب -كما يقول المثل - من القطيع، وإعادة التوازن في نطاق كل ديانة لبناء الجسور بين الديانات على أسس صلبة ودعائم قوية قابلة للاستمرار والاستقرار بل للازدهار والانتشار ولإعلان الانتصار على الشر وعلى جيش الشيطان (إنَّ الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا). 
    وفي الختام، فإنه يتعيّن: 
    أن نحمل جميعا رسالة السلام، ومعنى ذلك: 
    - أن ندرك حقائق المفاهيم المؤطرة للسلام وأن ندرك في نفس الوقت زيف تأويل المتطرفين وتحريف الغالين 
    - أن ننشر هذا الفهم من خلال كل الوسائل المتاحة في الصحافة والتعليم 
    - أن نقدّم مبادرات ميدانية لإفشاء السلام في المجتمعات التي نعيش فيها. 
    - أن نشجع برامج التسامح والتعايش
    - أن نقدم القراءة الصحيحة للشريعة، وأن نؤطر الأحكام التكليفية بخطاب الوضع ومعنى ذلك أن ننزل النصوص في بيئة الواقع ليكون التنزيل متوخيا لمقاصد الشريعة. 
    - أن نتضامن مع أولي بقية في كل مكان لنشر قيم السلام. 
    السير في ثلاثة اتجاهات والتركيز على ثلاث دوائر: 
    أولاً: ترتيب البيت الإسلام من خلال تفكيك منظومة الفكر المتطرف وإظهار عوار طرق الاستدلال لدى المتطرفين وضحالة منازعهم في الاستنباط بإبراز المناهج الصحيحة والمآخذ السليمة في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة، وهكذا يكون الكلي حاكماً على الجزئي، ويكون الجمع بين الأدلة بديلاً عن التجزئة، وتصبح المقاصد مترجمة لمغزى النصوص ومبينة مدى تطبيقها ومبرزة سبيل انسجامها وتنسيقها.
    بهذا المنهج نبين بحق أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلهم وآجلهم، وأن الرسالة الخاتمة إنما جاءت رحمة للعالمين، وأنه لا تعارض بين العقل والنقل إلى غير ذلك حتى يقضى على أفكار التطرف وآراء المتطرفين بالحجة والبرهان.      
    وهذا الجهد داخل البيت الإسلامي ضروري لهزيمة الفكر المتطرف الذي يشوه الإسلام ويقدم الذرائع للكراهية والبغضاء، لأن العلاقة بين متطرفي الإرهاب ومروجي الكراهية علاقة تلازمية، فكل منهما يمد الآخر، ويؤثر كلاهما على الآخر تأثيراً طردياً وعكسياً.
    أما الاتجاه الثاني: فإنه نقل الحوار إلى الدائرة الثانية، وهي الدخول في حوار على مستوى عالمي لتقديم الرواية الصحيحة عن الإسلام والتعايش مع المسلمين من خلال التأكيد على الصورة المنفتحة والمتسامحة للإسلام، والمصالح المتبادلة والمتداخلة بين المسلمين وغيرهم في المجتمعات، وتأكيد قيمة المواطنة والقيم الإنسانية النبيلة.
    أما الاتجاه الثالث: فالانتقال إلى مرحلة التضامن مع أولي بقية يلتزمون بالقيم والمثل المشتركة للأخوة الإنسانية، لتكوين "حلف فضول" ينبذ التمييز والكراهية، ولا يحمل ديناً ولا حضارة جريرة السفهاء، على قاعدة وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، حلف يدعو إلى السلام والإخاء بين أبناء البشر كافة، ذلك هو التيار الذي يجب أن تشكله النخبة من رجال الدين والفلسفة ورجال الفكر والأكاديميين من كل الديانات ومن كل الفلسفات، ذلك ما يسعي إليه منتداكم، ذلك ما نسعى إليه جميعاً.
    سائلا منه تعالى لمؤتمرنا هذا التوفيق والتسديد والسير على الصراط المستقيم والرأي الرشيد.
    الكلمة التأطيرية
  • بسم الله الرحمن الرحيم
     البيان الختامي للملتقى الرابع لمنتدى تعزيز السلم 
    أبو ظبي 22-24 ربيع الأول 1439 هـ/ 11-13 ديسمبر 2017م
    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ومصدقا لإخوانه من الأنبياء والمرسلين عليهم سلام الله أجمعين؛ وبعد 
    فانطلاقا من قول الله عز وجل (ياأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير- سورة الحجرات: 13) 
    ووفاء من "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" بعهده ووعده في التصدي لدعوى الربط بين الدين والعنف بتفكيك منظومة المفاهيم التي يتوسل بها المتطرفون في تبرير العنف بالدين.
    وقطعا للطريق على التطرف بتجفيف أحد منابعه وفك الارتباط بينه وبين أحد روافده المتمثل في إعلان المفاصلة النهائية بين المسلمين والعالم كله لإشعال حرب عبثية أبدية يخوضها الجميع ضد الجميع؛ مما يحقق للتطرف الديني ما يسعى إليه ويمنح في الآن نفسه لمشاعر الخوف ودعوات التخويف من الإسلام والمسلمين مسوغات التفاقم والتمدد.
    ونظرا لكون هذا الخوف اكتسب أبعادا جديدة في الاتساع والتأثير؛ إذ تجاوز العالم الغربي فضلا عن تحوله إلى الإسهام في صناعة السياسات العامة في دول كبرى فيما يتعلق بالهجرة، وبتحديد الموقف من الأقليات المسلمة، بل وحتّى في توجيه السياسة الخارجية كالقرار الأخير باعتبار الولايات المتحدة القدس الشريف عاصمة لدولة إسرائيل الذي يخدم المفاصلة الدينية ولا يسعد به دعاة السلام؛ بل يسهم في الربط النكد بين الدين والعنف باستفزاز المشاعر وإذكاء نار التطرف والاحتراب...
    فقد اختار منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة لملتقاه السنوي الرابع موضوع " السلم العالمي والخوف من الإسلام: قطع الطريق أمام التطرف". 
    واحتضنت أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة في عام زايد الخير وفي كنف رعاية كريمة من راعي المنتدى سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي بدولة الإمارات العربية المتحدة -حفظه الله- هذا الملتقى الذي دعي إليه حوالي 700 مشارك من بلدان العالم المختلفة من علماء ومفتين وقادة دينيين ومفكرين وباحثين وإعلاميين، مع حضور وازن لصفوة من الوزراء ومسؤولي وممثلي منظمات دولية وإسلامية. 
     تطرق المؤتمرون في هذا الملتقى إلى موضوع الخوف من الإسلام من زاوية تأثيره على السلم العالمي في سياق دولي يطبعه الاضطراب والاحتراب، وتناولوا بالدراسة والتحليل أسباب الظاهرة وخطورتها وآثارها على السلم الاجتماعي والدولي مبينين في المقابل الرؤية الإسلامية الصحيحة للسلم العالمي المنسجمة مع مقاصد الدين وكلياته والمعززة بالتجربة التاريخية المتفردة في مجال التعارف والتعايش. كما قدم المؤتمرون رؤى استشرافية لمسارات التعارف والتضامن بين المسلمين وغيرهم وتجارب رائدة في هذا المجال كقافلة السلام الأمريكية التي احتضنها منتدى تعزيز السلم في أبو ظبي والرباط هذه السنة.
    وبعد مناقشات طبعتها الصراحة والبحث عن تجاوز الأعراض والظواهر والاختلاف في التفاصيل إلى ملامسة الإشكالات الجوهرية في موضوع الملتقى والتحديات المشتركة التي يمثلها بالنسبة المجتمع الإنساني؛ خلص المشاركون في الملتقى الرابع لمنتدى تعزيز السلم إلى ما يلي:
    أولا- خطورة ظاهرة الخوف من الإسلام وآثارها: 
    - إن خطاب الخوف من الإسلام يؤدي إلى أضرار عظيمة وشروخ جسيمة داخل نسيج المجتمعات المركبة ويضر بنموذج العقد الاجتماعي القائم على أسس المواطنة المتساوية؛ فضلا عن كونه مجافيا لميزان العقل والأخلاق. 
    - إن تنامي خطاب الكراهية وسياسات التمييز في الغرب يرفد التطرف في الضفة الأخرى بأسباب يتمسك بها في اكتساب نوع من الشرعية الموهومة ويمده بأوعية متجددة لتجنيد المزيد من الأتباع والدماء الجديدة.
     -إن المرعب في واقعنا اليوم سواء تعلق بالتطرف الديني والمذهبي العقائدي، أو تعلق بظاهرة الخوف من الإسلام؛ أنه يواكب فترة زمنية تمتلك فيها البشرية أسلحة دمار شامل في إطار نظام عالمي قائم على توازن الرعب مع غياب الضمانات الكافية لعدم استعمالها؛ وخروج بعضها عن مراقبة الدول وسلطتها. 
    - إن هذا المشهد المتفاقم لا يجوز أن يُنسينا المواقف الحكيمة لحكومات غربية، ولأحزاب وازنة، ولقيادات دينية وشخصيات فكرية غربية مرموقة، ولغالبية هيئات المجتمع المدني التي تصدَّت لخطاب العنف والكراهية ضد المسلمين بالمبادرات القانونية وحملات التوعية والتضامن.
    ثانيا- أسباب الظاهرة: 
    - إن أسباب الظاهرة متنوعة ومركبة ولكن تعاظمها نتيجة نقصان التكاثف والتواصل بين العقلاء والحكماء من الضفتين لقطع الطريق على خطاب الكراهية والتطرف وصيانة الأفراد والمجتمعات من الإرهاب المادي والمعنوي.
    - إن هذه الظاهرة تكشف عن تخادم نوعين من التطرف: أحدهما يركب على مفاهيم دينية يعزلها من سياقها ليحارب بها العالم ويدمر وشائج التعارف والتعايش بين بني البشر، والثاني يوظف نفس المفاهيم المحرفة ليتهم دينا وأمة بالعنف والدموية واستحالة التوافق مع قيم العصر ومشتركات الإنسانية.
    - إن السبب المهيمن الذي ينبغي تخصيصه بمعظم المعالجة هو العلاقة المزعومة بين الإسلام والإرهاب. ذلك أن الأحداث الدموية المروعة التي جنت فيها أقلية جاهلة مجرمة على صورة الإسلام وسمعة الغالبية العظمى من المسلمين عززت الذاكرة التاريخية المختزلة في الصدام بين الضفتين. 
    - إن الأديان ليست متهمة بالعنف ولكن صناعة التدين التي هي صناعة بشرية أحالت الدين من طاقة للسلام إلى وقود للنزاعات الدينية والسياسية فأضرت بمصالح المجتمعات والأوطان في حاضرها ومستقبلها
    - إن من المفارقات التي ترتبط بهذه الظاهرة في علاقتها بالمسلمين أنهم ضحايا من جهتين: فهم من جهة أكثر ضحايا الإرهاب، ومن جهة أخرى هم المتهمون الدائمون في جميع قضايا الإرهاب. 
    -إن ذكر الأسباب لا يعني محاكمة جهة ما أخلاقيا أو قانونيا. فالمنتدى يعتبر نفسه وشركاءه إطفائيين يبحثون عن مقاربة إيجابية تعيد الثقة بين المسلمين وغيرهم، وتجلي الصورة الحقيقية للسلم في الإسلام: دينا وثقافة وحضارة وتاريخا. 
    ثالثا- مقترحات للعلاج: 
    - إن "المنتدى" يعتبر أن وسائل تعزيز السلم التي يتبناها في المجتمعات المسلمة هي نفسُ الوسائل التي تنشر السلم في كل المجتمعات الإنسانية، لأن منغصات السلم وعوائقه واحدة في كل مكان، وهي جزء من ظاهرة الرُّهاب والخوف من الإسلام.
    -إن "المنتدى" انسجاما مع مبادئه وطبيعة مشروعه لا يدعي الوصاية على مواطني الدول الأخرى فيما يلجئون إليه من الوسائل القانونية المتاحة لهم للتصدي لخطاب العنف والكراهية ولنيل حقوقهم، فلكل سياق خصوصيته ولكل مجتمع تنزيلاته الملائمة لأطر نظامه العامّ. 
    - إن علاج ظاهرة الخوف من الإسلام يمكن مقاربته من خلال دوائر ثلاث:
    1- إعادة ترتيب البيت الإسلامي: 
    - إن المنظومة الفكرية في نطاق المجتمعات المسلمة في أمس الحاجة إلى تجديد بإبراز المناهج الصحيحة والمآخذ السليمة في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة، فيعود الكلي حاكماً على الجزئي، ويجمع بين الأدلة عوض تجزئتها، وتصبح المقاصد مترجمة لمغزى النصوص ومبينة مدى تطبيقها ومبرزة سبيل انسجامها وتنسيقها.
    - إن من أعمدة هذا التجديد النظر إلى المفاهيم الشرعية والأحكام الجزئية في ظل القيم الأربعة الحاكمة في الشريعة: قيم الرحمة والحكمة والعدل والمصلحة، واعتبار خطاب الوضع من شروط وأسباب وموانع ورخص وعزائم...شريكا في إنتاج الأحكام خاصة أننا نعيش اليوم واقعا جديدا يتمازج فيه البشر وتتجاور فيه المعتقدات ويحتكم فيه إلى مواثيق دولية؛ مما يجعله فضاء للتسامح والتعايش برغم ما يحدث فيه من اختلالات.  
    - إن ذلكم التجديد يعيد المفاهيم الشرعية التي يبرر بها الفكر المتطرف إرهابه الأعمى كالجهاد ودار الإسلام وغيرها إلى مضامينها الحقيقية ووظائفها الأصلية سياجا للسلم وصيانة للعيش المشترك.
    - إن هذا الجهد داخل البيت الإسلامي ضروري لهزيمة الفكر المتطرف الذي يشوه الإسلام ويقدم الذرائع للكراهية والبغضاء، لأن العلاقة بين متطرفي الإرهاب ومروجي الكراهية علاقة تلازمية، فكل منهما يمد الآخر، ويؤثر كلاهما على الآخر تأثيراً طردياً وعكسيا.
    -إن من المهام الحاقة لعلماء المسلمين أن يبصروا المجموعات المسلمة في المجتمعات ذات الأغلبية غير المسلمة، بأهمية تعزيز روح الاندماج في المجتمعات المحتضنة لها، والتصرف بحكمة إزاء ما قد يصيبها من تمييز وكراهية. فذلك لا يتعارض مع ولاء المسلم للدين والوطن الأم، لأن الولاءات لم تعد دينية محضة، بل صارت ولاءات مركبة ومعقدة تتحكم فيها عوامل متداخلة لا تنفصل عن بعضها، ودوائر ومراتب بإمكانها أن تتواصل وتتفاعل بدلا من أن تتصادم وتتقاتل.
    2- الحوار مع الآخر:
    - إن كل المجتمعات صارت خليطا من الأجناس والأعراق والأديان واللغات، وهذا التنوع في المنطق الديني والإنساني ينبغي أن يكون محفزا على العمل الإيجابي والتعارف والتعايش
    - إن الإيمان بالمطلق لا ينافي الاعتراف بالاختلاف ولا يناقضه فالاعتراف بأديان الآخرين مقتضى عدم جواز الإكراه في الدين.
    - إن تبني قيم خلقية مشتركة مع الآخرين تقود إلى الانسجام والتعاون معهم والتصرف بإيجابية إزاء التحديات المشتركة
    - إن الأخوة الإنسانية، والحق في الاختلاف، وحرية التدين، والجدال بالتي هي أحسن، واعتبار المسالمة على بساط البر والقسط أصلا في العلاقات مع الآخرين هي قيم ومبادئ من شأنها تعزيز سبل الحوار والتعارف بين المسلمين وغيرهم.
    3- التحالف مع أولي بقية من أهل الأديان ومحبي الإنسان:  
    - إن أمام العالم وأمام الأديان -وخاصة العائلة الإبراهيمية منها -تحديا تجب مواجهته لاقتراح حلول إبداعية تستثمر فيها مشتركات العدل والتنمية الاقتصادية والسلم الاجتماعي في أقصى الحدود. وهي متطلبات يجب أن تتبوأ أعلى سلم أولويات العالم مع وضوح في الرؤية يبعد شبح الحروب العبثية.
    - إن المنتدى يتطلع إلى مقاربة جديدة في علاقات المسلمين بغيرهم -بل وفي العلاقات بين الثقافات والأديان عموما- قوامها القبول بالاختلاف بدل النقد والاتهام المتبادل وتحالف الجميع لخدمة الإنسان على هذه الأرض ليبادر الجميع إلى الفعل في الوقت المناسب؛ لأنه يخشى أن تصبح الأجيال المقبلة أسيرة سيرورات ليس لها عليها سلطانٌ كالنمو السكاني والتدهور البيئي والتفاوت بين الشمال والجنوب أو التمييز الاجتماعي.. 
    - إن الديانات المنتمية إلى العائلة الإبراهيمية عندما تتصالح وتتصافح تستطيع تعزيز روح السلام في العالم وتسهيل سلوك طريق العدالة والخير ومعالجة المظالم والمظلوميات.
    - إنه بدون القيم المستوحاة من الأديان يعيش عالمنا اليوم تدهورا أخلاقيا مريعا لا يمنع معه التقدم العلمي ولا التطور التكنولوجي من وصول القيم إلى الحضيض. 
    - إن تحالف القيم يمكن أن يقوم على ثلاثة عناصر جامعة للقيم المشتركة: التسامح، وقبول الاختلاف والتعددية، والحوار والتواصل.

    رابعا-  الوسائل: 
    - إن من الضروري إشاعة قيم السلم والتعايش والمحبة بين الأديان وبين بني الإنسان في مختلف منابر التأثير والتنشئة وخاصة تلك الموجهة إلى الطفولة والشباب، مع مزيد عناية بالجوانب الرمزية والإبداعية وبشبكات التواصل الاجتماعي لسهولة استعمالها واتساع نطاقها وفاعليتها.
    -  إن الحاجة ماسة إلى مراجعة المناهج الدراسية في المجتمعات المسلمة في ضوء قيم الإسلام الأصيلة بما تضمنته من تسامح واحترام لبقية الأديان والثقافات وحث على حسن المعاملة مع معتنقيها وبما تختزنه التجربة التاريخية للمجتمعات المسلمة في هذا المجال من ثراء وعطاء.
    -إن هذه المراجعة محتاج إليها أيضا على المستوى الدولي للتحقق من مدى استجابة المناهج الدراسية عموما لمقتضيات العيش المشترك وإشاعة قيم احترام الاختلاف والتعارف والتسامح والتضامن.
    - إذا كان ربط حرية الإعلام بالمسؤولية عن السلم الاجتماعي والدولي موضوع نقاش بسبب اختلاف السياقات الفكرية والثقافية؛ فإن الحاجة ماسة إلى ميثاق شرف إعلامي عالمي ينضم إليه المؤمنون بهذا التوجه ويسعون إلى توسيع أنصاره وتضييق شقة الخلاف بينهم وبين معارضيه لمصلحة التعايش والسلم بين البشر.
    خامسا- التوصيات:
    - تأسيس مرصد دولي للإسلاموفوبيا وأنواع الكراهية يكون منبرا للدراسة العلمية لأسبابها ومظاهرها وقوة اقتراحية لسبل التصدي لها والتوعية بمخاطرها.
    - تنظيم ملتقيات جامعة على الصعيد الدولي لمؤسسات التواصل والحوار بين الديانات والثقافات لتقويم المنجزات وتبادل الخبرات وتوحيد الجهود...
    - تأسيس برامج علمية ومنح دراسية لتشجيع التعارف وتبادل الخبرات بين أقسام الدراسات الشرعية في جامعات العالم الإسلامي والجامعات المعنية بتدريس الأديان في الغرب.
    - تخصيص جائزة سنوية لأفضل الدراسات الإسلامية والإنسانية والاجتماعية في موضوعات التعايش والتعارف.
    ويهنئ المؤتمرون منتدى تعزيز السلم على احتضانه للقافلة الأمريكية للسلام -المرتكزة على إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة- باعتبارها دليلا على إمكانية بل ضرورة الشراكة الإيجابية من أجل التعايش السعيد. فقد أظهرت هذه المبادرة إلى أي حد يمكن للعائلة الإبراهيمية أن تمارس قيم التعايش والأخوة الإنسانية عمليا وليس فقط نظريا. ويحدو المؤتمرين الأمل في أن تتطور هذه القافلة وترتقي إلى حلف فضول لتجسيد القيم المشتركة قيم السلام والمحبة والوئام بين ديانات العائلة الإبراهيمية لتشع بعدها على الديانات والثقافات لصالح الإنسان والإنسانية.
    كما ينوهون باختيار "المنتدى" للمؤسسة المصرية "بيت العائلة" للفوز بجائزة مولانا الحسن بن علي للسلم؛ نظرا لما تجسده هذه الشراكة بين الأزهر الشريف والكنيسة القبطية من قيم التعايش والتعاون وتعزيز اللحمة لوطنية.
     ويطيب للمشاركين في الملتقى الرابع لـ"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" ، أن يعبروا عن شكرهم الجزيل وثنائهم الجميل لدولة الإمارات العربية المتحدة على كرم الضيافة وحسن الوفادة؛ رافعين أسمى عبارات الامتنان إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله  وأمتعه بدوام الصحة والعافية، وإلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبو ظبي، وإلى أصحاب السمو حكام الإمارات؛ حفظهم الله. 
    وفي الختام يضرع المشاركون إلى العلي القدير أن يتغمد بواسع رحمته الأب المؤسس الشيخ زايد ويديم على دولة الإمارات ثمار ما غرسه في هذه الأرض الطيبة رحمة ورخاء وأمنا ومحبة. 
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
    البيان الختامي
الدين والدولة الوطنية - الملتقى الثالث

2016
الدين والدولة الوطنية - الملتقى الثالث

  • بسم الله الرحمن الرحيم
    تأسس "منتدى تعزيز السلم" منذ أكثر من سنتين ليكون فضاء للتفكير في سبل إطفاء الحرائق في المجتمعات المسلمة وإعادة العافية إليها بعدما دخلت في نفق مظلم من التدمير الذاتي، وتبين أن رياح التغيير التي هبت مع ما سمي بـ "الربيع العربي" ما كان لها أن تزرع مستقبلا مشرقا في غياب رؤية واضحة للهوية وللواقع بكل مستوياته وأبعاده ولمنهج النهوض والإصلاح. 
    وقد وضع "المنتدى" نصب عينيه وفي بؤرة اهتماماته إعادة النظر في منظومة من المفاهيم ذات الأصول الشرعية وإخضاعها للدراسة العلمية وعيا منه باعتبارين رئيسيين:
    أولهما: طبيعته – أي "المنتدى" - ووظيفته باعتباره منتدى فكريا وعلميا؛ غايته الإسهام في إطفاء حرائق الأمة وتجنيبها الانفجار، ووسيلته تجديد منهج فهم الخطاب الشرعي والدعوة إلى الالتزام بنتائجه. فهو يدرك الطابع المركب للأسباب التي أوصلت المجتمعات المسلمة إلى ما وصلت إليه؛ تاريخية وآنية، ذاتية وموضوعية، مادية ومعنوية؛ لكنه يؤمن بأن إيقاف النزيف وإحلال السلم هو "واجب الوقت" بالنسبة للعلماء والقادة الدينيين والمفكرين ورجال السياسة. وهو واجب يستحق أن تتضافر فيه جهود كل العقلاء من أبناء الأمة ومن محبي الخير لبني الإنسان. وهذا الموقف ما لبث " المنتدى" يبرهن في لقاءاته الفكرية على أنه من صميم الشرع؛ لم يتخذ ليجامل أحدا، أو ليحابي هيئة، أو ليتعصب لطائفة، أو لينتصر لشريحة اجتماعية على أخرى... وما فتئت الأحداث والوقائع تبرهن على أن المجتمعات المسلمة لا خيار لها غير خيار السلم بكل أبعاده، وأن كل ما ينصرم من أعمارها في غير هذا الاتجاه يقربها أكثر إلى فناء الإنسان وخراب العمران وتقسيم الأوطان.
    ثانيهما: خطورة الأفكار والمفاهيم في حياة الأفراد والأمم؛ خاصة أن كثيرا من المفاهيم ذات الأصول الشرعية أصبحت تنتزع من سياقها وتوظف لما يناقض مقاصدها. وقد أفضت هذه الظاهرة في أقل نتائجها سوءا إلى تقوية الانقسام والتشرذم في المجتمعات المسلمة التي ما زالت تبحث عن استقرار اجتماعي بعد تغير أنظمتها السياسية. أما الأسوأ من نتائجها فهو ما يشاهده العالم كله من كيانات طفيلية تقدم نفسها بديلا للدول الوطنية القائمة؛ بل وتسعى إلى استتباعها باسم "الخلافة الإسلامية". وهي كيانات لا يضاهي حرصها على توظيف المصطلحات والرموز الإسلامية الشرعية أو التراثية إلا حرصها -حيثما وجدت أو وجدت لها أتباعا حقيقيين أو مصطنعين- على انتهاك كل حرمة من حرمات الدين وخاصة حرمة النفس البشرية وبطرق وأساليب غير مسبوقة في بشاعتها وعبثيتها.
    وقد تحصل لدى "المنتدى" اقتناع راسخ بأن من الأفكار والمفاهيم التي تسهم في إنتاج هذا الواقع تلك التي لها علاقة بمشروعية الدولة الوطنية في الفكر والوجدان الإسلامي المعاصرين. فبعد سقوط " الخلافة العثمانية" بقي كثير من العلماء والمفكرين المسلمين ينظرّون لعودة نظام الخلافة، وظهرت حركات وأحزاب تنادي بذلك وتعمل من أجله. وقد أسهمت هذه الثقافة -من بين عوامل عديدة- في إضعاف الولاء للدولة الوطنية. كما أسهم فيها تصور لما يسمى "بالدولة الإسلامية" حفلت به الأدبيات الفكرية والحزبية في العقود الأخيرة، ووجد صداه عند طائفة من العلماء. وهو تصور يصرح أصحابه أو يلمحون إلى عدم مشروعية الدولة الوطنية كما هي قائمة في العالمين العربي والإسلامي لكونها لا تستجيب لتصورهم للمواصفات الشرعية للدولة.
    وقد وضع البيان الختامي للملتقى الثاني "للمنتدى" (2015م) أصبعه على هذا الموطن من مواطن الأدواء والأخلال في الثقافة الشرعية السائدة وصرح بوضوح بأنه "قد آن الأوان لكي يتصالح المسلمون مع دولتهم الوطنية؛ باعتبارها شكلا من أشكال نظم الحكم الذي لا يخضع إلا لقواعد المصالح والمفاسد والترجيحات والموازنات، وعلاقة تعاقدية لا تفقد مشروعيتها بمجرد الأخطاء؛ ولا تعفي إخفاقاتها من واجب الحوار البناء والنصح الحكيم بين المتعاقدين؛ حتى يتمحض جهد الجميع لبناء القدرات والإمكانات، وسد الثغرات، والتعاون على البر والتقوى، والتطلع إلى الريادة، واستعادة موقع الأمة التي أخرجت للناس رحمة بهم ونصحا لهم".
    ويثير " المنتدى" اليوم موضوع مشروعية الدولة الوطنية لاعتبارات متعددة منها:
    أ- أن نزع المشروعية عن الدولة الوطنية هو المسوغ الذي يلتئم حوله الآلاف من أبناء الأمة الإسلامية وشبابها على الخصوص ليلتحقوا بكيانات لا شرعية لها لا دينيا ولا شعبيا، وليصبحوا باسم "دولة الخلافة" وقودا لحروب تجهز على ما تبقى من مظاهر العافية والاستقرار في المجتمعات المسلمة وتهلك الحرث والنسل.
    ب- أن نزع المشروعية عن الدولة الوطنية بحجج لا تأخذ بعين الاعتبار الظروف الذاتية والموضوعية للدولة الوطنية يحول دون انخراط شرائح عريضة من مكونات المجتمعات المسلمة في دعم المكتسبات، وتطوير الإمكانات، والمشاركة الإيجابية في العمل السياسي، ويشجع ازدواجية الخطاب وتقلب المواقف، ويضعف الثقة الضرورية بين الفاعلين السياسيين. كما أنه من أقوى دوافع السعي إلى التغيير العنيف لأنظمة الحكم؛ وهو الأمر الذي خلف في الغالب الأعم كوارث ما زالت آثارها على حاضر المجتمعات المسلمة ومستقبلها في طور التشكل.
    ج- أن التغيرات الجذرية التي طرأت على المجتمعات المسلمة في أنظمتها السياسية والقانونية وفي أنساقها الثقافية والفكرية والتربوية بعد مرحلة الاستعمار وطبيعة العلاقة بين الدولة الوطنية والنظام السياسي الدولي.. وأثر كل ذلك على الأحكام الشرعية ذات الصلة بنظام الحكم ومؤسساته وممارسة السلطة والتنظيمات السياسية ... لم يصدر فيها لحد الآن من حيث التنظير الفقهي ما يمكن اعتباره اجتهادا حاسما ولا رأيا حازما حاكما. وليس القصد من هذه الدعوى التبخيس من قيمة ما كتب عن الدولة من منظور شرعي من أدبيات أو بحوث عدد منها يساعد في تبين الإشكالات المشار إليها آنفا؛ لكن حصيلة ما ألف في الموضوع إما تأصيل لصور تاريخية للدولة ومؤسساتها ووظائفها في التراث الإسلامي، أو تصورات نظرية لدولة منشودة في معزل عن الواقع المعاصر للمجتمعات المسلمة، أو معالجة لظواهر جزئية مرتبطة بالدولة الوطنية لم تقصد النفاذ إلى لب الإشكال.
    وسعيا إلى طرح مشروعية الدولة الوطنية على بساط البحث والنقاش العلمي سيتدارس العلماء والمفكرون والباحثون والفاعلون السياسيون يومي (18- 19 ربيع الأول 1438 هـ/ 19-18 ديسمبر 2016م) بحول الله المحاور التالية:
    المحور الأول: الدولة في الفكر والتجربة التاريخية للأمة قديما وحديثا:
    للتجربة التاريخية للأمة في مجملها أثر كبير في ترشيد تجارب الحاضر وإلهام رؤى المستقبل. والملاحظ أن كثيرا مما يحرك الوجدان الإسلامي العام في توقه إلى استعادة الأمة لموقعها الريادي تصورات انتقائية لمحطات من تاريخ الأمجاد والانتصارات والكيان السياسي الواحد الجامع للمسلمين. إلا أن دراسة التجربة التاريخية للأمة مع "الدولة" يوقفنا على تنوع كبير في الصيغ، وتفاعل مع مراحل القوة والضعف، والوحدة والتجزئة، والتعايش والصراع. وهو تنوع انعكس بدوره على الفكر الإسلامي بمختلف اتجاهاته وتياراته.
    ويتضمن هذا المحور موضوعين:
    أ- الدولة في الفكر والتجربة التاريخية للأمة إلى نهاية السلطنة العثمانية.
    ب- من الخلافة إلى الدولة الوطنية.
    فالأول مخصص لرصد الاتجاهات الفكرية الكبرى في التنظير لقضية الدولة وشرعيتها في الفكر الإسلامي، ولمجمل التجارب في بناء الدولة؛ في تنوعها وفي علاقتها بالمجتمع والأمة والآخر إلى نهاية عصر السلطنة العثمانية ودخول الاستعمار الأجنبي.
    والثاني يروم تحليل الظروف العامة للتحول إلى الدولة الوطنية، وما واكبها من تطلعات فكرية وتيارات سياسية تتوق إلى إعادة "الخلافة"؛ في مقابل تصورات واعية بأبعاد التحولات العالمية، وباحثة عن الإصلاح في إطار المواءمة والتوفيق.
    المحور الثاني: الدولة بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية 
    لخص أبو المعالي الجويني (ت 478 هـ) القول في معظم مسائل الإمامة بكونها " عريّة عن مسلك القطع خليّة عن مدارك اليقين".  وهذا القول الجامع منبعه استقراء الجويني لمجمل ما دار حول النصوص الشرعية في قضايا الدولة والحكم من استنباطات وفهوم بدءا من عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وملاحظة أثر السياقات التاريخية على من سبقوه إلى الكتابة في " السياسة الشرعية".  ويتعزز هذا الاستقراء بما يحفل به التراث الفقهي الإسلامي من اجتهادات متنوعة لم يعتبر فيها الفقهاء إلا تحقق المصالح العامة من وجود الدولة كحفظ الضروريات الخمس؛ ومن ذلك إجازتهم – مثلا- إمامة المتغلب وإلغاء اعتبارهم قرشية نسب الحاكم حفاظا على السلم والأمن ومراعاة للكفاءة والقدرة على تدبير شؤون الدولة.
    ومقتضى هذا التحقيق أن للمجتمعات المسلمة سعة في هذا الأمر، وأن المشروعية الدينية للدولة ليست مرتبطة برسوم معينة بل بقدرتها على تحقيق المصالح الضرورية وفي مقدمتها ضمان السلم والأمن للمجتمع دون أن يعفيها ذلك من الوفاء ببقية ما تطيقه من مسؤوليات وعلى رأسها إقامة العدل.
    ويتضمن هذا المحور موضوعين:
    أ- الدولة في النصوص الشرعية واجتهادات الفقهاء.
    ب- المصلحة وتدبير الدولة في الفقه السياسي الإسلامي.
    فالأول لبيان النصوص الشرعية الحاكمة لموضوع الدولة وتمييز مستويات القطع والثبات فيها في ضوء فهوم واجتهادات أئمة الفقه الإسلامي، والثاني لتجلية مركزية المصلحة الشرعية في فقه الدولة، وما تمنحه أصول الشريعة وقواعدها ومقاصدها للمسلمين في كل عصر من إمكانات الاستمرار والتكيف والتطوير واستيعاب ما وصلت إليه التجربة الإنسانية من صيغ وأشكال وآليات في تشكيل الدولة ووظائفها وعمل مؤسساتها؛  وذلك بحسب ما يطرأ على واقعهم من تغير، وما يواجههم من تحديات، وما يصطدمون به من إكراهات.
    المحور الثالث: إسلامية الدولة  
    دأب المنتدى في كل ملتقى من ملتقياته على التصدي لأشكال سوء فهم المفاهيم الشرعية أو مصادرتها بطروء خلل على أحد عناصر تكوينها؛ "سواء كان مدلولا لغويا وشرعيا، أو مقاصد وعللا مولدة للأحكام، أو واقعا وبيئة هما مجال التنزيل". وبما أن المفاهيم ذات العلاقة بالسياسة هي أكثر المفاهيم إغراء بالتوظيف؛ فقد شاعت أفكار لها تعلق بالدولة في سياق نزع المشروعية الدينية عن الدولة الوطنية منها اعتبار "دولة الخلافة" وحدها مستحقة للمشروعية، أو المطابقة بين "تطبيق الشريعة" وإقامة الحدود الشرعية، أو إقامة تعارض بين الولاء للدولة الوطنية والولاء للأمة الإسلامية.
    ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:
    أ-الخلافة وإسلامية الدولة
    ب- التشريع وإسلامية  الدولة.
    ج- مسألة الولاء وإسلامية الدولة.
    فالموضوع الأول بسط للقول في مصداقية الربط بين المشروعية الدينية للدولة وبين كونها دولة خلافة. أي هل يصح أن نعتبر هذه الصيغة التاريخية التي جربتها الأمة وحققت مقاصدها في جمع كلمة المسلمين في سياق تاريخي ملائم كان الفقهاء يقسمون فيه العالم إلى دار إسلام ودار حرب شرطا في مشروعية أي دولة ذات أغلبية مسلمة؟ ألم ينته فقهاء أهل السنة إلى إقرار تعدد الأئمة- أي تعدد الدول بالنسبة لهم- إذا تباعدت الأقطار ثم تنازلوا حتى عن هذا الشرط رعاية للمصالح العامة؟ ألم تقم دول مستقلة عن الخلافة في بلدان من مشرق العالم الإسلامي ومغربه وأقر بمشروعيتها علماء البلد وقضاته ومفتوه؟ ثم على افتراض أن الصيغة المثلى للدولة في ديننا هي صيغة دولة الخلافة؛ هل يسمح السياق الدولي الحاضر بقيام دولة من هذا القبيل؟ بل هل يجوّز الشرع محاربة الدول الوطنية المسلمة بقصد توحيدها في دولة جامعة؟ 
    والموضوع الثاني سعي للإجابة عن أسئلة لم تعد تحتمل التأجيل؛ ومنها: 
    ما المقصود بأن دولة ما "إسلامية"؟ خاصة أن هذه النسبة لم ترد عند القدامى؟  أي هل يصح وصف دولة -كما يوصف الأفراد- بإسلام أو إيمان؟ أي هل الإسلام والإيمان ومن ثم الورع والفسق وغيرها من أوصاف ومراتب القرب والبعد من الدين يصلح أن يوصف بها كيان معنوي كالدولة كما توصف -مثلا- بأنها ديمقراطية أو ديكتاتورية بالنسبة لنظامها السياسي أو ليبرالية أو اشتراكية بالنسبة لنظامها الاقتصادي؟
    ثم ما معيار "الإسلامية" إذا أجزنا أن يكون صفة للدولة؟ هل هو وجود أغلبية مسلمة وإقامتها للشعائر؟ أو تطبيق أحكام بعينها؟ وإذا افترضنا أن المشروعية الدينية للدولة مرتبطة بتطبيق الشريعة فما الذي يعنيه هذا المركب الإضافي؟ وهل يمكن اختزاله في إقامة الحدود؟ وهل بوسعنا أن نعتبر عدم إقامة الحدود مجرد نزوة شخصية للحاكم إذا ما استحضرنا تأثير التغيرات الجذرية في موازين القوى بين العالم الإسلامي والغرب منذ العصر الحديث، وكذا خصائص الدولة الوطنية وإكراهاتها في عصر العولمة، وأيضا وجود مؤسسات أممية ومواثيق دولية ...إذا استحضرنا تأثير كل ذلك على الأنظمة والاختيارات القانونية في العالم الإسلامي؟
    أما الموضوع الثالث فلتصحيح مفهوم الأمة باعتباره مفهوما دينيا لا سياسيا ولتفكيك التصورات التي تقيم تعارضا بين الولاء للأمة والولاء للوطن والدولة الوطنية.
    المحور الرابع: الدولة الوطنية: المفهوم والسياق:
    ويتضمن هذا المحور الموضوعين التاليين:
    أ- مفهوم الدولة الوطنية
    ب- خصائص الدولة الوطنية في العصر الحديث
    فالأول بحث في مفهوم الدولة الوطنية باعتباره مفهوما مركزيا في هذا الملتقى، ورفعا لأي التباس قد يحصل حول تعارض هذا المفهوم من حيث هو مع الشريعة.
    والثاني محاولة لاستجلاء الخصائص المميزة للدولة الوطنية في العصر الحديث وآثارها على النسيج الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتشريعي للمجتمعات المسلمة؛ كالسيادة المنقوصة في علاقتها بالنظام الدولي وموازين القوى، والاقتصاد المرتبط بنيويا بالاقتصاد الدولي وتقلباته، وتمازج البشر والثقافات والمعتقدات وتطور وسائل التواصل إلى درجة يستحيل معها الرقابة التربوية على الأفراد، وأثر الفردية ونمو فكرة "الفرد" على الامتثال للأحكام الشرعية...

    المحور الخامس: سيادة الدولة في سياق العولمة ( ندوة) :
    عرفت سيادة الدولة الوطنية في العقود الأخيرة تغيرات كثيرة وعميقة شملت المكان والسكان  والصلاحيات والتشريعات. وهي تغيرات مرشحة للتوسع لأسباب متعددة منها : تنامي نفوذ ومجال عمل الشركات المتعددة الجنسيات، ودخول الدول في التزامات دولية جديدة بحكم انخراطها في منظمات إقليمية ودولية وتوقيعها على اتفاقيات ومعاهدات؛ وخاصة تلك التي تتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات، ومنها ارتباط بعض الظواهر بدول الجوار أو تأثيرها على المستوى الدولي كقضايا المياه والبيئة؛ دون ان ننسى التحديات التي تفرضها بعض الظواهر على سيادة الدولة كتداعيات الإرهاب العابر للقارات.
    وبما أن المجتمعات المسلمة معنية –ربما أكثر من غيرها -بهذه الظاهرة فسيخصص هذا المحور لدراسة المآلات المحتملة لسيادة الدولة الوطنية في سياق العولمة والفرص المتاحة للتكيف معها .
    المحور السادس: الدولة الوطنية وتعزيز السلم:
    يتضمن هذا المحور -من جهة- تحليلا للمنطلقات الثقافية لسعي جماعات مسلحة باسم الإسلام إلى إقامة "دولة إسلامية" أو "خلافة على منهاج النبوة" يبيح "الجهاد " من أجل إقامتها كل أشكال العنف المحرم دينيا وإنسانيا ضد المسلمين -في المقام الأول - وضد غيرهم، وكل الوسائل اللاأخلاقية لضمان استمرار هذا الكيان وتوسعه، ويسعى لبيان آثار انتشار هذه الجماعات والاستقطاب العابر للدول والقارات التي تمارسه لتجييش الأنصار ونشاطها العسكري والممارسات التي تقوم بها -حيث تتحكم- على المجتمعات المسلمة في المدى القريب والبعيد.
    كما يثير هذا المحور – من جهة ثانية- موضوع الدولة الوطنية ودورها في تعزيز السلم باعتبارها دولة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، ولكونها أيضا الوحيدة المخولة باستعمال العنف – إذا اقتضى الأمر- لتطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات. 
    ويتضمن ها المحور الموضوعين التاليين:
    أ- أطروحة الدولة الدينية وتسويغ العنف.
    ب- الدولة الوطنية واحتكار العنف.
    المحور السابع: تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في تعزيز السلم:
    يتابع "منتدى تعزيز السلم" بهذا المحور ما بدأه في ملتقاه الثاني (منتدى 2015م) من رصد  وتجلية لعناصر الأمل في إحلال أو تعزيز السلم الاجتماعي في الواقع المعاصر وخاصة في المجتمعات المسلمة. وهنا تحضر تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة المتميزة باحتضان طيف واسع التنوع من الجنسيات والمعتقدات التي تتعايش في جو من التسامح يعززه إصدار أول قانون عربي في تجريم ازدراء الأديان والمقدسات، وتجريم أفعال وأقوال التكفير، ومكافحة كافة مظاهر التمييز والكراهية على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفة أو ما سوى ذلك من مبررات التمييز.
     المحور الثامن: "إعلان مراكش": شهادات ومقترحات: 
    منذ صدور "إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية" أواخر شهر يناير من هذه السنة وهو يثير نقاشات علمية عميقة في منتديات ومحافل دولية. ويرجع هذا الاحتفاء إلى كونه إعلانا: أ- مؤصلا ينطلق من قيم "صحيفة المدينة" التي كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد دخوله المدينة المنورة لتكون بمثابة دستور لمجتمع متعدد الديانات والأعراق . 
    ب- صادرا باتفاق ومصادقة جميع الحضور من العلماء وصناع القرار من المسلمين وبمباركة نحو أربعين ممثلا للهيئات الدينية من غير المسلمين بجميع طوائفهم ومللهم.
    ج- متضمنا لخطوات إجرائية وتوصيات قوية ترمي إلى ضمان حقوق الأقليات الدينية في المجتمعات المسلمة وتعزز ثقافة التعايش والتسامح اجتماعيا وتربويا وقانونيا.
    ونظرا لما ترتب عن " إعلان مراكش " من نقاشات وما أطلقته بعض الشخصيات والهيئات التي شاركت فيه من مبادرات فإن هذا المحور مخصص لشهادات تؤكد أهميته وخصوصيته ومقترحات لتفعيل مضامينه وتوصياته علميا وعمليا.
    ويطمح " منتدى تعزيز السلم" في ملتقاه الثالث بطرح موضوع "الدولة الوطنية في المجتمعات المسلمة" -الذي لا تخفى أهميته على الباحثين والمتتبعين لمجريات الأمور - على بساط البحث العلمي والنقاش الفكري بين علماء الدين والمفكرين والباحثين في علوم السياسة والعلوم الإنسانية وخبراء الاستراتيجية وغيرهم من المهتمين ... إلى بلورة تصورات تسهم في تحقيق مصالحة بين المجتمعات المسلمة ودولها الوطنية نابعة من مقاصد الشرع الحنيف واستقراء تجارب الماضي وعبره واستحضار مخاطر الحاضر وإكراهاته ومآلات المستقبل وفرصه. 
    والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
    الورقة التصورية
  • بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه
    والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين
    أما بعد: 
    فيشاء الله عز وجل أن يجمعنا في هذا الملتقى الثالث، على أرض زايد رحمه الله، أرض الإمارات العربية المتحدة، أرض الخير والنماء، فنسأل الله أن يبارك في الأرض وأهلها، وأن يوفقهم إلى الخير، ويهيء لهم من أسبابه. وأن يعم الأمن والأمان، والسلم والسلام على بلاد الإسلام، وعلى الإنسان في كل مكان.
    أيها السادة العلماء، أيها السادة المفكرون:
    لماذا نجتمع؟، ولماذا موضوعنا الدائم هو السلم؟.
    نجتمع لنؤكد أهمية السلم في هذه الحقبة، التي تتميز بوضع عالمي غير مسبوق يشهده العالم عموما، والعالم الإسلامي خصوصا، والعربي بشكل أخص. فالوضع الذي كان قائما في الملتقى الأول والثاني، لم ينفك يتفاقم، بل اشتد أوار النزاعات، واستفحلت الخصومات، وصار القتل والقتال عملة وسلعة رائجة، فلا تسمع إلا مذبحة هنا، ومجزرة هناك، وانفجارا في الشرق وآخر في الغرب تذهب ضحيته الأرواح البريئة التي لم تجن جناية وولم ترتكب إذاية، وتحقق معنى النبوءة: "لا يدري القاتل فيم قَتلَ، ولا المقتول فيم قُتل".
    فلا تزال الساحة تمور بالفتن، ولا تكاد تمر فترة دون أن يصدر قانون أو يتخذ إجراء ضد المسلمين أشخاصا حقيقيين أو اعتباريين، ودون أن نسمع بتصريحات تؤجج نيران العنصرية الدينية، فحتى الحملات الانتخابية وجدت في العنصر المسلم مادة انتخابية تستميل بالتحريض ضده أصوات الناخبين في البلدان الكبرى المُمَكَّنة في الأرض تروج لإشكالية الدين الإسلامي ومشكلة المسلمين.
    لقد قرر منتداكم هذا أن يكون منبرا رفيعا ومنصة سامقة لتقديم بيان يعيد مفاهيم الدولة إلى نصابها، ويسمح لهذه المنطقة المنكوبة أن تظفر من السلام والعافية بنصيبها.
    أيها السادة:
     لقد نوهنا في  كلمتنا التأطيرية لملتقانا الثاني في 2015  ب"أن القضايا التي شغلتنا ما زالت غير مُستوعَبةٍ، والقيم التي دافعنا عنها غير مُتَمَثَّلةٍ، والنصوص الشرعية التي سردناها غير ممتثلة. إن الهم هو أن تنبت شجرة السلم، والتي تحتاج وقتا لتقوم على سوقها وليس المهم من يستثمر أو من يستظل، ولكن المهم هو إنجاز المهمة التاريخية"، وهي المهمة التي نحن بصدد إنجازها، وإن شاء الله سائرون عليها، لأن غايتنا أن ننشر السلام وثقافته، والغاية تبرر الوسيلة في هذا المقام. 
    ولتوضيح الصورة، وليكون ذلك في متناول الجميع، استكتب المنتدى مجموعة من الباحثين الأذكياء، وأعد أضابير كتب صغيرة أفرد لكل موضوع كتابا وهي الآن في طور التحكيم والأهم من ذلك أنه ومنذ انعقاد المؤتمر الأول لتعزيز السلم انتشرت مصطلحات ثقافة السلم ومفرداتها، وتأثث فضاء الفكر بمفاهيمه، ونحن نعلن أننا لا ندعي ملكية فكرة أو طرح، فكل ما نفكر فيه ونطرحه ملك للجميع.
     لقد عقدنا مؤتمرا لبعض المفردات الغائمة في الأذهان كمفهوم المواطنة بالنسبة للطوائف المختلفة دينا في البلاد ذات الأغلبية المسلمة، وشاركنا في عدد كبير من المحافل العربية والدولية، وارتقينا أعلى المنابر الأممية حاملين للناس دعوة سلام نرجو أن تهوي لها أفئدة من أولي بقية تؤمن بأولوية السلم، وأن تعيها أذن واعية.
    ما هو موضوع الملتقى؟
    إننا نجتمع لاستئناف ما بدأناه في ملتقياتنا السابقة من تشخيص وتأصيل لعدد من المفاهيم نرى أن ما وقع فيها من خلل مدخل من مداخل الأزمة التي نعيشها اليوم، وفي الوقت نفسه تصحيحها من أهم المخارج التي ننفذ من خلاله إلى فضاء السلم الرحيب.
    هذه المفاهيم يمكن القول إنها وجدت ونبتت ونمت خارج الضبط العلمي فمنها ما هو قديم بالجنس جديد بالنوع ينطبق في وقت ووضع تاريخي معين، لكنه مع غياب شروطه الزمانية والإنسانية أصبح من المتعين ضبطه من جديد كمفهوم الجهاد ومفهوم الدار.
    لقد رأى مجلس الأمناء بسبب الأوضاع التي شهدتها المنطقة أن يكون مؤتمر المنتدى الثالث في مواجهة مفهوم لا يقل خطورة عن سابقيه من المفاهيم التي تعاملنا معها في ملتقياتنا السابقة والتي احتجنا في ما سبق إلى مراجعتها وضبطها على ضوء المتغيرات الواقعة في الزمان والمكان والإنسان،  هذا المفهوم هو مفهوم الدولة والدولة الوطنية الذي نعتبره من المفاهيم المفجرة التي يجب تفكيكها وإعادة تركيبها، كونُه تذرع به البعض لتحقيق غايات يضفي عليها الشرعية من خلال نصوص مجتزأة من سياقاتها، ومن خلال إهمال فج لأدنى قواعد منهج تنزيل الأحكام والمفاهيم التي أصل لها علماء المسلمين عبر الأزمنة المتوالية.
    وسيكون مدخلنا إلى موضوع هذه الكلمة التأطيرية من خلال توطئة نتحدث فيها عن صناعة المفاهيم وأهميتها، لندخل في صلب الموضوع بالحديث عن مسألة الدولة وعلاقة الدولة بالدين مع التطرق إلى الرؤية الغربية لهذه العلاقة، ثم لنناقش قضية إسلامية الدولة، وقضية الخلافة والدولة الوطنية التي سنتناولها من خلال ثلاثة قضايا: 
    - الأولى: تتعلق بالإحالة بين ما هو ديني وما هو دنيوي.
    - الثانية: تتعلق بسؤال: هل الخلافة تعبدية أـم مصلحية؟
    - الثالثة: هي إطار شرعي للقضيتين الأوليين، ولزاوية النظر إلى قضية الدولة الوطنية، وهو ما يتعلق بمركزية المصلحة في تدبير الشأن العام.
    ما هي منهجيتنا؟
    في محاولة دائبة لتصحيح ما لحق بها من الخلل والتحريف الناشئ عن سوء فهم للأصول الأولى أو جهل بالشروط الزمانية والمكانية التي تعيد صياغة المفهوم لأنها تمثل عنصرا ضروريا لمركب المفهوم بناء على أن المفهوم دائما هو شيء مركب وليس بسيطا وإننا في ذلك نعتمد على أساسيين هما الشريعة نصوصا ومقاصد، والواقع الإنساني مصالح ومفاسد في مزاوجة بين العقل والنقل بأدوات أصولية صحيحة الانتماء للمنظومة التراثية ووسائل معاصرة... 
    وبالنسبة للأدوات الأصولية فإنها تعتمد النص الواضح والتأويل الشارح والتعليل السالم من القوادح مستلهمة من القاصد القائمة على كلية كبرى مسلمة وعلى أخرى مستقرأة وعلى أقيسة جزئية فيها الحمل على النظير واعتبار الغائب بالشاهد العتيد.
    لقد تحدثنا عن هذه المنهجية في كل ملتقايتنا، لكننا جمعناها في نظام واحد في كلمتنا التأصيلية لمؤتمر مراكش للأقليات الدينية الذي عقده المنتدى بشراكة مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية في يناير 2016، وحددناها في إحدى عشرة نقطة:
    1- الانطلاق من مسلمة أن نصوص الشريعة بمنزلة النص الواحد، وأن كل المفاهيم الشرعية مرتبطة بمكونات هذا النص، وذلك في مواجهة منهج وثقافة الاجتزاء.
    2- البحث في الاحتمالات والحمولات اللغوية التي تهيئ النص والمفهوم للتأويل والحمل.
    3- الجمع بين النصوص وسياقات المفاهيم.
    4- البحث في التجاذب بين الكلي والجزئي من النصوص والمفاهيم والموازنة بينها لتفادي الاجتزاء.
    5- تبييء الخطاب التكليفي المؤسس للمفاهيم ضمن بيئة خطاب الوضع، باعتبار خطاب الوضع ناظما للعلاقة بين خطاب التكليف بأصنافه وبين الواقع بسلاسته وإكراهاته.
    6- مراجعة سياقات المفاهيم بتحيين عديد منها على مر التاريخ لتلائم الزمان ضمن عملية تحقيق المناط.
    7- رعي العلاقة بين الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد بالنظر إلى المعاني والمصالح ومراتبها.
    8- مراعاة كلي الزمان والعصر باعتبار أن الواقع شريك في بناء الأحكام وتقرير المفاهيم وصور تنزيلها.
    9- النظر في المئالات والعواقب.
    10- ملاحظة موارد الخطاب طبقا للوظائف النبوية.
    11-استحضار البعد الإنساني والإنتماء إلى الكون.
    وهي نفسها المنهجية التي نلتزم بها في معالجة مفهوم الدولة.
    لكن قبل ذلك اسمحوا لي أن أوطئ للموضوع بتوطئة حول صناعة المفاهيم وأهميتها والحاجة الحاقة إليها، ونحن ندرك أنه بدون تحرير المفاهيم وضبطها لا يمكن إيجاد بيئة ملائمة لثقافة السلم وهذا ما يعني أن التعامل معها أمر ملح وأولوية كبيرة، وقد قاربنا في ملتقياتنا السابقة عددا من المفاهيم رأينا أن في تصحيحها وإعادة تشكيلها وترميمها، وإعادة تموقعها يكمن حل جانب كبير من الأزمة، وفيها تصحيح لكثير من الأخلال التي وقعت، وأن  التطبيع بين المفاهيم  الشرعية والمفاهيم المستجدة قد يهيئ السبيل للسلم الاجتماعي، فنحن نرى أنه بدل الإشاحة عنها ينبغي التعامل معها من خلال عملية مراجعة وإعادة صياغة انطلاقا من الأصول الشرعية ومقاصد الشريعة وإن شئت قلت مقتضى النظر الشرعي كما يقول ابن خلدون، ومقتضى العصر.
    توطئة حول صناعة المفاهيم
    من القرن السابع الهجري بدأ العقل المسلم يدخل في أزمة فقهية وفكرية، نتيجة الجمود على المنقولات، وأخذت هذه الأزمة منحى تصاعديا بشكل تدريجي صاحبته أحداث جسام لعل أهها سقوط الأندلس في القرن التاسع، ولم تعد النظرة التجديدية لقضايا الزمان حاضرة في العقلية الفقهية والفكرية، واتسم الوضع بنوع من القصور في القدرة على إنتاج مفاهيم جيدة تحيي في الأمة ما اندرس منها وعفا رسمه.، واستمر مؤشر الأزمة في تصاعد تزامنت شدته مع الحركة الاستعمارية وسقوط الدولة العثمانية في بدايات القرن العشرين.
     وفي هذه الفترة نشأت مفاهيم ملتبسة   قامت بناء على خلفيات علمية لم تحترم الأصول الصحيحة للتراث، ولم تستوعب التغير الذي اعترى الزمان والواقع، فوقعت في إشكال التقابل بين ثنائيات في منهجية سطحية، كإسلامية الدولة مقابل العلمانية، والخلافة أو الإمامة في مقابل الدولة الوطنية، فهذه مفاهيم ألقيت في الساحة الفكرية، وأصبحت تلقائية ومتغلبة وكأنها حقائق علمية أو مفاهيم صحيحة دون تمحيص وتدقيق.
    ولذلك أثار المنتدى العديد من المفاهيم وأشار إلى المضامين الصائبة في بياناته طبقا للمعايير التي اعتمدها في التعامل كمفهوم الجهاد، ومفهوم المواطنة، ومفهوم التكفير، ومفهوم الطاعة، ومفهوم الولاء والبراء، وكالعلاقة بين خطاب الوضع وخطاب التكليف الذي يمثل صياغة مطورة للشروطة الزمانية والمكانية والإنسانية لتطبيق أحكام.
    نحتاج اليوم إلى نظر كلي يلاحظ الواقع المستجد لتركيب الدليل مع تفاصيله وترتيب الأحكام على مقتضياته. إنَّ صُنْع الأداة التي هي هنا القاعدة أو المفهوم أو الكلي، هو أهم وسيلة لإنتاج فكر أو إصدار حكم في قضايا الواقع وفروع الشرع والقانون وتفاريع الحياة وشعاب شؤون المجتمعات. ولهذا فإن بُؤرة التجديد ومَنْبِتَ أَرُومَتِه إنما تكون في صُنْع هذه المفاهيم صياغةً مستقلةً مبتكرةً ومخترعةً أو مراجعة المفاهيم المعتمدة في المجالات المستهدفة وما يتولد عنه من الأحكام لتهذيبها وتشذيبها وعرضها من جديد على أصولها من جهة وعلى النتائج من جهة أخرى، مما قد يؤدي إلى تحويرها أو تغييرها أو تطويرها أو تعديلها وتبديلها، ذلك أن جل القضايا التي يتعامل معها الفقيه هي من نوع المجملات. 
    حيث إن الأجناس العامة، والأنواع والأوصاف المعنوية عند ما تكون محققةً للمناط يدقُّ فهمها، ويصعب نظمها، ويصبح غالب الظنِّ أغلب مناطها، ويعسر على المستنبط الاستقاء من نباطها، وذلك كالمصلحة، والحاجة، والمشقة، والغرر، والجهالة، والذريعة، والمئال، فيكون الأمر فيها بين حدِّ أعلى معتبرٍ، وحدِّ أسفل عديم الأثر، ووسطٍ محلَّ تجاذبٍ، والآراء فيه موضع تضاربٍ؛ فيختلف الفقهاء، ويفتقر إلى الخبراء، سواء تعلق الأمر بمدلول لفظٍ أو عموم معنى أو تحديد دلالةٍ لا حدَّ لها من الشرع.
    ولصياغة هذه المفاهيم لتنزيل الأحكام عليها في العصر الحاضر نحن بحاجة إلى دمْج الواقع؛ كصنيع الفلاسفة في مدلول المفهوم الجديد، وأستشهد بأحدهم، وهو الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز إذ يقول: إن الفلسفة إذا لم تُبْنَ على إشكالات الواقع تكون مجردةً، مما يفقد المفهوم الفلسفي أهميته. 
    ولهذا فهو يرى أن على الفيلسوف أن يبدع المفهوم Concept فيما سماه "بخلق المفهوم" ولكن بناء على مشكلة من الواقع، فعليه أن يبحث عن المشكلة ليبني عليها المفهوم انطلاقاً من الوجود القبليِّ للفكرة، كما هي عند أفلاطون.
    فكيف نصوغ هذه المفاهيم؟ ذلك هو التحدي الذي تقتضي الإجابة عليه مراجعة المدلول اللغوي والشرعي، وكذلك المقاصد والعلل المولدة للأحكام، والواقع والبيئة التي هي مجال التنزيل.
    إنَّ المفهوم معرِّفٌ، والمبدأ معلِّلٌ، فالأول حَدٌّ، والثاني مقصد. قد يعتمد الأول على الثاني، وذلك يفسر التداخل والالتباس. والمبدأ قد يحتاج إلى تعريف، ومعرِّفه هو المفهوم والحد. 
    إن الواقع الذي نتعامل معه اليوم في العالم الإسلامي واقع مضطرب ومتجاذب بين ماض فيه المجد والضد، وحاضرٍ فيه الطموح والقلق، ومستقبلٍ يلُفه الغموض والتوجس وفيه بعض الرجاء والأمل.
    وبهذا الصدد كانت قضايا وتصرفات الخلفاء الراشدين في الحدود الشرعية، وجباية أموال الغنائم وغيرها من القضايا معللةً، وكان تأثير الواقع فيها محسوساً، وأثر رعاية المصالح ملموساً مما يبرهن على أنَّ الواقع شريك في استنباط الحكم، فرأينا كيف تصرف الصِّدِّيق في شأن مانعي الزكاة، والفاروق في أراضي الخراج، وفي مسألة الجزية لتكون زكاة. وذي النورين في إتمام الرباعية في الحج، وفي زكاة الأموال الباطنة. وأبو الحسن في التعامل مع الخوارج والتحكيم، رضي الله عنهم جميعاً وأرضاهم وعنا معهم بفضله ورحمته الواسعة.    
    كل ذلك يُمهِّد لبناء كليٍّ أعلى يتعامل مع مختلف الدلائل، ومع تفاصيل المسائل؛ لأن شراكة الواقع لا تعني الإفلات من قيود الدليل والاسترسال مع واقع وبيلٍ. 
    إن الواقع متغير، والواقع المتغير باحث بإلحاح عن أجوبة عملية في قضايا متنوعة تمس حياة الأمة في شتى المجالات والميادين في وقت واحد وفي كل مكان. والذي يهمنا هو التأصيل للقضايا الفقهية -التي تمثل للمسلمين المنظومة التعبدية والقانونية التي تحكم النسق السلوكي والمعياري في حياة الفرد والجماعة،- والتي يجب أنْ تواكب مسيرة الحياة التي تشهد تغيرات هائلة وتطورات مذهلة من الذرة إلى المجرة، في شتى المجالات ومختلف المظاهر والتجليات، من أخمص قدم الأمة إلى مَفرِق رأسها في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية، والكشوف العلمية، والعلاقات الدولية والتمازج بين الأمم، والتزاوج بين الثقافات إلى حد التأثير في محيط العبادات، والتطاول إلى فضاء المعتقدات. وقد أصبحت الأنظمة الدولية والمواثيق العالمية ونظم المبادلات والمعاملات جزءًا من النظم المحلية، وتسربت إلى الدساتير التي تعتبر الوثائق المؤسسة فيما أطلق عليه اسم العولمة والعالمية، كل ذلك يدعو إلى التجديد في الأصول لتصحيح الفروع حتى تكون سليمة لأنها مبنية على أصول صحيحة، "فلا مطمع في الإحاطة بالفرع وتقريره والاطلاع على حقيقته إلا بعد تمهيد الأصل وإتقانه؛ إذ مثار التخبط في الفروع ينتج عن التخبط في الأصول". كما يقول أبو حامد الغزالي.
    مسألة الدولة
    إن الدولة تعتبر تلبية لتطور وتعامل الإنسان مع ذاته، وحاجته إلى العائلة، و إلى المجتمع فالمِلكية لمسخرات الكون التي كانت مشاعة عندما تتعلق بالصيد وقطف التمار بحيث تصبح ملكية خاصة...وحاجته للتعاون، ولفض النزاع عند التخاصم ولجهة تحمي الضعيف وتدرأ الحروب والخصومات إذا لم توجد يكون الوضع كما قال الشاعر:
                                                                                         فَتَسَاقَوْا كَأْسَاً أُمِرَّتْ عَلَيْهِمْ
                                                                                                                             *** بَيْنَهُمْ يَقْتُلُ العَزِيزُ الذَّلِيلا
    و الحاجة إلى قضاء، وإلى نظام تشريع عادل أو من حكمة الحكماء، أو من وحي الأنبياء، ولعل لوحة المشرعين العظام العشرة التي كانت معلقة أعلى المحكمة العليا الأمريكية، ومن بينهم أنبياء كموسى عليه السلام، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم تدل على أهمة التريع في حياة البشرية.
     والدولة في الأصل اللغوي تحيل على معنى النوبة ومعنى التداول الذي يشير إلى النصر أو الهزيمة. ولهذا فأكثر ما تذكر مضافة إلى معنى غيرها، كدولة بني العباس، وفي معنى التداول قوله تعالى:وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم قال الشاعر فروة بن مسيك المرادي: 
                                                                                         كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ
                                                                                                                          *** تَكُرُّ صُرُوفُهُ حِينًا فَحِينًا
    وفي المفهوم الغربي هي مأخوذة من State بدون أن نتوقف عند ميكيافيلي الذي كان من أوائل من أصل ونظر للدولة، واستعمل مرادف هذه الكلمة بالإيطالية حين كان ينظر للأمير الإيطالي لورنزو العظيم بن دبياروديميسيس في القرن الخامس عشر.
    والدولة في التصور الغربي تشير إلى مفهومين:
    - مفهوم سياسي قانوني: وأصلها أنها تعني حالة معينة، واستقر المفهوم على أنها  "مجموعة بشرية تقيم على أرض محددة تخضع لسلطة واحدة، يمكن أن تعتبر شخصية معنوية، قد تكون إمبراطورية، أمة، بلداً، قوة، جمهورية، مملكة". ويمكن أن تعرف بأنها: السلطة السيادية السياسية التي تتمتع بالشخصية القانونية وتخضع لها مجموعة بشرية. وهذا المعنى الثابت في قاموس الأكاديمية الفرنسية(1694م). وهكذا تدعى الدولة بصفتها حكومة شعب يعيش تحت سلطة أمير أو جمهورية كما تستعمل لنفس البلد الذي يعيش تحت نفس السلطة.
    ويمكن أن نلحظ من المعنى اللغوي للدولة أنها مفهوم مرن متطور، وأنها غير ثابتة على حالة أو شكل واحد، فهذا المفهوم القانوني والسياسي متطور بحسب إرادة الإنسان وحاجاته، فتكون الدولة حسب إرادة المجموع بسيطة أو فيدرالية أو كونفيدرالية، فالإسلام لا يهتم بالشكليات وإنما بالمضامين الموصلة للمصلحة.
    - مفهوم القانون الدولي انطلاقا من معاهدة مونتفيديو بأروغواي في أمريكا اللاتينية سنة 1933 حددت أربع خصائص يجب توفرها :
    1- وجود أرض محدودة ومعينة. 
    2 - وجود شعب يقيم على هذه الارض بشكل دائم. 
    3- وجود شكل من الحكم في حده الأدنى.
    4- القدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى. 
    مسألة علاقة الدين بالدولة: 
    علاقة الدين بالدولة في الغرب، أو علاقة الديني بالدنيوي مرت بأطوار عديدة واتخذت مسارات متعددة، ترجع إلى خصومة وحروب مردها إلى شيئين: أولهما: الحرب في داخل المذهب الواحد، التي يكون الهدف منها إزالة أو تقليص سلطة الكنيسة لتتخلى عنم السلطة الدنيوبة، أو تتخلى عن بعض الإدارات والتصرفات الدينية، وغالبا ما تكون بين الملوك والكنيسة.
    والثاني، بين مذهبين من الدين المسيحي كما وقع بين البروتستانت والكاثوليك خلال قرون طويلة وهذه الحروب أدت في النهاية إلى نوع من المصالحة إذا صح التعبير لتنازل الكنيسة عن السيادة التي كانت لها في الشأن الدنيوي، ولتعلن بعض الدول عدم ارتباطها رسميا بالدين.
    إلا أن الكثير من الدول ظلت مرتبطة بالدين بشكل أو بآخر، ومنها دول تنص في دساتيرها على كنيستها الرسمية كالدانمارك وإيسلندا والنرويج، وكانت السويد أيضا حتى عام 2000 تمتلك كنيسة رسمية هي كنيسة السويد اللوثرية الإنجليكانية. وهناك بريطانيا التي فيها الملكة هي حامية الإيمان والعقيدة، وفي مجلس البرلمان واللوردات البريطاني هناك أكثر من عشرين مقعدا يجلس فيه أساقفة منهم أسقف كانتربري. وكذلك في أمريكا اللاتينية كثير من الدول تعلن أن دينها الرسمي هو المسيحية، وأكبر الكانتونات السويسرية لها كنسية رسمية تنفق عليها الدولة من أموال دافعي الضرائب. كما توجد أيضا دول بوذية نصت قوانينها على أن دينها الرسمي هو البوذية، ولا توجد إلا دولة واحدة في العالم المسيحي ثيوقراطية هي دولة الفاتيكان، لأن البابا فيها يعتبر خليفة لبطرس ونائبا عن المسيح وهو معصوم.
    إذن، المسار المسيحي يختلف عن المسار الإسلامي، فالخصومة كانت بين رجال الدين وبين الحكام أو الشعوب، أو بين المذاهب الكنسية. ولا يزال للدين والأخلاق في القوانين العلمانية حضور قوي فنحن نعرف أن قضية الإجهاض، وقضية المثليين في أمريكا مثلا الخلاف فيها خلاف يرجع إلى الدين وإلى الفلسفة وإلى الأخلاق بين الجمهوريين والديمقراطيين. 
    يقول القانوني الفرنسي جاك برادلي في كتابه: القانون الجنائي: مدخل عام وهو يعترف فيه بصعوبة تعريف الجريمة تعريفًا اجتماعيًّا وخلقيًّا: "فتجريم الفعل ينتج عن قناعة المشرع بأن الفعل لا يغتفر لدى الرأي العام، فيجب أن تناط به عقوبة أقوى". ثم يقول: "إن حق المجتمع أن يعاقب من يعكر صفوه، ولم ينكر هذا إلا قلة من المؤلفين، وإن غالبية الفلاسفة يعترف بحق المجتمع في إيقاع العقوبة". ثم يقول وهو يتحدث عن الأخلاق:" إن العلاقة حميمة بين القاعدة الخلقية والقاعدة القانونية وتاريخ القانون الجنائي يبرز غالبًا أن السلوك الذي يصدم الأخلاق الفاضلة للفرد أو الجماعة، هو الذي يعاقب كالاعتداء على الدين أو الحياة أو التملك ". 
    ويقول رجل القانون الفرنسي تون كاريسون: "إن القانون والأخلاق يمكن أن يقارنا بدائرتين تتقاطعان، لهما في الوقت نفسه فضاء مشترك ومساحات خاصة بكل منهما".
      ويقول ديكوك في كتابه: القانون الجنائي: "وفيما يخص النيل المباشر من النظام الاجتماعي كما هو معروف عندنا: كالاعتداء على الدين والشأن العام، فإن رد الفعل مرتبط بكل مجتمع بشري قبلي أو دولة". ( ص 26 - 27 ). ويقول: "إن القانون الجنائي هو التعبير عن استنكار المجتمع للعمل الذي قام أو يقوم به، والذي يبرز في إنزال العقوبة".
    فلا يزال للدين حضور نفسي أيضا، وشعور عميق لدى كثير من الفئات والطوائف في الغرب، أما في الشرق فإننا نعرف أن الديانات الشرقية كالبوذية والهندوسية لا تزال مؤثرة تأثيرا شديدا.
    مسألة إسلامية الدولة:
    هذا مفهوم من المفهومات التي نشأت ونبتت في القرن العشرين، ولكنها غامضة وملتبسة، فمفهوم إسلامية الدولة مفهوم واسع ومشكك، على اعتبار المعنى الذي تكون به الدولة إسلامية؟. علما أن الإسلام أو لإيمان هو صفة للأفراد والأشخاص المكلفين لأنه العقيدة والعمل. فما معنى أن يوصف به الشخص الاعتباري؟ هل يكفي لتكون إسلامية أن تكون غالبية السكان من المسلمين؟ وهل يستبطن هذا المفهوم مسألة الدار المعروفة المتعلقة بدار الكفر ودار الإسلام؟، وهل يتعلق الأمر بالنظم والقوانين؟، لعل ذلك هو المفهوم السائد.
     لا يمكن أن نعتبر إسلامية الدولة تعني عدم وجود المخالفة، لأن الإسلام بالنسبة للفرد يتحقق بتحقق بالشهادة كما يقول القاضي عياض وغيره، فلا يسقط إلا بمتحقق، وهذا الذي تدل عليه الأحاديث، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته).
    الإشكال الآن في مفهوم الإسلامية واللاإسلامية، والذي أصبح مرتبطا في أذهان الكثيرين بأنه تابع للقانون، أو لبعض القوانين، وليس تابعا للسكان ولا الحكام، هذا المفهوم يحتاج إلى إعادة صياغة على ضوء حقيقة ما هو الإسلام؟. وما معنى أن توصف به دولة أو دار أو منطقة، فالدار اختلف فيها العلماء إذا كانت تحيل على مفهوم الدار، علينا أن نذكر من أحال إلى أحكام الكفر والإسلام، ومن أحال إلى الأمن كالحنفية ومنهم الكاساني وإن كانت هذه الإضافة لا نجد لها سندا قويا. وعند الشافعية كالماوردي والنووي، وجود بيت يمارس شعائره في بلد يصيرها دار إسلام كما يجيز الماوردي أن يكون في الحكومة وزير غير مسلم وهو ما يعرف بوزير التنفيذ، فهو من الرعايا غير المسلمين الذين يسمون أهل الذمة والذين حققنا مفهوم مواطنتهم في مؤتمر إعلان مراكش للأقليات الدينية في العالم الإسلامي، بناء على صحيفة المدينة المنورة التي كانت تمنح حق المواطنة للمسلم وغير المسلم بناء على عقد اجتماعي فيه الحقوق والواجبات متبادلة، وقد أبرزنا في هذا المؤتمر أن الإسلام يحتوي على أكثر من نظام، وأن نظام المواطنة المتساوية هو أحد هذه الأنظمة بناء على صحيفة المدينة- التي سنخصص لها جلسة ضمن جلسات هذا الملتقى-دون أن يكون ذلك معارضا لنظام الجزية ونظام الموادعة في سياقه الزماني والمكاني.
    وإذا فرضنا أن الدساتير والقوانين تثبت صفة الدول، فما هو المقدار الذي يجب أنْ تشتمل عليه الوثيقة لتكون الدولة إسلامية؟.
    في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك اندماجٌ كاملٌ بين الدين والدولة، بمعنى أنَّ نظامَ الدولة يَعتمِدُ على النصوص الدينية، وتمارسه سلطةٌ مفوَّضةٌ من الإله، معصومةٌ ممثلة في النبيصلى الله عليه وسلم.
    لكن بعد العصر النبوي، انتقلت السلطة إلى الخلفاء الراشدين الذين كانوا من العلماء، فمارسوا السلطة بدون أن يتمتعوا بتفويض إلهي، فلم يحكموا باسم الإله ولا نيابة عنه، ولكنهم سعوا ليكونوا أقرب ما يمكن لروح التعليمات الإلهية، لتنفصل بعد ذلك العلاقة بين  الأمير والفقيه، لكن هذا الأخير لم يغب عن الدولة وأجهزتها لما باشر القضاء والفتوى. وفي العصر الحديث بقي التشريعُ مستمداً من روح الشريعة ونصوصها، مع اختلاف مرجعيات ومشارب من يمارسون السلطةَ فيه تختلف مرجعياتهم ومشاربهم. 
    نحن هنا نرى أن كل الدول المسلمة والتي أغلب سكانها مسلمون هي دولة مسلمة أو إسلامية، ولسنا في مقام تبرير مخالفة القوانين للشرع، ولسنا في وارد الحكم عليها، لأن الأمر يتعلق بشروط تنزيل النصوص والأسباب والموانع، وتلك أمور تخرج عن نطاق البحث لأنها تتعلق بقضية الإمكان والمكان والإنسان. وسواء في ذلك إن كانت نصت على ذلك في دساتيرها أم لم تنص، لكن لم تنص على العكس، وإذا كان الحكم ممكنا على قانون ما  بالمواءمة أو المخالفة للشرع، فإن حكم المتعاطي مع هذا القانون يفتقر إلى منظومة أخرى تنتظم توفر الشروط وانتفاء الموانع وقيام الأسباب والعلاقة بين الرخص والعزائم التي تندرج تحت خطاب الوضع. 
    والأصل أن الشهادة كافية لتحقق الإسلام بالنسبة للمكلف، ويبقى بعد ذلك ما يتعلق بدائرة العمل لخصوصيتها عن دائرة الاعتقاد، وقد روى الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ جَابِرًا سَأَلَهُ رَجُلٌ: " هَلْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُشْرِكًا؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ!، فَفَزِعَ لِذَلِكَ. قَالَ: هَلْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَحَدًا مِنْكُمْ كَافِرًا؟ قَالَ: لَا ".
    إن الخروج من الإسلام يتعلق بكل فرد، وليس حكما ينسحب على الناس دون تحققه في الأفراد، وتحققه في الأفراد مرتبط بالقاعدة المعروفة إنكار المعلوم من الدين بالضرورة. يقول الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: " أجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف وقال الله عز وجل: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون، نزلت في أهل الكتاب قال حذيفة وابن عباس: وهي عامة فينا. قالوا: ليس بكفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء. وقال الله عز وجل: وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا والقاسط الظالم الجائر".
    مسألة الخلافة والدولة الوطنية
    كلمتنا هنا لا تناقش الألفاظ والألقاب من خليفة أو إمام أو ولي أمر أو أمير، باعتبار هذه الألفاظ وإن كانت وردت في السنة فإنها وردت في سياق مدلولاتها اللغوية لا التعبدية. لكن الذي يهمنا هو مغزى ذلك كله، وما يدور حوله، والمقصود الأعلى منه أي: انتظام شأن الناس والمحافظة على مصالحهم. وإن ذلك لا يمكن ولا ينبغي أن يختلف فيه، إنما يكون بسلطة حاكمة تتصرف في شؤون الناس بالأمر والنهي، وهذه ضرورة طبيعية لكل مجتمع من قرية صغيرة إلى مجتمع كبير. كل ما يتعلق بشكل تلك السلطة وصلاحياتها، مم تتركب، وهل تورث أم تنتخب، يمكن أن نؤكد أنه لا يوجد إلزام لا يتزحزح بشكل معين إلا بقدر ما يحقق من المصلحة أو ما يدرأ من المفسدة، ويتلاءم مع أعراف وأحوال الناس، ويوفر السلام ويحفظ النظام، ويكون أقرب إلى روح الشرع في الأحكام.
    إن الشريعة اهتمت وهو أمر لا مرية فيه بالواقع نصا وحكما، ولكنها أحالت إلى العقول النظر في المصالح، لأن المصالح بالتأكيد مدركة بالعقل البشري، وما الكليات الخمس ( الدين – النفس – العقل – العرض) التي تجب المحافظة عليها، والمقاصد الثلاثة ( الضروريا- الحاجيات – التحسينيات) الناظمة لشؤون الحياة والعلاقة في المجتمع إلا تأكيد على هذه النظرة الكلية.
    في عشرينيات القرن الماضي سقطت الخلافة العثمانية، وقبل هذا الزمن كان الغرب يسير جيوشه لاستعمار كثير من البلاد الإسلامية، وهو ما أنتج وحدات دولية جديدة أصبح همها الهام وشغلها الشاغل  الخروج من دائرة الاستعمار لتكوين دول وطنية، وهو ما تم بوسائل مختلفة وفي ظروف متباينة، وفي أشكال حكم متنوعة بين ما هو ملكي وبين ما هو أميري وجمهوري ورئاسي وذلك بناء على إرث تاريخي وتفاعلات مجتمعية ثقافية سياسية وجغرافية، مما أوجد تفاوتا في الشكل الثقافي والتشريعي طبقا للشروط الزمانية والمكانية ذات العلاقة لكل جزء، مع وجود جوامع ومشتركات كالمشترك الديني واللغوي بالنسبة للمنطقة العربية.
     إلا أن التفاوت المجتمعي والجغرافي والسياسي جعل كل جزء يطور نفسه على طريقته، وطبقا لحكمته وموروثه وموقعه وعلاقته بالمحيط القريب والبعيد، مع وجود عقبات من النوع المعتاد في التنمية والتعامل مع إكراهات العلاقات للجار القريب والجار الجنب.
     بيد أن الذاكرة المحبطة بسبب ظروف كثيرة من الاستعمار والتخلف الاقتصادي وانتشار الفقر، وضعف المناهج التعليمية، أنشأت ناشئة وأنبتت نابتة ساور بعضَها الشك في مشروعية الدولة الوطنية المسلمة، وجاهر البعض الآخر بلا شرعيتها، مع ما يستتبع ذلك من تجريح يصل إلى إهدار حرمة الأوطان، وعصمة نفس الإنسان، وهدم البنيان وشغل الأمة عن كل أمر ذي شان.
    ونادت هذه الفئة باستعادة الخلافة كصورة وحيدة لنظام الحكم في الإسلام باعتبار أن النصوص نصت على مسماها. واستنجدت بالتاريخ مستدعية نماذج تاريخية مجيدة لتعطيها تفسيرا مجانبا للصواب، ولتنزلها في بيئة بعيدة كل البعد عن بيئة النماذج التاريخية نفسها وتذرعت بمفاهيم كدولة الخلافة، ودولة الإسلام والجهاد، مع ما يستتبع ذلك من عنف تطور إلى حرب مفتوحة ضد الجميع وعلى حساب الجميع.
    إن فكرة الخلافة التي تتمسك بها هذه الفئة، والدولة الإمبراطورية التي تسعى إلى استرجاعها، والتي تتذرع بها لتبرير أفعالها الشنيعة تستبطن مضمونين أو معنيين: 
    - الأول: أنها تحتكر الشرعية، بمعنى أن كل الأمة عليها أن تنضوي تحت لوائها.
    - الثاني: وجوب وحدة الإمام وقتال من لم يخضع لسلطانه.
    وهو ما يعني تشريع استحلال الإنسان والأوطان استنادا على الدين، وبناء على أن الديني حاكم على الدنيوي جملة وتفصيلا خاصة في ما يتلق بنظام الحكم وصورته، وهذا ما يحيل على سؤالين في غاية في الأهمية: 
    - هل هناك قطيعة بين الديني والدنيوي في اختيار نظام تدبير الشأن العام؟. 
    -  هل الخلافة أمر تعبدي أم مصلحي؟.
    جوابا على السؤال الأول نقول: إن كثيرا من الباحثين تربكهم العلاقة بين الديني وبين الدنيوي في الدين الإسلامي، وذلك نتيجة طبيعية لضعف تخصص الباحث في أصول الفقه ومرامي الدلالات، ومقاصد الشريعة وأدوات التنزيل في السياقات الزمانية والإنسانية، فيقتصرون على ظواهر من النصوص دون مقاصد وعلى فروع بدون قواعد فيدخلون في خصومة مع كل واقع يتجدد فيكون حالهم كالتي يشير إليها القرافي في الفروق: في الفرق الثامن والعشرين بين قاعدة العرف القولي يقضى به على الألفاظ ويخصصها وبين قاعدة العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ ولا يخصصها: "وعلى هذا القانون تُراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين". 
    إن هذه الإحالة المتبادلة بين الديني والدنيوي تورث إخالة عند غير البصير أنه ديني بحت أو دنيوي هي التي توقع في كثير من سوء الفهم للنصوص، وفي التعسف على الواقع، وتفويت مصالح الخلق. 
    ولقد أدرك الرعيل الأول أن لا تعارض بين الديني والدنيوي، وبين العقل والنقل، وبين المصالح الإنسانية والقيم الدينية، فانطلقوا يعمرون الدنيا  ويقدمون للآخرة، وهذا نجده واضحا بينا في كثير من المواقف، فإنهم كان إذا عرضت لهم نازلة وجاءهم من النبي صلى الله عليه وسلم فيها أمر سألوه: أهو الوحي أم الرأي، فإنهم كانوا وقافين عند الوحي لا يتعدونه، فإن كان الجواب منه أنه من باب الرأي مضوا إلى ما رأوه مصلحة، ولم يعدوه من حكم الله، وكان من وصية النبي   لقادته : ( وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا). 
    ويكتب كاتب لعمر بن الخطاب  هذا ما رأى الله ورأى عمر. فقال: بئس ما قلت. قل: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر رضي الله عنه.
    ولما حكمت الحرورية قال عليرضي الله عنه: ما يقولون؟ قيل: يقولون: لا حكم إلا لله. قال: الحكم لله، وفي الأرض حكام. ولكنهم يقولون: لا إمارة، ولا بد للناس من إمارة يعمل فيها المؤمن، ويستمتع فيها الفاجر والكافر، ويبلغ الله فيها الأجل (.
    وروي عن علي  قوله: وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال.
    وفوق ما نقل عن السلف، ينطق القرآن بما يلزم من إجراءات تتبع في حال الخصام والمخالفة، فيقول سبحانه في المحرم المتعدي على الصيد:  يحكم به ذوا عدل منكم، وفي خصومة الزوجين:  فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها.
    فكل هذه النصوص التي سقناها وأمثالها كثير تؤكد حضور هذا الوعي بأن الدين ترك مساحة واسعة للعقل فيما يتعلق بتدبير شؤون الناس ومصالحهم. وبناء عليه يتفرع فرع آخر يرتبط بوحدة النظام السياسي للأمة ومجالدة الناس عليه، وإرغامهم على الدخول تحت كيان واحد اسمه دولة الخلافة، فهل وحدة الإمام متعينة؟، وهل وحدة دولة الإسلام واجبة؟ وهل قتال الناس على ذلك تعبدي؟ وهذا هو السؤال الثاني الذي أشرنا إليه آنفا.
    إن التساؤل حول الخلافة ووجوب وحدة الدولة ووحدة الإمام، يقود إلى استحضار البعد العقدي عند هذه الفئة المستمسكة بهذا المفهوم، واعتمادها على مبررات عقدية لا تستقيم في ميزان النقد، وميزان المصالح والمفاسد، ويمكن أن نستدل على ذلك بمجموعة من الأدلة منها:
    أ- زكى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي ملك الحبشة بتزكية العدل، وأقره على ملكه وقد دخل الإسلام ورعيته كانوا نصارى، ولما مات صلى عليه صلاة الغائب كما جاء في الحديث، ولم يأمره بأن يهاجر ويدخل تحت حكم النبي  صلى الله عليه وسلم سياسيا، فأبقاه على ما تحت يده وقبل إسلامه..
    ب- نصوص الفقهاء شاهدة على أن قضية الخلافة لا ترتبط بقطعيات الدين، ولا ترقى إلى مستوى مسالك اليقين، وهنا نسوق نصين لإمام الحرمين الجويني، يقول في أولهما: "وليست الإمامة من قواعد العقائد، بل هي ولاية تامة عامة، ومعظم القول في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونة في التأخي والتحري". ويقول في النص الثاني:" ومعظم مسائل الإمامة عرية عن مسلك القطع، خلية عن مدارك اليقين".
    هذان النصان يؤصلان لفتح باب الاجتهاد في هذا الموضوع والتعامل معه طبقا للمصالح فقضية الحكم معللة بمصالح العباد وليست تعبدية، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز حمل السلاح على الناس لجبرهم على أن يكونوا دولة واحدة.
    وقد ناقش الفقهاء قضية الإمامة ونصب الإمام، ونقل كثير منهم الإجماع علي ذلك، ومنهم إمام الحرمين الجويني، لكن الإجماع الذي ذكره إمام الحرمين في مسألة الإمامة إنما يعتمد على الوقوع  وعلى أقوال العلماء بعد الصدر الأول، وهذا الإجماع بحسب رأينا إنما يصدق على الإجماع على لازم الإمامة وهو وجود حكم ينتظم الجماعة وليس بالضرورة على اللوازم الأخرى ككون الإمام واحدا، بمعنى أن تكون الدولة موحدة، أو كون الإمام قرشيا، لكون الممارسات التاريخية التي زكاها العلماء بذريعة التعذر كما صرح به إمام الحرمين نفسه: "ثم الغاية القصوى في استصلاح الدين والدنيا ربط الإيالات بمتبوع واحد إن تأتى ذلك. فإن عسر، ولم يتيسر، تعلق إنهاء أحكام الله تعالى إلى المتعبدين بها بمرموقين في الأقطار والديار".
    ومما يدل على وجاهة هذا الفهم أن إمام الحرمين قابل القول بالإمامة المستند إلى الإجماع بقول ابن كيسان الأصم الذي يرى أن يترك الناس أخيافا متفرقين لا ينتظمهم نظام، وقول الأصم لا يوجب وجود حكم من أي نوع، وما يقابله هو إيجاب وجود حكم ينتظم الناس، وهو النقيض المساوي والذي قد يكون واحدا أو متعددا، وقد يكون قرشيا وغير قرشي.
    وكذلك النجدات من الخوارج لا يرون وجوب تصب حاكم إذا تسالم الناس، وهم هذا كالمذاهب الفوضوية وكالماركسية في مبدإ أمرها.
    ج- الممارسة التاريخية تثبت تعدد دول الإسلام، وتعدد أئمتهم، ولم يثبت أن أحدا سعى إلى توحيد الأقطار تحت راية واحدة بدافع عقدي، قد يكون حدث ذلك لدوافع سياسية أو عسكرية أو مذهبي لكنه لم يحدث بسبب الواجب العقدي المستبطن لمبدأ وجوب الخلافة ووحدة الإمام. 
    وقد قامت دول في المغرب الأقصى زمن العباسيين وقام فيها أئمة، كما قامت دول في الأندلس، ولم ينكر العلماء ذلك إلا لما تعلق بتعدد الإمام في القطر الواحد، بل إن علماء المغرب العربي كالمازري وابن عرفة قالوا إن تعدد الأقطار يجيز تعدد الدول، يقول المازري رحمه الله: "العَقْدُ لإمامين في عصر واحد لا يجوز. وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلى أنَّ ديار المسلمين إذا اتّسعت وتباعدت وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإِمام ولا تدبيره حتى يضطرّوا إلى إقامة إمام يدبّرهم فإن ذلك يسوغ لهم". 
    وقال ابن الأزرق الغرناطي المالكي: إن شرط وحدة الإمام بحيث لا يكون هناك غيره لا يلزم مع تعذر الإمكان. قال بن عرفة – فيما حكاه الأبي عنه -: فلو بعد موضع الإمام حتى لا ينفذ حكمه في بعض الأقطار البعيدة، جاز نصب غيره في ذلك القطر".
    وقال القرطبي: " إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك"
    وقال ابن كثير: "وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك. قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء من بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب...".
    ويقول القنوجي: " فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر".
    ويقول الشوكاني: "وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلي إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته. فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر".
    فهذه النصوص كلها تثبت أن مسألة وحدة الدولة ووحدة الإمام لا يمكن أن تتحقق بحد السيف، بل إنها وإن كانت مثالا يطمح إليه في خدمة الدين والدنيا إلا أنها ينبغي أن تكون اختيارية لا قسرية، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح في الشريعة، وفي ظل تغير الأوضاع والزمان والمكان والأحوال، فإن شرعية الدول الوطنية أمر لا شك فيه، والطاعة المفترضة للحاكم أو القانون أو النظام مطلوبة هنا كما هي مطلوبة هناك.
    مركزية المصلحة في تدبير الشأن العام
    الدولة من حيث الأصل هي ناشئة عن ضرورة عقلية وممارسة شرعية، وهي من نوع المصالح التي يوجبها الشرع لإدارة شؤون الخلق والقيام بالخلافة في الأرض .  وبما أنها كذلك هي ترتبط بما سبق عند الحديث عن الإحالة بين الديني والدنيوي أن نبين مركزية المصلحة في المساحة الواسعة التي تركها الدين للعقل في تدبير أمور الدنيا، باعتبار أن المصالح مدركة بالعقل. 
    وفقهاء الأحكام السلطانية كانوا على وعي بهذه القضية حين كانوا ينظرون إلى الدولة وخططها من زاوية النظر المصلحي، باعتبارها قضية اجتهادية تختلف فيها المناطات، فإن وقع الاختلاف بينهم فإنما هو اختلاف أحوال لا اختلاف أقوال في حقيقته، مقارنة بسيطة بين ما قرره الماوردي، وما قرره الجويني يثبت ذلك إذا ما علمنا أن الأول كان قاضيا في أيام دولة البويهيين، وكان صديقا لجلال الدين البويهي ووسيطا بينه وبين الخليفة العباسي، فكان ينظر لهذا الواقع الذي يعيش فيه. وأما الجويني فكان ينظر للوزير الأكبر للدولة السلجوقية السنية نظام الملك.، والفرق بين الواقعين يعرفه من اطلع على كتب التاريخ، وهذا ما يعني أن مسألأة الحكم لا تجد موقعها في التعبديات، بل هي من صميم المصلحة التي رعاها الشرع وأوكل إلى العلماء النظر فيها والحكم بمقتضاها وفق المنهج المنضبط الذي يسمح بالوصول إلى صياغة مفهوم وصورة للدولة لا ينافيان مقتضيات الشرع ويتفقان مع معطيات العصر.
    إن مركزية مراعاة المصالح وارتباطها بالدين والعقل في مقاربة موضوع الدولة الوطنية تحمل على التوقف قليلا عند بعض النصوص الدالة على اعتبارها، وذلك من شأنه أن يلغي الاختلاف حول نتائج إشكالية العلاقة مع الدين والتراث.
    يقول الشاطبي: " والقاعدة المستمرة في أمثال هذا التفرقة بين العبادات والمعاملات، فما كان من العبادات لا يكتفى فيه بعدم المنافاة دون أن تظهر الملاءمة لأن الأصل فيها التعبد دون الالتفات إلى المعاني؛ والأصل فيها ألا يقدم عليها إلا بإذن، إذ لا مجال للعقول في اختراع التعبدات، فكذلك ما يتعلق بها من الشروط. وما كان من العاديات يكتفى فيه بعدم المنافاة لأن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني دون التعبد، والأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل على خلافه، والله أعلم".
    إلا أن العلاقة بين العقل والمصلحة كانت تمثل حجر الزاوية في بعض آراء العز بن عبد السلام والطوفي. وفي هذا تندرج مقولة العز: "معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالعقل، وذلك في معظم الشرائع".
    ويقول أيضا: "ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحهما ومرجوحهما فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته".
    ولكنه في موضع آخر يربط العقل بالشرع حيث يقول: " ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك. ومثل ذلك أن من عاشر إنسانا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة. ولو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسنة، ولعلمنا أن الله أمر بكل خير دقه وجله، وزجر عن كل شر دقه وجله، فإن الخير يعبر به عن جلب المصالح ودرء المفاسد، والشر يعبر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح .
    ويتجه حينئذ ما ذكره الطوفي في شرحه لمختصر الروضة، ونصه: " اعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْمَصْلَحَةَ إِلَى مُعْتَبَرَةٍ، وَمُلْغَاةٍ وَمُرْسَلَةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَغَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ تَعَسَّفُوا وَتَكَلَّفُوا، وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْمَصَالِحِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا وَأَقْرَبُ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَقُولَ: قَدْ ثَبَتَ مُرَاعَاةُ الشَّرْعِ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ بِالْجُمْلَةِ إِجْمَاعًا، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ:
    الْفِعْلُ إِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مُجَرَّدَةً، حَصَّلْنَاهَا، وَإِنْ تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً مُجَرَّدَةً، نَفَيْنَاهَا، وَإِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مِنْ وَجْهٍ وَمَفْسَدَةً مِنْ وَجْهٍ، فَإِنِ اسْتَوَى فِي نَظَرِنَا تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ، وَدَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، تَوَقَّفْنَا عَلَى الْمُرَجِّحِ، أَوْ خَيَّرْنَا بَيْنَهُمَا كَمَا قِيلَ فِي مَنْ لَمْ يَجِدْ مِنَ السُّتْرَةِ إِلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَ فَرْجَيْهِ فَقَطْ. هَلْ يَسْتُرُ الدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ مَكْشُوفًا أَفْحَشُ، أَوِ الْقُبُلَ؛ لِاسْتِقْبَالِهِ بِهِ الْقِبْلَةَ؟ أَوْ يَتَخَيَّرُ لِتَعَارُضِ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَالْمَفْسَدَتَيْنِ؟، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ ذَلِكَ، بَلْ تَرَجَّحَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، فَعَلْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ شَرْعًا، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَتَخَرَّجُ كُلُّ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَفْصِيلِهِمُ الْمَصْلَحَةَ.
    أمَّا الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا كَالْقِيَاسِ، فَمَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ مُجَرَّدَةٌ، أَوْ رَاجِحَةٌ، وَأَمَّا الْمُلْغَاةُ كَمَنْعِ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ، فَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ تَعَارَضَتَا فِيهِمَا، لَكِنَّ مَصْلَحَتَهُمَا ضَعِيفَةٌ وَمَفْسَدَتَهُمَا عَظِيمَةٌ، فَكَانَ نَفْيُهَا أَرْجَحَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ النَّفْعِ الْمُتَحَقِّقِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ، وَالِارْتِفَاقِ الْمُتَحَقِّقِ بِالشَّرِكَةِ فِي السُّكْنَى لِأَجْلِ مَفْسَدَةٍ مَوْهُومَةٍ، وَهِيَ اعْتِصَارُ الْخَمْرِ، وَحُصُولُ الزِّنَى، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ مَظْنُونَةٌ، لَكِنَّهَا غَيْرُ قَاطِعَةٍ. وَالْمَصْلَحَةُ الَّتِي تُقَابِلُهَا قَاطِعَةٌ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا بِالْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الْمَظْنُونَةِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وأَيْضًا فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمَذْكُورَةَ خَاصَّةٌ، وَالْمَصْلَحَةَ الَّتِي تُقَابِلُهَا عَامَّةٌ، وَالْتِزَامُ مَفْسَدَةٍ خَاصَّةٍ، أَيْ: قَلِيلَةٍ؛ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ كَثِيرَةٍ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.
    وَبَيَانُهُ: أَنَّ مَنَافِعَ الْعِنَبِ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ حُصْرُمًا عَلَى حَالِهِ، وَطَبِيخًا، وَعِنَبًا، وَعَصِيرًا، وَزَبِيبًا، فَهَذِهِ خَمْسُ مَنَافِعَ، وَلَعَلَّ فِيهِ غَيْرَهَا، وَالْمَمْنُوعُ مِنْ مَنَافِعِهِ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْخَمْرُ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي عَلَى لِسَانِ الشَّرْعِ: ابْنُ آدَمَ، لَكَ ثَمَرَةُ الْكَرْمِ حُصْرُمًا، وَعِنَبًا، وَعَصِيرًا، وَزَبِيبًا، فَهُنَّ أَرْبَعٌ لَكَ، فَاتْرُكْ لِيَ الْخَامِسَةَ: النَّصِيرُ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَــــــــهُ  [الْأَنْفَالِ: 41]. فَتَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ بِزِرَاعَةِ الْعِنَبِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا لِمَفْسَدَةِ خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُحَرَّمَةٍ.
    أَمَّا تَعْيِينُ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُوسِرِ، فَلَيْسَ يَبْعُدُ إِذَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ عَامٌّ ضَعِيفٌ فَيُخَصُّ بِهَذَا الِاجْتِهَادِ الْمَصْلَحِيِّ الْمُنَاسِبِ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ طَرِيقٌ مَهْيَعٌ. وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ.
    وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الْوَاقِعَةُ مَوْقِعَ التَحْسِينِ أَوِ الْحَاجَةِ، كَمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَتَسْلِيطِهِ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهِيَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ لَا يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا مُتَعَيَّنًا.
    وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ كَحِفْظِ الدِّينِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسَبِ، وَالْعِرْضِ، وَالْمَالِ، فَهِيَ وَإِنْ عَارَضَتْهَا مَفْسَدَةٌ، وَهِيَ إِتْلَافُ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ، وَيَدِ السَّارِقِ بِالْقَطْعِ، وَإِيلَامُ الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالْقَاذِفِ بِالضَّرْبِ، لَكِنَّ نَفْيَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْصِيلِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا مُتَعَيَّنًا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمَسْجِدِ وَالْفَرَسِ الْحَبِيسِ إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ، تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً، وَهِيَ اسْتِخْلَافُ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ الْمَقْصُودَةِ بِبَيْعِهِ، وَمَفْسَدَةً، وَهِيَ إِسْقَاطُ حَقِّ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - مِنْ عَيْنِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فِيهَا، فَنَحْنُ رَجَّحْنَا تَحْصِيلَ الْمَصْلَحَةِ، وَغَيْرُنَا رَجَّحَ نَفْيَ الْمَفْسَدَةِ.
    وَعَلَى هَذَا تَتَخَرَّجُ الْأَحْكَامُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِيهَا، أَوْ عِنْدَ تَجَرُّدِهَا، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا بِتَقْسِيمٍ وَتَنْوِيعٍ لَا يَتَحَقَّقُ، وَيُوجِبُ الْخِلَافَ وَالتَّفَرُّقَ، فَإِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إِذَا تَحَقَّقَهَا الْعَاقِلُ، لَمْ يَسْتَطِعْ إِنْكَارَهَا لِاضْطِرَارِ عَقْلِهِ لَهُ إِلَى قَبُولِهَا، وَيَصِيرُ الْخِلَافُ وِفَاقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى".
    وقد كان الطوفي أكثر صراحة في شرحه الأربعين النووية حيث يقول: "أما المعاملات ونحوها: فالمتبع فيها مصلحة الناس كما تقرر، فالمصلحة وباقي أدلة الشرع: إما أن يتفقا، أو يختلفا. فإن اتفقا فبها ونعمت، وإن اختلف، فإن أمكن الجمع فجمع بينهما، وإن تعذر الجمع بينهما قدمت المصلحة على غيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم"لا ضرر ولا ضرار"...وهو خاص في نفي الضرر المستلزم رعاية المصالح، فيجب تقديمه، ولأن المصلحة هي المقصودة من سياسة المكلفين بإثبات الأحكام، وباقي الأدلة كالوسائل، والمقاصد واجبة التقديم على الوسائل"..
    أيها السادة:
    نحن لا نتنكر لتاريخنا، وبالتالي فإن الخلافة والإمامة أدت وظيفتها في التاريخ الإسلامي، وأسدت إلى الأمة الكثير من المزايا، لكن السياق الزمني اختلف وتغير تغير حذريا مما يجعل ما كان مصلحة بالأمس مفسدة اليوم، أي أن توحيد الناس بالقوة فيه مخالفة للمقاصد وجلب للمفاسد، ما يجعله لا يوازن مصلحة الدولة الواحدة. لقد جرب ذلك في ألمانيا البيسماركية، وتوصل الناس إلى أن الوحدة الاختيارية العاقلة هي التي يمكن أن تصمد، ونحن هنا في دولة الإمارات العربية المتحدة التي توحدت طوعا واختيارا بحكمة وعقل المؤسسين، وكذلك تجربة مجلس التعاون الخليجي التي نرجو لها الاستمرار هي من التجارب التي يمكن أن تصب في تحقيق مقصد الإسلام في الترغيب في الوحدة والحث عليها.
    بعد هذا السبح الطويل في قضية الخلافة ووحدة الدولة، ووحدة الإمام، والإحالة بين الديني والدنيوي، وعلاقة المصلحة بالعقل ضمن الدائرة وضعها له الشرع، نقول: 
    - إن صورة الدولة لا ترتبط بشكل نمطي ثابت لا يتغير، بل لكونها مرتبطة بالواقع فهي تخضع لعوامل تغير الواقع الومانية والمكانية والإنسانية، ومن تم فما عرفه التاريخ الإسلامي من صورة راشدة للحكم ممثلة في الخلافة الراشدة إنما هي صورة اقتضتها طبيعة وكونات وإكراهات الواقع الذي نشأت فيه الخلافة الراشدة، والدليل أن الخلافة الراشدة نفسها تعددت صور وصول الخليفة فيها إلى الحكم بين الإيماء، والنص والشورى.
    - إن الشرع الإسلامي وإن كانت فيه دائرة الوحي والنصوص هي الحاكمة على الواقع الإنساني، فإن هذا الشرع لم يحجر على العقل، بل أعطاه مساحة واسعة يدرك فيها العقل مصالح العباد كما نص على ذلك الشاطبي وغيره، ومسألة الدولة وصورتها ونظامها هو من هذا القبيل.
    - إن الكثير من الخطاب المتعلق بالأمراء والولاية كقوله عليه السلام: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني" لايعني بالضرورة الخلافة بل يعني في حده الأدنى السلطة. 
    - هناك فرق بين حث الشريعة على وجود سلطة وهو أمر لامرية فيه قولا وفعلا وتقريرا، وبين النصوص المتعلقة بشكل السلطة.
    - هناك فرق بين شكل السلطة وبين مضمون مسؤولياتها وصلاحياتها من حيث المحافظة على الدين والدنيا، ومن حيث تداخل الحقوق العامة والمركبة.
    -  إن الدولة الوطنية في عالمنا الإسلامي مع اختلاف أشكالها وصورها، هي نظم شرعية لها من المشروعية ما للإمبراطوريات الكبرى التي كانت قائمة في التاريخ بناء على قانون المصالح والمفاسد الذي تدور حوله أحكام الشرع، فلا يجب أن تراق الدماء لتوحيد الدولة، ويجب أن يسود السلام.
    خاتمة
    فإننا ندعو الجميع إلى بذل جهد مضاعف فكريا وماديا، وتجاوز بعض القناعات التي لا تخدم السلام، ونذكر الذين حملوا السلاح على أمتهم بالحديث الصحيح " من حمل علينا السلاح فليس منا".
    وإن الحل لن يكون بالتأكيد بالحلول الحادة الرامية إلى القطيعة مع التراث والتاريخ، ونبذ أو التقوقع في زنزانات الماضي واقتحام، واقتحام عصر التحديث والإبداع.
    إن التعامل مع منظومة الأدوات الاستنباطية بأيد عليمة وأذهان مفتوحة ودين متين لا وسوسة فيه فيه ولا تردد يستهدف صالح الإنسان، وذلك باستهداف المقاصد الأولى لفهم النص والمقاصد الثانية المتمثلة في منظومة التعليل المبنية على تحقق المصالح والابتعاد عن المفاسد، وعلى رأسها استعادة السلم الأهلي وإيقاف نزيف الحروب المجنونة لتصل إلى منظومة التنزيل، أي البيئة الزمانية والمكانية التي تمثل مقر الأحكام ومستودعاتها. وعلى يقع الانسجام بين الأوامر والنواهي وأحوال الإنسان في إكراهاتها ورحابتها، وفي قترها وسعتها، وفي كل تقلباتها وغلباتها ومآلها، وهو ما يمثل المقدمة الثانية لتنزيل الأحكام، وهي مقدمة الواقع الزماني والمكاني والإنساني للموازنة بين المثال والإمكان، وباختصار لإيجاد انسجام في ضمير المسلم بين كلي الإيمان وكلي الزمان.
    لا توجد صيغ جاهزة، ولا وصفات ناجزة لحل الأزمة العقلية والفقهية والفكرية، فلا بد من تركيب الدواء لمعالجة الداء، فأنتم الأساة والأطباء، ولم ولم يجانب نيتشه الصواب حين قال: الحضارات تمرض وأطباؤها الفلاسفة، ونحننقول أطباؤها العلماء المفرون أهل الفكر الثاقب والرأي الصائب.
     أيها السادة:
    لا بد من المعاناة، ولا بد من إعمال العقل المعطل للنزول بالنصوص والمقاصد والفرع والقواعد من سماء التصور إلى أرض التطبيق، ولا بد من التعرف على الواقع والتوقع لحل مشكلة الأجهال الثلاثة: الجهل بالنصوص، والجهل بالمقاصد، والجهل بالواقع والمئالات ( التوقع).
    لعل بعض أهل الاختصاص يرى أحيانا نشوزا عن المنهجية، وندورا عن الكارتيزية، فعذري أني أعالج وضعا لا موضوعا حالة الكثير من الباحثين في الأحكام السلطانية كالماوردي والجويني ولعل انتقاد ابن خلدون للطرطوشي يصدق علي حين قال: إن كتابه كالمواعظ.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    الكلمة التأطيرية
  • بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبي الرحمة وشفيع الأمة وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار؛ وبعد 
    فانطلاقا من قول الله عز وجل وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه...-آل عمران: 187
    واستثمارا للقبول الذي حظي به خطاب " المنتدى" في دعوته إلى وقف تدمير الإنسان والعمران واعتماد السلم وما ينشئه من بيئة التعارف والتوافق والوئام والعيش المشترك وكون هذا القبول تعدى المجتمعات المسلمة إلى أمم مختلفة.
    ومتابعة للجهود التي ما فتئ "منتدى تعزيز السلم" يبذلها في وضع المفاهيم الشرعية الكبرى في سياقها العلمي المضبوط مراعيا حجم التغير الهائل الذي طرأ على الزمان والمكان والإنسان. 
    واستئنافا لرصد "المنتدى" آليات الخلل والجهل في توظيف تلكم المفاهيم، ولتضمينه إياها المضامين الصائبة في بياناته طبقا للمعايير التي اعتمدها في التعامل؛ كمفهوم الجهاد، ومفهوم المواطنة، ومفهوم التكفير، ومفهوم الطاعة، ومفهوم الولاء والبراء، وكالعلاقة بين خطاب الوضع وخطاب التكليف الذي يمثل صياغة مطورة للشروط الزمانية والمكانية والإنسانية لتطبيق الأحكام.
    وتنبها إلى خطورة مصطلحات ومفاهيم ملتبسة ظهرت عند المسلمين في العصر الحديث نشأت في أجواء ردود فعل وإحباط بناء على خلفيات علمية لم تحترم الأصول الصحيحة للتراث، ولم تستوعب التغير الذي اعترى الزمان والواقع، فوقعت في إشكال التقابل بين ثنائيات في منهجية سطحية، كإسلامية الدولة مقابل العلمانية والخلافة أو الإمامة في مقابل الدولة الوطنية؛ حتى صارت تلكم المصطلحات والمفاهيم تلقائية ومتغلبة وكأنها حقائق علمية أو مفاهيم صحيحة دون تمحيص وتدقيق.
    ولأن انتشار هذه المفاهيم أوجدت من يشُك ويشكك في مشروعية الدولة الوطنية المسلمة، بل ومن يجاهر بلا شرعيتها، مع ما يستتبع ذلك من تجريح يصل إلى إهدار حرمة الأوطان، وعصمة نفس الإنسان، وهدم البنيان وشغل الأمة عن كل أمر ذي شان، لأنها جرأت على الدماء المعصومة في مخالفة صريحة للحديث الصحيح:"من حمل علينا السلاح فليس منا".
     وفي ظلال رعاية كريمة متجددة وعناية منيفة مسترسلة من سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة -حفظه الله.
    انعقد بفضل الله وحسن توفيقه؛ يومي 19 و20 من شهر ربيع الأول شهر ميلاد رسول السلام عليه أفضل الصلاة والتسليم سنة 1438 هـ الموافق ليومي 18و19 من شهر ديسمبر سنة 2016م بأبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة بلد التعايش والتسامح والأمان، بلد زايد المحبة والحكمة تغمده الله برحمته وأسكنه فييح جناته؛ الملتقى الثالث لــ"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، بمشاركة نحو400 شخصية علمية وفكرية من مختلف القيادات الفكرية والدينية يؤازرهم في مسعاهم ويشاركهم في مبتغاهم نخبة من الوزراء ومن المسؤولين في منظمات إسلامية ودولية؛ 
    وفي إطار الموضوع المحوري لهذا الملتقى " الدولة الوطنية في المجتمعات المسلمة" تركز اهتمام المؤتمرين على القضايا التالية:
    1- مسألة السلم بين المعوقات والفرص
    2- تصحيح المفاهيم ذات العلاقة بالدولة في المجتمعات المسلمة
    3- إعلان مراكش: شهادات وإشادات
    4- تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في التسامح
    وقد كان من الضروري تقديم لمحة عن منهجية المنتدى في تناول المفاهيم تصحيحا وضبطا وإنشاء. كما استأثر مفهوم الدولة تاريخا وأشكالا وأسسا ووظائف بنصيب وافر من البحث والنقاش.
    وقد توصل الباحثون إلى أن الدولة الوطنية التي نشأ أغلبها بعد جلاء المستعمر عن ديار المسلمين في ظروف متباينة وبأشكال متعددة والتي يعتبر الإسلام دينا لأغلبيتها. توصلوا إلى كونها في الواقع الزماني والمكاني الراهن دولا شرعية بالمعنيين القانوني والديني، وإلى أنه لا يقدح في شرعيتها ما ورد من النصوص والممارسة التاريخية. كما استنتجوا أن الشروط النظرية التي تشترط وحدة الأمة في كيان واحد وتحت سيادة واحدة تعتبر خارج السياق الزمني.
    وقد بنى الباحثون هذه الاستنتاجات بناء على استقراء ما كتب في الأحكام السلطانية في تراثنا الإسلامي حيث يبدو جليا أن الدولة نظاما وشكلا وسلطة ليست من قواعد العقائد في الإسلام وإنما هي تدبير إنساني تحكمه قواعد الاجتهاد وقانون المصالح والمفاسد وتزكيه القيم الدينية التي تدعو إلى العدل والرحمة والحكمة والمصلحة، وأن هذه الأخيرة-أي المصلحة- هي قطب الرحى والأساس الذي تدور عليه أحكام الدولة.
    كما ثمن المؤتمرون تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في تنمية قيم التسامح والعيش المشترك وترسيخ قواعدها وتجريم الإساءة إلى المقدس من حيث هو، واعتبروها جديرة بالتنويه مثلما اعتبروا تجربة الوحدة الاختيارية الطوعية التي شكلت على أساسها دولة الإمارات محطة مشرقة في تجارب الدول العربية والمسلمة.
    وكان الملتقى فرصة جديدة لتفعيل مقتضيات إعلان مراكش لحقوق الأقليات بالتذكير بتفرد الوثيقة التي انطلق منها أي وثيقة المدينة أول وثيقة في التاريخ تؤسس لدولة مدنية قوامها المواطنة يتضامن ويتعايش فيها الناس من أديان وأعراق مختلفة ويتساوون في الحقوق والواجبات واستحقاق الكرامة الإنسانية. وما زال إعلان مراكش يسترعي انتباه الهيئات العلمية والمنظمات الدولية ويتبنى وثيقة للتفعيل والدراسة فمن قبل كثير منها.
    وهذه أهم النتائج التفصيلية للموضوعات المطروقة في هذا الملتقى:
    النـتـائـج
    أولا- في المبادئ والمنطلقات والمفاهيم:
    - إن معضلات الأمة الإسلامية لن تجد لها حلولا بمعزل عن دينها الذي ارتضاه الله لها بالأدلة البينات والحجج الواضحات بشرط سلامة منهج التعامل مع النصوص وعمق الفهم لمقاصد الشريعة وحسن تنزيل الأحكام الشرعية على واقع اتضحت معالمه واستوعبت عناصره وأبعاده.
    - إن أزمة الأمة ليست في قيم دينها وأحكامه ولكن في عدم سلامة منهجية التعامل مع النص الشرعي.
    - إن أزمات الأمة الإسلامية وإن كانت متعددة الأسباب والأبعاد فإن مفتاح الحلول يكمن في تجديد الخطاب الديني ليعبد للناس طرق السلم والعيش المشترك والترقي في مدارج تكريم الإنسان وعمارة الأرض.
    - إن من أخطر التحديات التي تواجه تجديد الخطاب الديني تحريف المفاهيم لعدم استيعاب أصولها الأولى أو للجهل بالشروط الزمانية والمكانية التي تعيد صياغة المفهوم؛ ومن ثم فإنه لا مطمع في إيجاد بيئة ملائمة لثقافة السلم بدون تحرير المفاهيم من اجتيال الجهل أو تحريف الغلو.
    -  إن بُؤرة تجديد الخطاب الديني إنما تكمن في صياغة المفاهيم صياغة مستقلة مبتكرة أو مراجعة المفاهيم المعتمدة في المجالات المستهدفة وما يتولد عنه من الأحكام لتهذيبها وعرضها من جديد على أصولها من جهة وعلى النتائج من جهة أخرى، مما قد يؤدي إلى تحويرها أو تغييرها أو تطويرها أو تعديلها وتبديلها.
    - إن مفهوم الدولة والدولة الوطنية من المفاهيم المفجرة التي يجب تفكيكها وإعادة تركيبها، لأن البعض تذرع به لتحقيق غايات يضفي عليها الشرعية من خلال نصوص مجتزأة من سياقاتها، ومن خلال إهمال فج لأدنى قواعد منهج تنزيل الأحكام والمفاهيم التي أصل لها علماء المسلمين عبر الأزمنة المتوالية.
    -  إن مشروعية الدولة الوطنية اليوم تتضرر من اشتراط شروط مثالية لا تستوعب منطق الشرع نفسه ولا منطق التجربة التاريخية للأمة بقدر ما تتضرر من اشتراط التماهي والتطابق مع صيرورة الدولة ومؤسساتها في التجربة الغربية الحديثة. 
    -  إن اشتراط فصل الدين عن الدولة فصلا تاما لتحقق مفهوم الدولة هو تضييق لا يراعي الصيغ المتنوعة لعلاقة الدين بالدولة في الدول الغربية نفسها ولا مركزية الإسلام في ثقافة المجتمعات المسلمة ولا خصوصية التطور الاجتماعي لكثير من البلدان المسلمة.
    -  إن من خصائص الشريعة الخاتمة تكامل الديني والدنيوي فيها وكون بعض الحقوق مركبة يجتمع فيها حق الله وحقوق العباد.
    - إن طبيعة الرسالة المحمدية باعتبارها الرسالة الخاتمة اقتضت أن تتسع أصولها ومقاصدها للبشرية جمعاء وأن تترك للعقل والرأي والتجربة الإنسانية النصيب الأوفر في تدبير ما الأصل فيه التغير والتطور كمسائل الدولة ووظائفها ومؤسساتها.
    - إن التمييز بين المستويين الديني والدنيوي المصلحي في الأحكام منهج نبوي أصيل استوعبه سلف الأمة ففرقوا بين ما مجاله التوقيف وما مجاله الاجتهاد القائم على جلب المصالح ودرء المفاسد الخاضع لمقتضيات الزمان والمكان والإنسان.
    -  إن كثيرا من الباحثين تربكهم العلاقة بين الديني وبين الدنيوي والإحالة المتبادلة فيما بينهما في الإسلام لضعف معرفتهم بطرق الاستنباط من النصوص وبمقاصد الشريعة وأدوات التنزيل في السياقات الزمانية والإنسانية، فيقتصرون على ظواهر من النصوص دون مقاصد وعلى فروع بدون قواعد فيدخلون في خصومة مع كل واقع يتجدد.
    - إن هذه الإحالة المتبادلة بين الديني والدنيوي تورث وهما عند غير الراسخين في العلم أنه ديني بحت أو دنيوي محض توقع في كثير من سوء الفهم للنصوص، وفي التعسف على الواقع، وتفويت مصالح الخلق. 
    ثانيا- في تنزيل منهجية المنتدى على موضوع الدولة الوطنية في السياق الراهن:
    -إن الفقه الإسلامي الموروث لم يتحدث عن دولة مسلمة بل عن دار إسلام.
    - إن العبرة في إسلامية الدار ليست بالأحكام ولا بالحكام بل بالسكان؛ أي بوجود أغلبية مسلمة بوسعها ممارسة شعائر دينها في أمان. 
    -إن الدولة في القانون الدولي كما حددتها معاهدة مونتيفيديو 1933 بالأورغواي عبارة عن اجتماع العناصر التالية:
    1- وجود أرض محدودة ومعينة. 
    2 - وجود شعب يقيم على هذه الارض بشكل دائم. 
    3- وجود شكل من الحكم في حده الأدنى.
    4- القدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى. 
    - إن مسألة الدولة لا تجد موقعها في التعبديات، بل هي من صميم المصلحة التي رعاها الشرع وأوكل إلى العلماء النظر فيها والحكم بمقتضاها وفق المنهج المنضبط الذي يسمح بالوصول إلى صياغة مفهوم وصورة للدولة لا ينافيان مقتضيات الشرع ويتفقان مع معطيات العصر.
    -  نصوص الفقهاء شاهدة على أن قضية الخلافة لا ترتبط بأصول الدين، ولا ترقى إلى مستوى مسالك اليقين.
    -  إن ضرورة وجود سلطة تحفظ مصالح الناس وترعى شؤونهم أمر لا خلاف فيه في شريعتنا قولا وفعلا وتقريرا، لكن لا يلزم من هذا أي تحديد لطبيعة هذه السلطة ولا كونها دولة موحدة جامعة للمسلمين.
    - إن التجربة التاريخية للأمة تثبت تعدد دول الإسلام، وتعدد أئمتها، ولم يثبت أن أحدا سعى إلى توحيد الأقطار تحت راية واحدة بسبب الواجب العقدي المستبطن لمبدأ وجوب الخلافة ووحدة الإمام. 
    -إنه لا يوجد في شريعتنا حول شكل السلطة وصلاحياتها ومكوناتها وطريقة تداولها أحكام ثابتة ملزمة إلا بقدر ما يحقق من المصلحة أو ما يدرأ من المفسدة، ويتلاءم مع أعراف وأحوال الناس، ويوفر السلام ويحفظ النظام، ويكون أقرب إلى روح الشرع في الأحكام.
    -  إن أساس فقه الدولة في الإسلام عدم منافاة التشريعات والتدابير للنصوص الشرعية؛ وليس شرطا أن تكون منصوصا عليها أو مقيسة على النصوص. 
    - إن مقتضى انبناء فقه الدولة على أساس رعاية المصالح كون المفهوم القانوني والسياسي للدولة متطورا بحسب إرادة الإنسان وحاجاته، فتكون الدولة حسب إرادة المجموع بسيطة أو فيدرالية أو كونفدرالية، فالإسلام لا يهتم بالشكليات وإنما بالمضامين الموصلة للمصلحة.
    - الأصل أن كل الدول التي تحتضن مجتمعات مسلمة ذات أغلبية هي دول مسلمة سواء نصت على ذلك في دساتيرها أم لا
    - إن التشكيك في إسلامية الدول المسلمة لمجرد وجود بعض القوانين المخالفة للشريعة ذهول أو تجاهل لقرب عهدها بنكبة الاستعمار ولخصائص الدولة الوطنية في العصر الحديث؛ بكل التحديات والإكراهات التي تفرضها على النسيج الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتشريعي للمجتمعات المسلمة. 
    - إنه من الخطأ اشتراط عدم مخالفة أي نص شرعي لاعتبار الدولة مسلمة لأن الإسلام بالنسبة للأفراد متحقق بالشهادتين. وهذا الذي تدل عليه النصوص الشرعية، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته).
    - إنه إذا كان الحكم ممكنا على قانون ما بالمواءمة أو المخالفة للشرع، فإن حكم المتعاطي مع هذا القانون يفتقر إلى منظومة أخرى تنتظم توفر الشروط وانتفاء الموانع وقيام الأسباب والعلاقة بين الرخص والعزائم التي تندرج تحت خطاب الوضع.  
    -   إن الدولة الوطنية في عالمنا الإسلامي مع اختلاف أشكالها وصورها، هي نظم شرعية لها من المشروعية ما للإمبراطوريات الكبرى التي كانت قائمة في التاريخ بناء على قانون المصالح والمفاسد الذي تدور حوله أحكام الشرع، فلا يجوز أن تراق الدماء لتوحيد الدولة، ويجب أن يسود السلام.
    - إن حرمة الدول المسلمة ومواطنيها لا يعني أي انتقاص من حرمة غيرها من الدول بل هو مجرد تخصيص بالذكر والاهتمام اقتضاه تصحيح مفاهيم مغلوطة متداولة في السياق الثقافي الإسلامي الراهن.
    - إن التضامن وإصلاح الوحدات الوطنية هو السبيل الوحيد للخروج من الظروف الحرجة التي تعيشها المجتمعات المسلمة اليوم. 
    - إن مكافحة الإرهاب الذي يعتبر آفة العصر ومرضه العضال تقتضي تكاثف جهود الجميع ماديا وفكريا والتضامن مع المسلمين وخاصة في المنطقة العربية لأنهم أول المتضررين . 
    التوصيات:
    - متابعة الاهتمام بالمفاهيم التي يترتب عن سوء فهمها إخلال بالسلم الاجتماعي أو الأهلي أو العالمي.
    - المزيد من التنسيق مع الهيئات والمنظمات وممثلي الديانات المختلفة في مجال نشر قيم السلم والعيش المشترك والأخوة الإنسانية.
    - تعزيز قيم الدولة الوطنية في المقررات الدراسية في المجتمعات المسلمة وفي أقسام الدراسات الشرعية.
    - تشجيع البحث الجامعي في مجال التأصيل للدولة الوطنية مقاصد وتاريخا.
     -  تخصيص جوائز وطنية وعلى صعيد المجتمعات المسلمة للبحوث المتميزة في دراسة المفاهيم الشرعية المرتبطة بالدولة في نشوئها وتطورها وعلاقتها بالواقع المعاصر.
    -  نشر أعمال هذا الملتقى بمختلف وسائل النشر الورقي والإلكتروني والتفاعلي لتعم بها الفائدة ويتاح التواصل حولها مع الهيآت العلمية " لمنتدى تعزيز السلم" ومع المسهمين فيه بالعروض والبحوث.
      وفي الختام يتوجه المؤتمرون بالشكر الجزيل والثناء الجميل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة على رعايتها الكريمة، ودعمها المتواصل للمنتدى، ويرفعون عبارات امتنانهم إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة،  وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي ، وإلى أصحاب السمو حكام الإمارات كما يتوجهون بعظيم الامتنان إلى سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، على ما يضفيه من رعاية على المنتدى، داعين الله لهم جميعا بالتوفيق والسداد والعون، وأن يحفظ دولة الإمارات قيادة وشعبا ويديم عليها سابغ نعمه وأفضاله .
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
    لجنة البيان الختامي
    البيان الختامي
تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة - الملتقى الثاني

2015
تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة - الملتقى الثاني

  • انبثقت مبادرة "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" العام الماضي من استجلاء أوضاع الأمة الإسلامية التي اتسمت في السنوات الأخيرة بمستوى غير مسبوق من العنف والقتل والدمار تغني إحصاءات مخلفاته اليومية عن كل تعليق. وقد انطلقت تلكم المبادرة من ملاحظة أن هذه الأوضاع والظواهر تتجاوز الأزمات العابرة؛ لأنها آخذة في التمدد والانتشار في جسم الأمة؛ مما يجعلها عرضة للانفجار، ويسيء إساءة بالغة إلى صورة الإسلام؛ وخاصة في الغرب الذي يشهد خوفا متزايدا من ديننا، وتناميا للكراهية والعنصرية وأعمال العنف ضد المسلمين.
     وقد حقق الملتقى الأول للمنتدى نجاحا كبيرا بفضل الله تعالى ثم بالحضور النوعي لما يفوق مائتين وخمسين عالما ومفكرا، برعاية كريمة من دولة الإمارات العربية المتحدة، ولفت انتباه المفكرين وصناع القرار في العالمين الإسلامي والغربي، وأصبح محل تقدير لدى هيئات دولية. ولم تزل الأحداث المتلاحقة والمتسارعة في العالم الإسلامي بعد انعقاد المنتدى تؤكد – بكل أسى وأسف- ما حذر منه من مخاطر محدقة بالأمة الإسلامية بسبب صراع البقاء المفضي إلى الفناء، وتثبت ما نبه إليه من انعكاسات هذه المخاطر على مناطق مختلفة من العالم؛ وتزكي ما صدر عنه من توصيات؛ وهي في محصلتها سعي إلى خلق تيار سلام قوي في المجتمعات المسلمة -حيثما وجدت- ليناهض تيار العنف والغلو والتطرف، بغض النظر عن مرجعياته وخلفياته ودوافعه.
    وإذا كانت غاية الملتقى الأول "لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" هي إعلان الحرب على الحرب، لتكون النتيجة سلما على سلم، وإطفاء الحريق وإنقاذ الغريق، وخفض حرارة جسم الأمة؛ فإن غاية الملتقى الثاني – مع استصحاب الغاية الأولى لبقاء أسبابها- هي إعادة برمجة   الأولويات في المجتمعات المسلمة؛ بتأهيل العقول والنفوس لإدراك محورية السلم في ديننا وشريعتنا وتراثنا؛ وذلك باعتماد المنهجية الصحيحة في قراءة نصوص الوحي وتراث السلف؛ لأن ما يجري في المنطقة اليوم ليس مما يأباه ديننا وتجرمه شريعتنا فحسب؛ بل هو خارج عن نطاق العقل والإنسانية.
    إن تأسيس تيار السلم في المجتمعات المسلمة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية هو أوجب الواجبات الآن. وهذا التيار لا يمكن أن يتأسس بمعزل عن كليات الإسلام ومقاصده وأحكامه؛ لأنها هي العناصر التي تشكل عمق الثقافة والقيم والسلوك في هذه المجتمعات، وهي التي تمد الجسور بينها وبين الحكمة الإنسانية والقيم التي تناضل البشرية جمعاء من أجلها وتتشوف إلى العيش في ظلالها. ومن ثم فإن الملتقى الثاني "لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" يستحضر الأهمية البالغة لاصطفاف علماء الإسلام في صف واحد لمواجهة تيار الغلو والعنف؛ لأن الواقع اليوم أثبت أن المجتمع الدولي يتشوف لوظيفة الدين ودور العلماء في إخماد نيران الحرائق التي أججتها المظلوميات والإحن والأحقاد، وألبسها الجهل أو سوء الفهم أو حب الدنيا لبوس الشرعية الدينية. وإنها لفرصة سانحة للعلماء خاصة، ثم للمفكرين ولمن لهم تأثير على الرأي العام في المجتمعات المسلمة، ليأخذوا بأيديها ويتحملوا مسؤولياتهم في توضيح الصورة الحقيقية لديننا؛ دين السلام والمحبة والوئام؛ بعد أن أصابها من الغبش والتشويه ما أصابها، وأصبحنا فتنة لغيرنا: يفني بعضنا بعضا، والجميع يرى نفسه من المصلحين، ويقع علينا ظلم غيرنا فنتصرف تجاهه بما يظهرنا كالمعتدين. وقد آن الأوان كي تتحرر نخب الأمة إذا عادت إلى كليات ديننا ومقاصده وأولوياته، وتأملت في مآلات وضعنا وعواقبه، من كل أنواع الضغوط النفسية والثقافية والاجتماعية...لتذكر الناس أو تجابههم بالحق: ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النارغافر:41 
    وانسجاما مع غايات هذا الملتقى الثاني لمنتدى تعزيز السلم وهي: استئناف جهود إطفاء الحرائق المتأججة في جسم الأمة لتجنيبها المزيد من الدمار المادي والمعنوي، وزرع بذور تيار في الأمة يتبنى أولوية السلم ويعمل من أجل تحقيقه وترسيخه بوصفه الخيار الوحيد لتدبير الاختلاف، والتدافع، والتغيير؛ إلا في حالة الدفاع عن النفس ورد العدوان... انسجاما مع تلكم الغايات سيتدارس العلماء والمفكرون والباحثون أيام (9-10-11 رجب 1436 هـ/ 28-29-30 أبريل 2015م ) بحول الله المحاور التالية:
    المحور الأول: جغرافية الأزمات في المجتمعات المسلمة وتجارب السلم والمصالحة:
    إن إدراك الواقع إدراكا علميا أو قريبا من ذلك يسهم إلى حد كبير في الوعي بما يفرضه علينا من تحديات وإكراهات وصعوبات، كما يسمح لنا باستكشاف ما يختزنه من طاقات وفرص وإمكانات. ولعل كثيرا من المواقف والقرارات والإجراءات المجانبة للصواب في المجتمعات المسلمة مردها إلى ضعف المعرفة بواقع الأفراد والمجتمعات والدول. ومن ثم فقد خصص الشق الأول من هذا المحور لدراسة وصفية شاملة لبؤر الأزمات والتوتر في المجتمعات المسلمة؛ حتى تتضح الصورة لمن لا يزال غافلا عن العواقب الوخيمة الواقعة والمتوقعة لمختلف مظاهر اللاسلم في هذه المجتمعات في شتى المجالات. وبالمقابل سيسعى الشق الثاني من هذا المحور إلى تجلية عناصر الأمل في إحلال السلم الاجتماعي في الواقع المعاصر؛ وذلك من خلال نماذج من المجتمعات المسلمة ومن المجتمعات الأخرى. فحسم الخلاف بالعنف والصراع المسلح ليس ضربة لازب، ولا قدرا محتوما؛ وإنما هو فشل في السمو الفكري والنفسي إلى أفق التعايش والتفاهم، وعجز عن تحمل التبعات النفسية والاجتماعية للتضحية بحقوق  وإن كانت مشروعة، والصفح عن مظالم وإن كانت شنيعة، من أجل مستقبل يجد الجميع فيه مكانا وموقعا، ويتعايش الناس فيه في أمن وسلام: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم- الرعد:11)
    ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:
    1- جغرافية الأزمات في المجتمعات المسلمة
    2- تجارب السلم والمصالحة في الواقع المعاصر:
    أ‌- في المجتمعات المسلمة ( إقليم آتشي- أندونيسيا)
    ب‌- في المجتمعات الأخرى ( جنوب أفريقيا)

    المحور الثاني: تصحيح وترشيد المفاهيم المرتبطة بتعزيز السلم:
    كان أحد محاور الملتقى الأول لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة السنة الماضية مخصصا لتصحيح المفاهيم لأهميتها القصوى في التصور كما في التطبيق والممارسة. فالمفاهيم الشرعية يساء فهمها إذا اختل أحد عناصر تكوينها؛ سواء كان مدلولا لغويا وشرعيا، أو مقاصد وعللا مولدة للأحكام، أو واقعا وبيئة هما مجال التنزيل. وقد ارتأت اللجنة العلمية للمنتدى استصحاب هذا المحور اقتناعا منها بأن التباس المفاهيم واضطرابها وغموضها من أهم الأسباب الفكرية للعنف الذي يمارس باسم الإسلام في المجتمعات المسلمة وفي مناطق مختلفة من العالم، وبأن من أولويات مهام علماء الأمة ومفكريها وباحثيها اليوم التصدي لاستعمالات قاصرة لمفاهيم لم تستوعب في علاقتها بمقاصد الرسالة المحمدية، وبسياق تكوين الأمة، وحفظ تماسكها الداخلي وأمنها الخارجي. وبذلك تتحرر هذه المفاهيم مما تعرضت له من مصادرة، وتتضح حقيقتها ووظيفتها في ديننا. 
    وحرصا على مزيد من التدقيق في دراسة المفاهيم، اختير لهذا المحور ثلاثة موضوعات انطلاقا من راهنيتها وقوة توظيفها في المواقف والتصرفات التي تشهدها المجتمعات المسلمة اليوم؛ وهي:
    1- الجهاد والقتال
    2- التكفير
    3- تقسيم المعمورة
    فالجهاد برغم سعة مجالاته التي يعد القتال واحدا منها؛ كأنه صار مرادفا للقتال؛ مما يستدعي بيان علاقة الجهاد بمختلف أنواع القتال، فضلا عن تحديد من له الحق في إعلان جهاد القتال؛ بعد أن أصبح إعلانه  الذي كان قرارا وتدبيرا مخولا للدولة، دعوى يتبناها أفراد أو جماعات لم تخول لهم الشريعة ولا الأمة هذا الحق. فتحول جهاد القتال من مفهوم للسلم والرحمة، ومن وسيلة للدفاع عن حرية المعتقد أو المستضعفين أو لرد العدوان، إلى ذريعة لفساد وإفساد كبيرين في كيان الأمة. كما يقتضي المقام تحقيق مناط الجهاد في السياق الدولي المعاصر الذي انتفت فيه الحواجز المانعة من الدعوة إلى الإسلام، وانتمت فيه الدول إلى معاهدات ومواثيق ومنظمات تتغيى منع العدوان، وتنظيم العلاقات الدولية على أساس السلم والتعاون.  
       والتكفير الذي هو نفي الإيمان والحكم بالارتداد، حكم بالغت الشريعة في التحذير من إيقاعه على غير مستحقيه، وتحرج منه السلف الصالح واحتاطوا له غاية الاحتياط؛ بل اعتبروه من جرائم الفساد في الأرض، لخطورة ما يترتب عنه من آثار دينية ودنيوية. لكنه لم يعد في المجتمعات المسلمة اليوم مقتصرا على ما هو من صميم الاعتقاد، ولا مبنيا على علامات واضحة لا تحتمل أي تأويل؛ بل أصبح الناس يكفرون بالشبهة ولوازم الأقوال، وفي قضايا لا تعدو أن تكون أحكاما فقهية عملية.  وبما أن كل تساهل وتوسع في حقيقة ما يوجب التكفير هو من حيث المآل توسيع لقاعدة المستهدفين بالقتل؛ فإن الموضوع يستدعي تجلية ما الذي يوجب التكفير شرعا؟ أي ما الذي يعتبر ناقضا لإسلام المرء وموجبا لارتداده؟ وهل المفاهيم المتذرع بها اليوم للتكفير كالولاء والبراء والحاكمية من موجبات التكفير؟ علما بأن المجتمعات المسلمة اليوم لا تملك زمام أمرها بالكلية، وأنه لا تلازم بين دائرة الاعتقاد والإيمان ودائرة الأحكام العملية. ثم ما هي الجهة المخولة لإصدار حكم التكفير؟ هل هي جهة علمية كالمفتي أم ولائية كالقاضي؟ وهل يمكن تجريم التكفير الصادر من غير أهله ما دام التكفير تسويغا غير مباشر للقتل؟
       ومفهوم الدار -أو تقسيم المعمورة- أيضا من المفاهيم التي وقع فيها كثير من الالتباس ويتوسل به اليوم إلى جرائم كثيرة باسم الإسلام. فتقسيم الدور إلى دار إسلام ودار حرب تقسيم ظرفي راعى فيه الفقهاء في زمانهم الارتباط العضوي بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في العالم كله، مع غياب معاهدات دولية تسمح للمسلمين أن يمارسوا شعائر دينهم بحرية وأمان خارج البلدان التي تخضع لأحكام الشريعة، فهل يصح أن يتحول التقسيم الظرفي إلى تقسيم مطلق في الزمان والمكان؟ ألم يتغير الواقع الدولي بوجود مواثيق دولية ملزمة غيرت طبيعة الدار بل وحمت الدول الصغيرة من أن تبتلعها الدول الكبيرة لو بقيت العلاقات تحت رحمة القوة العسكرية؟  ألسنا اليوم في دار مركبة التقسيم تسمح للناس على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم بالتساكن والتعايش والتعاون؟ أليس حمل المسلمين لجنسية دول لا يدين غالبية أهلها بالإسلام لكنها تسمح لهم بإقامة شعائر دينهم وبالدعوة إليه مظهرا من مظاهر هذه الدار المركبة؟ ثم ماذا عن ربط إسلامية الدار بتنفيذ الأحكام الشرعية كلها؟ أليس ذلك اختزالا لمفهوم الأمة في بعده السياسي مع أن مفهوم الأمة هو ديني بالأساس؟ ثم ألا يؤدي ذلك الربط إلى تكفير المجتمعات الإسلامية كلها؟ ألسنا بحاجة في هذا المجال إلى تفعيل أحكام جديدة تختزن قيما جديدة تناسب رسالة الإسلام ومقاصده وتليق بصورة نبينا عليه الصلاة والسلام الذي أرسله الله رحمة للعالمين؟ هذه الأسئلة هي التي ينتظر من علماء الأمة ومفكريها أن يجيبوا عنها في هذا الملتقى انطلاقا من أصول الشريعة وقواعدها ومقاصدها.
    المحور الثالث: السلم في الإسلام: تأصيل وممارسة واستشراف

    ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:
    1- تأصيل السلم ( النصوص الحاكمة- المفاهيم- القيم- القواعد- الآليات والوسائل)
    2- شهادات تاريخية حول السلم في الإسلام.
    أصلت الكلمة التأطيرية للملتقى الأول لأولوية السلم في منظومة القيم الشرعية على غيره من القيم تأصيلا وافيا، مبنيا على استقراء نصوص الوحي، ووقائع السيرة النبوية الشريفة، وعمل السلف الصالح، وفقه الأئمة الراسخين؛ ثم حللت "جملة من المفاهيم التي كانت في الأصل تشكل سياجا على السلم... ففهمت على غير حقيقتها، وتشكلت في الأذهان بتصور يختلف عن أصل معناها وصورتها، وانقلبت إلى ممارسات ضد مقصدها الأصلي وهدفها وغايتها" . وكانت العبارة الملخصة لهذ البحث : " إذا كانت المطالبة بالحق حقا فإن البحث عن السلم أحق" 
      وفي هذا الملتقى الثاني يتابع "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" البحث العلمي المؤصل في الموضوع الذي هو غاية تأسيسه وبرنامج عمله: قضايا السلم، وإشكالاته، وعوائقه، وحوافزه، والسبيل إلى تحقيقه.
    وبالنظر إلى ما تجابه به الدعوة إلى السلم من تحفظات وشكوك وشبهات اقتضى المقام العود- والعود أحمد- إلى تأصيل مفهوم السلم، كما اقتضت الصورة المتداولة عن الإسلام اليوم في العالم بسبب كل ما يرتكب باسمه من فظائع، أو بسبب التحامل، عرض وتحليل شهادات تاريخية لإخواننا في الإنسانية حول الإسهام الذي قدمه الإسلام للحضارة البشرية في مجال السلم. 
    أما التأصيل فمن خلال بيان عناصر متكاملة أبرزها:
    أ‌- النصوص: وذلك بجمع النصوص الشرعية في الموضوع، وتمييز أصولها من فروعها حتى يفسر بعضها بعضا بدل أن يضرب بعضها ببعض. وهذا مجال واسع للجمع والتأويل والترجيح. 
    ب‌- المفاهيم: وذلك ببيان منظومة المفاهيم الوسيطة التي يتشكل منها مفهوم السلم: في ذاتها، ومن خلال العلاقات التي تربط بعضها ببعض.
    ت‌- القيم: وذلك ببيان القيم التي تهيئ المجتمع المسلم لتقبل السلم وتحمل تبعاته كالأخوة الدينية والأخوة الإنسانية، والدفع بالتي هي أحسن، والعفو عند المقدرة، ومقابلة السيئة بالحسنة.... 
    ث‌- القواعد: وذلك ببيان القواعد المؤسسة لفقه السلم: كقاعدة اعتبار المآلات والعواقب، وقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح،وقواعد ترتيب المصالح والمفاسد عند التعارض...
    ج‌- الآليات والوسائل: وذلك ببيان الآليات والوسائل التي تفضي إلى حل النزاع وتحقيق السلم سواء تعلق الأمر بالأفراد أو بالمجتمعات. ومن ذلك –مثلا- الصلح والتحكيم والعفو والمعاهدات والهدنة...
    وأما الشهادات التاريخية فهي دعوة إلى إنصاف الإسلام من خلال استعراض نصوص استطاعت التجرد من ضغوط الانتماء إلى ثقافات أو معتقدات دينية أخرى، وميزت ما هو أصيل في تصور الإسلام للسلم، وفي مجمل تجربة الأمة الإسلامية، مما هو عارض أملته ظروف طارئة أو دفعت إليه أفهام خاطئة.  كما أنها فرصة لبيان حقيقة إسهام الإسلام في إنشاء مفاهيم السلم ونشر ثقافته وتطوير آليات تحقيقه والحفاظ عليه؛ في بيئة كانت القاعدة العامة فيها للعلاقات بين المختلفين دينا أو عرقا هي الصراع المسلح، أو التربص بالخصم إلى حين.  
    وحرصا من " منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" على المزيد من توضيح الرؤى وتعميق المفاهيم ؛ ستغتني محاور الجلسات العامة ومحاضراتها بورشات تتاح فيها الاستفادة بشكل أمثل من إسهام العلماء والباحثين والمدعوين في ترشيد الوجهة وتنويع الاقتراحات؛ هذا فضلا عن ورشتين إضافيتين: 
    أما الورشة الأولى فمهمتها علمية تنظيرية؛ تبحث فيما يمكن للجامعات الإسلامية أن تقدمه لمشروع تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بالنظر إلى  المكانة الرائدة لهذه المؤسسات في المجتمعات المسلمة في توجيه شباب الأمة من جهة، ولاقتدارها من جهة ثانية على توجيه البحث العلمي في الدراسات الشرعية وجهة تنفي عن التراث الإسلامي ما علق به من أقوال وتوجهات شذت عن محجة الوسطية والاعتدال والسماحة، وعلى استبصار ما يحتاجه مشروع تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة من رسم للتوجهات وتحديد للأولويات وتصميم لخطط العمل.
    وأما الورشة الثانية فهي ورشة تستهدف توظيف خبرة الشباب المتمرسين في تقنيات التواصل الإلكتروني في خدمة مشروع تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة؛ إيمانا من " المنتدى" بحاجة المؤسسات العلمية والتربوية والمنتديات الفكرية في المجتمعات المسلمة إلى استثمار هذه الطاقات والمعارف والخبرات في خدمة السلم، وبحاجة الشباب أنفسهم إلى الانخراط في هذا المشروع  ليكونوا مصابيح تنير للناس طريق الخير، بدل أن يكونوا وقودا للفتنة العمياء وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
    ويأمل " منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" أن يكون هذا الملتقى الثاني فرصة جديدة لتبادل الرأي بين العلماء والمفكر
    ين والباحثين والخبراء والشباب، وتقديم رؤى وبدائل ومشاريع  تسهم في التأصيل لثقافة السلم في الأوساط العلمية والمؤسسات البحثية، وفي إشاعتها في  المجتمعات المسلمة قيما وسلوكا.
    والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
    .
    الورقة التصورية
  • بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين السلام المؤمن، خلق الإنسان وأوضح له سبيل السلام، ودعاه إلى دار السلام. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الذي جعل وسيلة الإيمان الحب، وسبيل الحب إفشاء السلام، وذلك في قوله: ( لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا أنتم فعلتموه تحاببتم؟. أفشوا السلام). فلا تمام للإيمان بدون حب، ولا حب بدون سلام.
    أيها السادة:
    ها نحن اليوم بفضله تعالى وسابغ كرمه، نعقد الملتقى الثاني ل"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" بعد أكثر من سنة من انعقاد الملتقى الأول في عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة أبوظبي، وفي الرحاب الفسيحة لبيت الشيخ الشيخ زايد آل نهيان طيب الله ثراه،
    لعمري لأنت البيت أكرم أهله
      ** وأقعد في أفيائه بالأصائل
     وبرعاية كريمة وعناية فائقة من قيادة هذا البلد الطيب. تلك الرعاية والعناية التي كانت بعونه تعالى وتوفيقه من أهم أسباب نجاح التحركات التي أعقبت الاجتماع الأول في داخل المجتمعات الإسلامية، أو في نطاق الإنسانية إبلاغا لرسالة السلام التي اتفقنا هنا على إفشائها طبقا لتعاليم سيد الخلق وحبيب الحق: ( أفشوا السلام بينكم)، (وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف).
    منجزات سنة التبشير:
    لقد وصلنا رسالتنا هاته في محافل دولية عدة، فقدمناها في اجتماع منظمة"ديانات من أجل السلام" في حوار الديانات الذي نظمه مركز خادم الحرمين لحوار الثقافات في فيينا، وبسطناها وسط تجمع للمسلمين في نيويورك، وفي مجلس الأمن الدولي في جلسة حول مشكلة الإرهاب والتطرف، وفي مركز السلام بواشنطن، وفي مختلف وسائل الإعلام الأمريكية، وبعض وسائل الإعلام العربية هنا في دولة الإمارات وغيرها.
    كما احتضنت أبوظبي اجتماعات على مدى يومين ضمت عددا من ممثلي علماء نيجيريا للتمهيد لاجتماع أوسع لمختلف الأطراف؛ كما عقد اجتماع آخر للديانات في هذا البلد للجنة التنفيذية للديانات من أجل السلام شارك فيه كبار اأتباع الديانات المختلفة، وفي منتدى دافوس بسويسرا أبلغنا رسالة المنتدى، وفي مؤتمر إحياء الروح الإسلامية -2014 بتورونتو الكندية، وفي مؤتمر للأئمة في المملكة المتحدة لتقديم الإرشاد والتوجيه في رعاية الجالية المسلمة وترشيد الشباب المسلم، وأخيرا في المملكة العربية السعودية في كرسي الأمير نايف للقيم في 13 أبريل 2015م حول "تحالف القيم المشتركة في خدمة السلم"، قدمنا فيه مفهومنا لحلف الفضول من أجل السلم، بالإضافة إلى دعوات لم نستطع تلبية الكثير منها.
    حاولنا في سنتنا الأولى أن نؤسس لتيار السلم، وأن نسلط الأضواء على أخطر أدواء الأمة ونقصد مشكلة العنف والتطرف والإرهاب، وأن نصحح ونرشد المفاهيم المرتبطة بالسلم، وأن نبشر برسالة السلم شرحا وإذاعة وإشاعة، وحتما، فإن النتائج لن تكون سريعة على الأرض، ولن ندعي أننا استطعنا نزع أسلحة مقاتلين يئس بعضهم من بعض، ومحاربين يئسوا من الحياة ومن الناس، قل علمهم، واشتد تعصبهم، لهم أحيانا ثارات مع جهات، ومظالم عند أخرى، إلا أننا نرجو أن نكون قد تمكنا من إحداث اختراق لحصونهم وبنيتهم الفكرية، اختراق - على الأقل –جعل المقدم على الانجذاب إلى تيار العنف والقتل يساوره شك بأن هذه ليست طريق الجنة.
    كما كان من نتائج عملنا خلال سنتنا الماضية، أن المنتدى استطاع أن يطلق في الساحة العلمية والفكرية مفاهيم السلم، فقبل عام فقط من الملتقى السابق لم يكن لتأصيل السلم في الإسلام ولا لتوصيل المفاهيم المرتبطة به، أو تصحيحها وترشيدها من ذكر إلا لماما، لكن خلال عام من انعقاد الملتقى الأول انبنت كثير من الملتقيات والمؤتمرات على الفكرة التي تشغلنا، وتأثث فضاؤها بالمفاهيم التي عالجناها.
     إلا أننا وإن كنا نستبشر بما أنجزناه، فإننا نقدر حجم ما يلزمنا القيام به لتحقيق الغايات المرجوة في ظل الحالة القائمة، والصورة القاتمة التي لم تتجل بعد.
    أيها القادة، أيها العلماء، أيها الحكماء:
    إن الأمة تعاني من مشكلة ومعضلة كبرى، إذا كان يمكن لهذه الكلمة أن تعبر عن تلك المعاناة، لتعدد أوجه الإشكال وتنوع مقاربات فهم الأعضال. فهذا الوضع لا يصف إلا نفسه، إذ أن المشاهدة الحسية ذاتية العلم، فلا تستفاد من دلالة اللفظ، فلا فائدة من الوصف الذي لن يبلغ حد الشناعة والبشاعة والفظاعة مهما التهبت الكلمات، وتعالت الصيحات، وزمجرت الحناجر.
    لكن، ما هو باطن هذا الظاهر؟. وما هي الأفكار التي أنجبته، والمراجل التي أنضجته؟. 
    من؟، ماذا؟، لماذا؟، كيف؟، متى؟، أين؟.

    كل أدوات الاستفهام مشرئبة الأعناق إلى أجوبة، لأنه قد استحكم الداء، واستحالت الصهباء، واغبرت البيداء، فما هو الدواء؟.
    إن الأفعال التي يشهدها العالم في كل يوم بشعة في عرف الإنسانية وذوقها وحسها؛ ولكن الأبشع أن يكون عنوانها الموضوع ولواؤها المرفوع: الدين الإسلامي والوحي السماوي، والقيم الربانية افتراء على الباري جل وعلا، وعلى رسول الرحمة، وافتياتا على أكثر من مليار من البشر، فوصمت الدين وشوهت سمعة المسلمين، مما أوجد حالة من الاشمئزاز والنفور والغضب، بل والكراهية والحَنَق وليس ضد الفاعلين بل ضد المسلمين وضد الإسلام نفسه.
    ومن اللافت أن تلك المشاعر المليئة بالاشمئزاز والتقزز لم تعد خاصة بأعداء الإسلام التقليديين والتاريخيين، وإنما أصبحت تلقي بحممها كالبركان الهائج في أعماق فئات من المسلمين أنفسهم الذين صاروا في أحسن الأحوال في شك من دينهم وريبة من عقيدتهم إن لم يكونوا في مفاصلة معه.
    وبسبب تلك الأفعال التي لا يمكن أن توصف، والأصوات التي تتذرع بالآيات والسنة وتتشدق بأنها الممثلة للدين، أصبح المتمسكون بدينهم، الموقنون بأنه دين السلام والمحبة والوئام، وأنه يمثل حضارة الحياة للبشرية، والضمانَ للنفوس والأموال والأعراض، كالقابض على الجمر، يستحيون أحيانا من إعلان تلك الحقيقة، ويتساءلون أحيانا في المحافل الدولية إذا كان هناك من يصغي لكلامهم.
    ولقد طف الصاع، وبلغ الحزام الطبيين، وأصبحت هذه الظاهرة المجنونة في هذه الحقبة من التاريخ ميزة أهل الإسلام، ولم يعد بالإمكان التذرع بالمؤامرة الصهيونية أو الغربية أو التاريخية التي لا يمكن إنكارها مهما كانت حقيقة ظلمها، ووجاهة حججها، ورسوخ جذورها في تربة بلادنا وإحساس شعوبنا؛ فعن أي شيء يبحث المتآمرون إذا كان المتآمر عليه يقوم بنفسه بأسوء مما يمكن أن يتصوره المتآمرون.
    لا يبلغ الأعداء من جاهل
     ** ما يبلغ الجاهل من نفسه
    إن القضايا التي شغلتنا ما زالت غير مُستوعَبةٍ، والقيم التي دافعنا عنها غير مُتَمَثَّلةٍ، والنصوص الشرعية التي سردناها غير ممتثلة. إن الهم هو أن تنبت شجرة السلم، والتي تحتاج وقتا تقوم على سوقها وليس المهم من يستثمر أو من يستظل، ولكن المهم هو إنجاز المهمة التاريخية.
    هذه المهمة اليوم، هي إماطة اللثام عن زيف التوكؤ على الإسلام من خلال استشهادات مجتزأة خارج السياق الزماني والمكاني والإنســــــاني، ومعزولة عن بقية النصوص التي تفسر غموضهـــــا، وتقيد إطلاقها، وتخصص عمومها، وترد جزئيها إلى كليها. وباختصار، هي منابذة ومراغمة للمنهجية الصحيحة المؤصلة. ولهذا، فقد يكون من الضروري أن نذكر بشيء من التفصيل مواقع الخلل ومواطن الزلل عند هؤلاء في تعاملهم مع النصوص.
    وبكل أسف ، فإن بعض حملة العلم الذين يرفضون الإرهاب استصعبوا الخوض في غمار المنهجية العلمية العميقة التي من شأنها أن تفكك بناء الإرهابيين، وتنقض عرى ما عقدوه أنكاثا. 
    وعموما، يمكن أن نقسم المواقف تجاه دعاوى الغلاة إلى ثلاثة أقسام:
    1- قسم اكتفى أربابه بالتعويم والتعميم وإصدار بيانات الإدانة، متهيبين النزول إلى ساحة القضايا والمفاهيم.
    2- قسم رام مقارعة الأدلة الجزئية بمثلها، فلم يعد أن تبنى منهجهم الاجتزائي، فرد بجزئي على جزئي وبظاهر على ظاهر، فلم يصنع شيئا..
    3- قسم عدل عن هذا كله وزعم أن النصوص غير ملزمة، فسلم ضمنا بأن الإرهابي يعتمد على الدين الإسلامي.
    وفي كل الحالات، يربح الإرهابي القضية على أساس أن أدلته لم تنقض، ومسيرته لم تعترض وهكذا يكون قد اختطف الدين لحسابه، وكأن الأمة على ضلالة سوى الفئة الضالة، المختارة على زعمهم.
    لهذا، فإن منتدانا هذا حمل على كاهله الرسالة العلمية والعملية للسلام، لأنه:
    - شرح أهمية السلام، وقيم السلام، وسيبين المنهج الصحيح في التعامل مع النصوص ليثبت لطلبة العلم وللنخبة المستنيرة كيف كان فهم هؤلاء خاطئا.
    - وسيتنزل إلى المفاهيم ليشرحها حتى تتضح الحقائق الشرعية.
    - سيبين العلاقة بين تعليمات الشرع والظروف الموضوعية، والربط العضوي بين المصالح جلبا والمفاسد درءا والتطبيق العملي، لنعلي من شأن السلم، وتوفير أسباب الحياة، ونحط من الافتخار بالحرب ونبعد أسباب الدمار والهلاك، لتكون النتيجة أن من يمارس القتال والتدمير والتكفير والتهجير ليس له سند صحيح من الإسلام، ولا يعتمد على منهج مستقيم من مناهج تفسير النصوص.
    إن الرحمة مبدأ وأصل راجح على كل الجزئيات الظرفية، وأن الأمة لا يمكن أن ترضى هذا العبث، فالإسلام مبناه على الحكمة والعدل والرحمة والمصلحة، وأن أي علاج لأدواء الأمة لا يمكن أن يوصف إلا من صيدلية الإسلام، وأن أي حلول لمعضلاتها لا يمكن أن تخرج إلا من رحم هذا الدين بالأدلة البينات والحجج الواضحات.
    تذكير:
    لقد شرحنا في الورقة التأطيرية للملتقى الأول ضرورة السلام، وفريضة السلام، ونصوص السلام ومقاصد السلام، ومفاهيمه، وقيمه، ووسائله وآلياته، فأكدنا على أن السلام فريضة باعتباره مقصدا أعلى من مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن له أولية على الحقوق الثابتة أو المزعومة، المادية أو المعنوية، الفردية أو الجماعية، الدينية أو الدنيوية، لأنه لا ثبوت ولا ثبات لها إلا به، ففقدان السلم هو فقدان لكل الحقوق بما فيها الحق في الوجود.
     وأصلنا للسلم، وبينا كيف أسهم فيه الإسلام تاريخيا، وحشدنا لذلك عددا كبيرا من النصوص والأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ، وفقه الصحابة، وأقوال أئمة المسلمين، وبينا المفاهيم المعززة له وكيف أن اختلالها يحولها إلى الإخلال به، وكيف أن الفقه الإسلامي عني بفقه الصلح الذي ما هو إلا السلم حسا ومعنى. 
    وتطرقنا إلى معالجة مجموعة من المفاهيم التي كان نتاج فهمها الخاطئ ما نراه اليوم من تهارج وسفك للدماء وانفراط لعقد المجتمعات المسلمة وإن بدرجات متفاوتة.
     تحدثنا عن الجهاد، وعن التكفير، وعن الطاعة، وعن الولاء والبراء، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن الديمقراطية والحداثة، باعتبارها كلها اليوم محور التنازع والتجاذب بين مختلف أطياف ومكونات المجتمعات المسلمة، ولا يزال بعض هذا ماثلا في جدول أعمالنا اليوم.
    ما هو جدول أعمال المنتدى؟
    نقطة وحيدة هي الأساس لكل ما يمكن أن يقال، لا يزال عملنا مستمرا على التأصيل والتوصيل نحن نؤصل وبين أيدينا نصوص الوحي ومقاصد الشريعة.
    ما أهدافنا؟ 
    لم نرد لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة أن يكون تظاهرة إعلامية، أو حملة علاقات عامة، أو جمهرة خطابية، بل أردناه فضاء للعلماء والمفكرين، لمناقشة ظاهرة الخصومة الواصبة، والعداوة المستحكمة التي تشكلت في القطيعة القطعية، والنتيجة الشنيعة المتمثلـة في الاقتتال والاحتراب وتبرير ذلك بدعاوى دينية وآراء جنونية.
    كانت أهدافنا من كل ذلك  -ولا تزال- إطفاء الحريق وإنقاذ الغريق، وإعادة بناء حصون السلم في النفوس، من خلال إعلان الحرب على الحرب، واليوم  هدفنا أن نضع خطابا مقابل خطاب أن نضع خطاب الشرع والعقل والحكمة ضد خطاب التحريف والعبثية، وأن نعيد الاعتبار للعقل والحكمة إذ هما بالتأكيد أساس الإسلام ومبادؤه وقيمه، وأن نقدم بديلا لخطاب الفناء وخطاب الغلو والعنف، خطاب نوقظ به الوسنان، وننبه به الغافل، ويفيق به المجنون فيؤوب إلى رشده، وقديما قيل:
          لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا
     **** وما عُلم الإنسان إلا ليعلما
    أما ما نبحث عنه، فإننا قلنا ولا زلنا نقول: نبحث عن مسوغات العافية، بدل مبررات الفتن والحروب الجاهلية، نبحث عن إيقاف الحروب والاحتكام إلى العقل والشرع والمصالح والمرابح، وهو صفاء النفوس من داء العناد والاستكبار الذي يروج للفناء والانتحار.
    ما وسائلنا؟، وما هي أسس منهجيتنا؟
    سنتوقف مع كيفية قراءة النصوص والاستنباط، لأنها هي المعضلة، وهي الحل، فالمشكلة في عمقها مشكلة خطاب التجديد الذي من شأنه أن يهيئ أرضية السلام، ولك أن تسميه ما شئت، سمه تجديدا أو مراجعة، أو ثورة، أو إثارة، أو إحياء، فخلاصة الأمر كله أنه ينبغي تجديد صياغة الخطاب الديني بإعادته إلى أصوله، وإعادة تركيب المفاهيم الحقيقية الصحيحة لغة وعقلا ومصلحة، ، ومقاربة إعادة برمجة العقول وتوجيه الإرادة إلى البناء بدل الهدم، والإيجاد بدل العدم، ومقارعة الحجة بالحجة لتحرير العقل بالدين وتبرير الدين بالعقل، فلا تفاوت ولا تناقض. من خلال منهجية جديدة في صياغتها، قديمة في جذورها، خارجة من رحم الإسلام ومن رحم التراث، ومن جذور المعارف الإسلامية والإنسانية، وبإنتاج خطاب جديد في مضامينه الزمنية لكنه قديم في ثوابته الأزلية، يبني الأسباب الشرعية على الشروط الزمنية ويراعي الموانع البشرية.
    كانت هذه هي الوسائل، أما أسس منهجيتنا فتقوم على تذليل جملة من العقبات، وإصلاح عدد من الأخلال التي تعترض تجديد الخطاب الإسلامي، وترسيخ مفاهيم السلم
     الخلل الأول: منهج الاجتزاء
    ونعني بالاجتزاء صورتين:
     أولاهما، التعامل مع كل نص من كتاب أو سنة بمعزل عن غيره من النصوص التي قد يكون استحضارها ضرورة لفهم النص، أو تخصيص عمومه، أو تقييد إطلاقه، أو ترجيح معنى من معنيين كما هو معروف في الصناعة الأصولية، وذلك لا يتأتى للمجتزئ.
    وفي كلام لأبي علي الفارسي نقله ابن هشام في المغني يقول: "الْقُرْآن كُله كالسورة الْوَاحِدَة وَلِهَذَا يذكر الشَّيْء فِي سُورَة، وَجَوَابه فِي سُورَة أُخْرَى نَحْو وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُون  وَجَوَابه مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُون ".
    ومعنى ذلك أن نصوص الشريعة بمنزلة نص واحد في نظام الاستدلال والاستنباط، فمن لم يحط بها علما ولم يجمع أطرافها، لم يسعه أن يفقه معانيها.
    ولذلك نجد أصحاب هذا المنهج يعمدون إلى التعمية على كل الأدلة الداعية إلى السلم، وإبراز نصوص ذات سياقات حربية بدعوى أن النصوص الدالة على السلم منسوخة، والأخرى محكمة فأعوزهم منهج الجمع السليم وضربوا النصوص بعضها ببعض، فيرفعــــون الحديث في مقابـل الكتــــــاب، ومثال ذلك تعللهم بحديث ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) ، فبمقتضى الفهم الجزئي لهذا الحديث، الفهمِ الذي لا يجمع النصوص ولا يخصص العموم، ولا يبحث في السياق، يشن الإرهابيون الحرب على العالم ويوجبون على كل مسلم امتشاق سيفه ليقاتل الناس.
    بينما لو أعملنا المنهج الصحيح في التعامل مع النصوص طبقا للسياق والمساق ومقيدات الإطلاق نجد أن كل كلمة في هذا الحديث تحتمل التأويل، بل ويتعين تأويلها لتتفق مع نصوص أخرى وهي عملية ضرورية بدون اللجوء إليها إما أن نكذب النصوص، أو نحرفها، وهي نصوص في الدرجة الأولى. ومنها قوله تعالى: إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡء وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ  وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ٩٢ وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ  .
    ثم من هؤلاء الناس الذين أمر عليه السلام بقتالهم؟.
      فالناس في الإطلاق اللغوي قد تعني الفرد الواحد، وقد تعني الجماعة، وقد تعني كل الناس  ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ  . أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ.   قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ مَلِكِ ٱلنَّاسِ  إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ  مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ  ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ  مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ .  
    ولا شك أن هذه الآية ليست على عمومها، بل هي عام أريد به الخصوص، وذلك لوجود آيات تثبت حكم الجزية حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَد وَهُمۡ صَٰغِرُونَ، وأخرى تثبت حكم العهدوإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله". 
    وقد تنبه ابن العربي إلى أن القتال الذي لا ينقطع إلا بالإسلام مجرد أحد ثلاثة اختيارات أتاحها الشارع للمسلمين بحسب السياقات المختلفة، فقد أتاح لنا خيار الجزية، وخيار العهد بقوله: "وإن جنحوا للسلم.."، ثم يقول: "وهذا وإن كان خاصاً للنبي فإن الآية محكمة إلى أن تقوم الساعة إذا رأى الإِمام ذلك..." ، وفي جامع الطبري:" قال أبو جعفر: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة، فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل". والحق أن الخيارات التي أشار لها ابن العربي هي خيارات مصلحية ترجع إلى حال الزمان والمكان، فزمان لا معاهدات فيه ولا حرية للتدين، ولا حدود إلا بالسلاح للدفاع عن النفس قد يتعين فيه القتال، أما عندما يكون السلم متاحا فيتعين خيار العهد والسلام لأنه الأصل.
    ثم من المأمور بقتال الناس؟.
     إنه الممثل للجماعة المسلمة، صاحبُ السلطة، إذ القتال تدبير سلطاني كما أشار إليه الجويني عندما يقول:"وَأَمَّا الْجِهَادُ فَمَوْكُولٌ إِلَى الْإِمَامِ،... وَهُوَ نَائِبٌ عَنْ كَافَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ". ففي كلام الجويني إشارة إلى خلل يعتري الخطاب الإسلامي المعاصر، حيث درجت جماعات وحركات على انتحال صفة الأمة والافتيات على ممثليها بدعوى حصول مخالفات شرعية منهم. وانتحال صفة الأمة من خصائص الفكر الخارجي على مر التاريخ فكما يقول ابن تيمية " وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا لِلْخَوَارِجِ تَمَيَّزُوا بِالْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ وَالدَّارِ وَسَمَّوْا دَارَهُمْ دَارَ الْهِجْرَةِ وَجَعَلُوا دَارَ الْمُسْلِمِينَ دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ... وَلَكِنَّ الْفَسَادَ الظَّاهِرَ كَانَ فِي الْخَوَارِجِ: مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَالْخُرُوجِ بِالسَّيْفِ؛ فَلِهَذَا جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِقِتَالِهِمْ وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَمِّهِمْ وَالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ "
     والحق أن إخلال الحاكم بواجباته لا يلزم منه نزع الشرعية عنه، وليس المراد بهذا أن نجامل ونعذر الحاكم ونبرر له أخطاءه، أو نبريه من مسؤوليته، ولكن التمييز بين جهات الخطاب ومن وكل إليه تحقيق المناط أحد أهم أسس المنهج الأصولي القويم كما بين القرافي في كتابه الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام وذكر تصرفات الإمام، فالمخاطب في قوله صلى الله عليه وسلم "أمرت" هو النبي بوصفه إماما، فلم يكن لغير نوابه من أولي الأمر أن يدخلوا في هذا الخطاب. فالقتال لرد العدوان الخارجي، ولقتال البغاة في الداخل إنما هو من خصائص الحكومات.
    أما قوله عز وجل: "إنما أمرت..." فالمخاطب به النبي  بوصفه داعيا  فيرثه في هذا الخطاب كل المسلمين الدعاة من غير ذوي السلطان، فمن الخطل والخطأ إغفال الأمر العام للأمر الخاص، لأن نتيجة ذلك فوضى لا يقرها عقل ولا شرع.
    أما الصورة الثانية من صور الاجتزاء، فهي الاكتفاء بالجزئي والإعراض عن الكلي، وعدم فهم التجاذب الدقيق بين الكلي والجزئي، فالشريعة ليست على وزان واحد، فلا هي مجموع الأدلة الجزئية، ولا هي مجرد كليات عائمة، أو قيم مجردة، وبالتـــــالي لا ينظر إلى الجزئي إلا من خلال الكلــــــي، كما لا قوام للكلي إلا بجزئياته.
    إن النظر الكلي من شأنه أن يواجه الأزمات، كما فعل إمام الحرمين وهو ينظر لنظام الملك عندما كانت موارد الدولة تنضب، وبيت المال يصفر، فأصل للخروج عن مألوف النظر الجزئي بما كان عليه الصحابة، وهم يواجهون مستجدات القضايا، وبين أيديهم نصوص محدودة، وأحكام محصورة معدودة.
    الخلل الثاني: فك الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع
    وذلك أن الأحكام الشرعية معلقة بعد النزول على وجود مشخص، هو الوجود الخارجي المركب تركيب الكينونة البشرية في سعتها وضيقها، ورخائها وقترها، وضروراتها وحاجاتها، وتطور سيروراتها، فإطلاق الأحكام مقيد بقيودها، وعمومها مخصوص بخصائصها، ولذلك كان خطاب الوضع  - الذي هو الأسباب والشروط والموانع والرخص والعزائم- ناظما للعلاقة بين خطاب التكليف بأصنافه: طلبُ إيقاع، وطلبُ امتناع، وإباحة، وبين الواقع بسلاسته وإكراهاته.
    وبعبارة أخرى، خطاب الوضع هو البيئة الأصولية لإنزال الحكم، وهو الذي يحوط خطاب التكليف ويكلأه، ولهذا كان خطاب الوضع بالمرصاد لخطاب التكليف، ليقيد إطلاقه، ويخصص عمومه، فقيام الأسباب لا يكفي دون انتفاء الموانع، ولن تُنتج صحة أو إجزاء دون توفر الشروط، سواء كانت للوجوب، أو شروط أداء أو صحة، فلا بد من تحقيق المناط للتدقيق في ثبوت التلازم طردا وعكسا، إذ العلاقة بين العلة والمعلولات الشرعية غير ثابتة التلازم إلا بمقدار، فاللزوم الشرعي ليس كاللزوم العقلي، وقد يبطل الأصل ويثبت الفرع، كثبوت الإرث دون ثبوت النسب ( وعدل يحلف معه ويرث ولا نسب). 
    ويفهم هذا المنهج القويم في الربط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع من حديث نعيم بن حماد الذي رواه الترمذي :( إنكم في زمان من ترك منكم عُشْرَ ما أمر به هلك، ثم يأتي زمانٌ من عمل منهم بِعُشْر ما أُمر به نجا) ، فتأويل هذا الحديث أن الذي نجا بعمل العشر لم يترك التسعة أعشار تقصيرا أو تفريطا، وإنما لعدم قيام أسبابها، أو لوجود موانعها، ولذلك عبر في الأول بالترك وفي الثاني بالعمل، فالأول هلك بتركه، والثاني نجا بعمله.
    وعليه، لا يمكن إذا صحت النيات والعزائم أن يعتبر مطلق عدم تطبيق بعض الحدود الشرعية موجبا للتكفير، أو التبديع، أو التفسيق، 
    فجهل أصحاب الفكر المتطرف بهذه العلاقة الوطيدة بين صنفي الخطاب الشرعي جعلهم يطلقون الأحكام على عواهنها من غير مراعاة لوجود سبب، أو حصول مانع، أو توفر شرط، فمنهجهم الظاهري يقودهم إلى استباحة دماء المسلمين
    الخلل الثالث: فك الارتباط بين الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد
    وهذا أحد أهم مظاهر التخبط الذي أصاب الثقافة المأزومة في العالم الإسلامي، حيث أصبح جل المسلمين لا يقيمون لمنظومة المصالح والمفاسد أي اعتبار في تصوراتهم وسلوكاتهم ، وكأن الشريعة الإسلامي التي هي في أعلى مراتب المصلحة غدت عبثية، تدعو الإنسان إلى إهلاك نفسه وإتلاف ماله في غير طائل،  لقد ضمرت القيم الأربع التي عليها مبنى الشريعة برمتها، وهي الحكمة والعدل والرحمة والمصلحة، فصرنا نرى تصرفات في أقصى الطيش والظلم والشناعة والإفساد تنسب إلى الدين تمسكا بفهوم ظاهرية لنصوص الوحي من غير اعتبار لسياق ولا مآل، ولله در الشاطبي إذ استشعر هذا الخلل فقال : "الأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساو في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب، وما هو منها تحريم أو كراهة لا يعلم من النصوص، وإن علم منها بعض؛ فالأكثر منها غير معلوم. وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني، والنظر في المصالح، وفي أي مرتبة تقع، بالاستقراء المعنوي، ولم نستند فيه لمجرد الصيغة، وإلا يلزم في الأمر ألا يكون في الشريعة إلا على قسم واحد لا على أقسام متعددة. والنهي كذلك. بل نقول: كلام العرب على الإطلاق لا بدّ فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ، وإلّا .. صار ضحكة وهزأة! ألا ترى إلى قولهم: فلان أسد أو حمار، أو عظيم الرماد، أو جبان الكلب، وفلانة بعيدة مهوى القرط؟! فلو اعتبر اللفظ بمجرده؛ لم يكن له معنى معقول .. فما ظنك بكلام الله وكلام رسوله؟!".
    إن شريعتنا ليست عبثية تدعو المكلفين إلى أفعال لا تحقق مقاصدها. بل هي حكمة كلها وعدل كلها ومصلحة كلها، الإسلام هو الرحمة التي هي صفة الله تعالى فهو الرحمن المتصف ذاتيا بالرحمة الأبدية السرمدية التي لا تحول ولا تزول الكاملة الشاملة وهو خاص به تعالى، وهو الرحيم بخلقه الراحم لهم بانواع الرحمات، ولأهمية الرحمة في الإسلام كانت البداية في الأفعال بالبسملة في اللقاء بالسلام وفي الأفعال والأقوال بالرحمة بها تفتح تلاوة القرآن والحديث وأنواع العبادات والعادات في الأكل والشرب والدخول والخروج من المنزل والركوب والنزول وإشعال المصباح وإطفائه. 
    ولما كان الإسلام هو الرحمة كان من صفات المفتي أن تكون له شفقة على أهل الملة وعلى البشرية جمعاء، بأن لا يلقي بالناس إلى التهلكة بحملهم على الأشق فالأشق وتعريض بيضتهم للاستئصال، بدعوى الاحتياط والورع والأخذ بالعزم في الدين فليس الاحتياط بأورع من التسهيل، بل مدار كليهما على الأدلة.     
    والمتصفح لأقضية الخلفاء واجتهاداتهم في ما وقع في زمانهم من النوازل العامة والخاصة، يستيقن أنهم ما كانوا يرون الوقوف عند الظواهر وإهمال المعاني بل كثيرا ما أعرضوا عن ظاهر إعمالا لمصلحة أو درءا لمفسدة، وذلك كقتال الصديق لمانعي الزكاة واستخلافه لعمر، وتصرفات أمير المؤمنين عمر كثيرة وفق هذا المنهج القويم، من أمثلتها أخذه الصدقة بدلا من الجزية من نصارى العرب، تغلب وبهراء وتنوخ، وكذلك من يهود حمير ومجوس تميم، فقد رأى عمر أن المصلحة تقتضي جعل الجزية صدقة باعتبار طبيعة الثقافة العربية، ونظرا لمستقبل الإسلام، وفهم أن للاجتهاد مساق فسيح في المسألة رغم كون الجزية منصوصة بصريح العبارة في قوله تعالى: حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَد وَهُمۡ صَٰغِرُونَ. 
    لقد فهم عمر أن الخيارات مشرعة أمامه بما يمليه عليه ميزان المصالح والمفاسد واعتبار المآل (كما في مسألة الخراج)، فلم يجد في نفسه حرجا من العدول عن الظواهر، وإعمال المصالح. 
    والجزية من المفاهيم الملتبسة بسبب الخلل المنهجي في فهمها، إذ يقوم بعض حملة العلم ببناء هذا المفهوم من خلال مجرد النصوص الجزئية، مهملين كليات الشريعة ومهملين أثر الواقع والسياقات المختلفة في تأثيث المفهوم، والحق أن الجزية ليست إلا إجراء واحد من الإمكان المتاح في الشريعة: فبناء على النصوص الحاكمة نستقري أربعة عناوين تجمل التعامل مع الآخر المختلف ديانة.-باختصار شديد-
    العنوان الأول: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يشهدوا أن لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " –حديث صحيح-، 
    والعنوان الثاني: قوله تعالى حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد -آية سورة التوبة-، 
    والعنوان الثالث: قوله تعالى{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا آية سورة الأنفال. 
    والعنوان الرابع: يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. –صحيفة المدينة- قال الشافعي رحمه الله تعالى: "لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية".
    فالأول، وارد حسب المفسرين على مشركي العرب. –ونحن هنا نشير فقط ولا نفيض في الموضوع. 
    والثاني على الأمبراطورية الرومانية بالشام والفارسية الشرقية، المتشوفتين حيئنذ للقضاء على الدين الجديد. 
    والثالث، مبدأ عام وهو سلام مقابل سلام عند الوصول إلى معاهدة، تزكيِّه معاهدة الحديبية مع قريش. وقد ذكر أبو بكر بن العربي هذه الخيارات الثلاثة في كتابه "القبس" وجعل الأخير غير مقيد خلافاً لمن يقيده بالفترة الزمنية بل هو سلام بسلام.
    ولكن العنوان الرابع هو: مواطنة تعاقدية يحكمها ميثاق أو دستور، تمثله: يهود بني عوف؛ أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. هذا الاقتباس من صحيفة المدينة-، أو وثيقة المدينة التي تؤسس لمجتمع متعدد الأعراق متضامن، يتمتع أفراده بنفس الحقوق، ويتحملون نفس الواجبات وهي واجبات محددة بدستور عادل، يؤكد على أنهم أمة واحدة.
    إذا كانت العناوين الأولى الثلاثة استأثرت بالدراسة الفقهية واعتمدت على الممارسة التاريخية في واقع مختلف –زماناً ومكاناً وإنسانا- والجامع بين هذه العناوين أنها كانت نتيجة حرب وقتال. فإن العنوان الرابع الذي يؤكد وحدة الأمة في نطاق التعددية الدينية وحرية التدين لم يحظ ببحث كثير مع أهميته لأنه الأصل، ولأنه يتعلق بمجتمع متعدد الديانات بطبيعته أي أن كل فئة منه اختارت ديانة طواعية.
    إن السياق الحضاري المعاصر يرشح هذه الوثيقة لتقدم للمسلمين النموذج الأصيل للمواطنة، إنه الوضع الملائم لحالة الأقليات في الديار الإسلامية، فالعقد الذي ينطبق عليهم هو عقد جديد بالنوع قديم بالجنس تحترم فيه الخصوصية وتتمتع فيه الأقلية بحرية ممارسة دينها، ويتضامنون في إدارة شئون دنياهم طبقا لواجبات وحقوق محددة بالدستوري العقلاني الذي يكفل التوازن والتعايش السعيد وسيادة حكم القانون وتسوية الاشكالات السياسية بالعدل والإنصاف.
    وعندما نتحدث عن الحرية الدينية فلعلنا نشير إلى مسألة دور العبادة إبقاء وإنشاء طبقا للحاجات.  إن النبي  وخلفاءه لم يهدموا داراً لعبادة، فهذا الجانب مكفول وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار، وهذه هي الديانات الثلاثة المعروفة حينذاك في المجال الإسلامي.
     ولنا في تاريخنا نماذج وضاءة من التسامح، فالإمام الأوزاعي في القرن الثاني حمى المسيحيين في لبنان، والإمام زروق بالنسبة للأقلية اليهودية في المغرب التي تسببت في سقوط دولة المرينيين. والإمام العز بن عبد السلام حمى أقباط مصر في أيام الحروب الصليبية. 
    فعلينا اليوم أن نبادر بترسيخ ثقافة التعايش والميثاق الوطني الداخلي والخارجي، ميثاق داخلي وهو دستور البلاد الذي يمثل عقداً بين كل المواطنين. ميثاق عالمي، وهو، ميثاق الأمم المتحدة ولواحقه؛ كإعلان حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية. فالدستور الذي أشرنا إليه قبل وهو دستور عادل يمنع الحيف على الأقلية ولا يصادر حق الأكثرية في أن تعيش قيمتها على قاعدة "لا ضرر ولا ضرار". أصلها حديث حسن. ودستور له بُعد إنساني لا يعترض عليه الدين ويزكيه العقل وبُعد قيمي.
    الخلل الرابع: إغفال السياق وأثره على مفهوم الجهاد
    من أخلال الفكر المأزوم التي بإصلاحها يقع تجديد الخطاب الدين، إغفال هذا الفكر اعتبار السياق في تناوله للقضايا والمفاهيم، فينتج تصورات مبتوتة عن سياقاته الأصلية ويسقطها على سياقات مغايرة من غير تكييف ولا تحقيق مناط، فتنقلب المفاهيم إلى ضدها، وتختل مقاصدها. وسنرى نموذجا واضحا على هذا الخلل من خلال تناول مفهوم الجهاد، وقد كنا في ملتقانا الأول، تطرقنا إلى الجهاد باعتباره مفهوما من مفاهيم السلم التي تحولت إلى ضده وقررنا أن الجهاد ليس مرادفا للقتال، وأن الحرب في الإسلام منها نوعان، حرب بغي وفتنة وتوسع وحرب عادلة هي غضب لله أو دفع لبغاة، وكانت الخلاصة المهمة أن النوع الثاني هو الذي يصدق عليه معنى الجهاد، وبالتالي فهو تدبير سلطاني محض لا يجوز أن يتعاطاه الأفراد ولا حتى الجماعات إلا بإذن ولي الأمر.
    والمنطلق هنا هو نفسه الذي انطلقنا منه في الملتقى الأول، وهو نصوص الجهاد الواردة في القرآن والسنة، ولكن من جهة الخلل الواقع في فهمها،  وذلك من خلال الحديث عن السياق وأثره في فهم النصوص، وذلك باعتبار أن أوامر الشرع لها سياقات لا يمكن أن تفهم خارجها، فإذا أخرجت عن سياقها اختل معناها.
     والجهاد باعتباره مفهوما شرعيا ورد في نصوص الشرع لا يخرج فهمه عن هذه القاعدة، أي قاعدة السياق، وللسياق في فهم نصوص الشريعة عنصرين لا يقوم إلا بهما، أولهما: سياق عام يتعلق ببيئة التنزيل، وسياق خاص تحكم فيه أسباب النزول.
    فإذا ما عرضنا نصوص الأمر بالجهاد علىالعنصر الأول، أي: بيئة التنزيل، فإن ما يؤثر هنا هو ما كانت عليه الجزيرة العربية حيث لم تكن خاضعة لحكم مركزي ولا لنظام تعاقدي ، بل كانت كل قبيلة تتمتع بسلطة طبقا للأعراف والتقاليد الموروثة وتقوم العلاقات بين هذه القبائل على منطق الغلبة والقتال ، وقد ألفت كتب طوال في أيامهم وحروبهم ومنافراتهم التي لم تكن تتوقف قبل الإسلام وتشتعل نار الحرب على أتفه الأسباب كالسباق بين فرسين ودخول ناقة في محمية أمير،
    وكان القوي يقهر الضعيف، وكلكم تعرفون قصة الزبيدي الذي غصبه العاصي بن وائل السهمي ماله، والتي كانت سبب حلف الفضول الذي أثنى عليه النبي  بقوله:"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت"،
    ثم بإسلام بعض أهل المدينة وهجرة النبي  إليهم تكون أول مجتمع مني منظم من المسلمين وغيرهم، وجاء الإسلام مبشرا بعهد جديد من السلام والأمن كما في حديث عدي بن حاتم في البخاري وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أو أكثر ماتخاف على مطيتها السرق" فجعل عدي يقول في نفسه "وأين لصوص طيء"، من شدة استبعاده لحصول الأمن والسلم نظرا للوضع الأمني المتدهور في بيئة لم تكن تعرف المعاهدات ولا ثقافة الصلح.
     والحرية الدينية لم تكن متاحة، ومن غير دينه يوصف بأنه صابئ وصبأ بمعنى مال، ولذا تعرض المسلمون في مكة لكثير من التعذيب والاضطهاد لكي يرجعوا إلى عبادة الأوثان، وقتل بعضهم كما هو معروف في كتب السير.
    هذه بعض ملامح البيئة العربية التي ارتبط بها الإذن بالجهاد بلغة السلاح، فيتضح أنه في أصله مشروع لأجل البحث عن السلم الدائم والرحمة وليس للقتل والإفساد، كما هي حال الذين يستخدمونه اليوم في غير محله وخلافا لأصله فيفسدن في الأرض فسادا كبيرا، لا يرضاه شرع ولا عقل.
    وإذا ما توجهنا تلقاء السياق الخاص، أي أسباب النزول، وعرضنا عليها بكل موضوعية وتجرد الأمر بالجهاد، سنجد أن آيات الجهاد وأحاديثه، وآيات السيف التي ذهب بعض العلماء إلى أنها نسخت آيات الصبر، يرتبط كل منها بسياق خاص جدا. والقول بأنها ناسخة لآيات الصبر والموادعة والبر والتعامل بالتي هي أحسن مع المخالف في الدين، حكم ليس له دليل، ولا يلجأ إلى النسخ إلا عند ما لا يكون للجمع مساغ، ولذلك قال الزركشي (ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف من أنها منسوخة بآية السيف قول ضعيف، فهو من المُنْسأ بمعنى: أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما، لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر) . 
    إن العلاقة بين هذه الآيات ليست علاقة إلغاء مطلق بمطلق بل هي علاقة إنساء وإرجاء حيث يكون حكم الآية الأولى مؤجلا حتى يرد ما يناسبه من الظروف والخصوصية. وإنما يتمُّ تفعيل الآية المنسأة على ضوء فهم المجتهد لكليات الشريعة وميزان المصالح والمفاسد.  وقد قال الإمام الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير أن الأولى القول بأن قوله تعالى لا إكراه في الدين هو الذي ينسخ كل أحكام القتال الديني، وذلك لقوة هذا المعنى واطراده في القرآن الكريم، فحقيقة دعوة الإسلام أنها دعوة رحمة للبشرية دعوة إلى التوحيد ونبذ عبادة الأصنام ووسيلتها الوحيدة هي الموعظة والتذكير من خلال تلاوة القرآن، لم تنحرف الدعوة عن هذا المنهج، وإنما فرضت البيئة المعادية اللجوء إلى السلاح لحماية هذه الدعوة وتوفير البيئة السلمية لمن يقبل الدخول في السلم. 
    فلا بد أن نظل نصدع بهذه الحقيقة الواضحة إن الإسلام دين رحمة وسلام وليس دين حرب وخصام، ولنا على ذلك البينات الواضحات من النصوص المحكمة والقيم المؤسسة، وليست الحرب في الإسلام إلا استثناء، كما بينا من خلال السياق الذي ظهرت فيه الدعوة ونشا فيه الجهاد. 
    إن اعتبار السياق في موضوع الجهاد في القرآن الكريم يفضي بنا إلى نتيجة مهمة، وهي أن الجهاد المسلح إنما شرع ليحفظ السلم، ليردع عصابات الجزيرة العربية التي تروع الآمنين، وليكسر شوكة المعتدين الذين يحولون بين الناس ودعوة الإسلام أن تبلغهم، وبلغة العصر، فإن الإسلام سبق الأمم المتحدة في إنشائها قوات القبعات الزرق لحفظ السلام، فكانت الجيوش الإسلامية في خدمة إقرار السلم الدائم وحمايته.
    الخلل الخامس: التصور التاريخي السطحي
     إن أصحاب الفكر المأزوم لا يفهمون أن حركة التاريخ مبنية على السنن الكونية، ومضبوطة بالقوانين الإلهية الواردة في القرآن نفسه، وتاريخ الإسلام كتاريخ كل الأمم يخضع لهذه القوانين التي خوطبت بها الأمة الإسلامية في تاريخها، فهو متردد بين فترات ظهور وبين فترات ضمور، بين فترات عنفوان وفترات شيخوخة، بين مراحل انتصارات ومراحل انكسارات، ولا يمكن أبدا التعامل مع مراحل التاريخ الإسلامي باجتزاء وانتقائية.
     أدبيات الحركات المتطرفة تشهد أنهم يعيشون في المتخيل التاريخي الزائف، الذي لا أساس له من الصحة التاريخية ولا من الواقعية، فهم يتخيلون تاريخا لا وجود له إلا في أذهانهم، ، فهم ينظرون إلى المجتمع الإسلامي بمثالية تلغي طبيعة الإنسان، وتجعلهم يتصورون أن هذا المجتمع لم يقع فيه ما ينغص صفو مثاليته من اختلالات وانكسارات، وكأن الدول الإمبراطورية لمجرد كونها امبراطوريات (الخلافة الأموية –العباسية –العثمانية وغيرها) صارت بذلك دولة مثالية،  فيعيشون على هذا الوهم فكلما تعمقنا في تاريخ الدول الإسلامية سنجد أن هذه المثالية تتلاشى لتترك المكان لتاريخ بشري معقد مزيج من النجاحات والإخفاقات، والنماذج المشرقة من البحث عن السلام والإيمان بجدوى المصالحات والعهود، وليس حربا مستمرة، ولا أن الإسلام قامت حضارته على المجد الحربي، وكأن مسارات التثاقف بين الأمم بالتبادلات التجارية والترجمات وغيرها من وسائل العلاقة السلمية لم توجد.  
    إنهم لا يتصورون أنه يمكن للمسلم أن ينهزم لوجه الله تقليلا للمفاسد المترتبة عن التصلب في المواقف، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تشهد أنه رجع عن حصار الطائف بعد أن تضرر المسلمون من حصاره الطويل، فلم ير ذلك منقصة أو عيبا، وكذلك كان صلح الحديبية، فكل شعيرة تعظم بها الحرمات وتحقن بها الدماء هي مطلوبة شرعا مهما كانت تكاليف، إذ كما قررنا الحكم لميزان المصالح والمفاسد الحقيقية لا المتوهمة.
    تراهم يكثرون من ذكر الجزية ووجوب فرضها على أهل الكتاب ويغفلون عن أن عبد الملك بن مروان والإسلام في أوجه قوته، كان يدفع للروم أموالا ليكفوا عن الثغور الإسلامية. ولا يميزون بين الدولة الوطنية والدولة الإمبراطورية وسياق كل واحدة مننهما إنهم يسحبون الشرعية من كل دولة إسلامية لا تدين لهم، ولا تؤمن بحلمهم بالدولة الأممية ودولة الخلافة،والدولة الإمبراطورية، على اعتبار أن الخلافة هي نظام الحكم الوحيد، وأن الدولة لا تكون إسلامية إلا بانضوائها تحت لواء الخليفة، ولو تعاملوا مع التاريخ بموضوعية وواقعية لعلموا أن أمور الحكم تدبير اجتهادي كما يقول إمام الحرمين لا يسري على نمط واحد في كل وقت، ولو تأملوا في أحداث التاريخ على الأقل القريب منهم لرأوا ماذا حدث لألمانيا حين قامت الدولة الألمانية في أواسط القرن الماضي على فكرة القومية والأممية، وحين قام الاتحاد السوفياتي السابق على مبدأ التوسع على حساب الجمهوريات الإسلامية من منطلق الفكر الثوري البرولياتاري، في سعيها إلى تحقيق حلم الأممية الاشتراكية والثورية، فماذا كان؟، دمرت ألمانيا وفتت، وانهار الاتحاد السوفياتي وتفرقت أجزاؤه، وصار الجميع من التاريخ الأسود في تاريخ البشرية. 
    إننا لا نريد أن نحاكم تاريخنا أو نشتمه أو نطعن في رمزيته في وعي الأمة المهزوز، أو نمنع حق التخيّل، وإنما نريد التأكيد على أن الفهم السطحي المثالي الزائف للتاريخ حيث المسلم المنتصر دايما بالحرب، وحيث لا اعتبار للمصالح والمفاسد وميزانها المركب، أن هذا التصور خلل عميق في منهج الخطاب الإسلامي المعاصر. فلا بد أن نصحح التصور عن أسباب نهضة الأمم، وأن لها سنن كونية مبناها على قيم الحكمة والمصلحة.
    وفوق هذا، تظهر أزمة أخرى من أزمات هذا الفكر المأزوم، وهي انتحال صفة الأمة، فهم يعتبرون جماعتهم هي الأمة، يجعلون لأنفسهم حيزا من المكان، وينصبون لهم إماما، ويقاتلون ويقتلون الناس على مبايتعه والطاعة له، وهي نفس الخصال التي ذكرها عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا الانتحال يجعلهم لا يؤمنون بشيء اسمه الدولة القطرية، أو الدولة الوطنية، إذ لا يعترفون بحق المواطنة لغير المسلم في الدولة الإسلامية، رغم أن هذه المواطنة حق مكفول لغير المسلمين بمقتضى صحيفة وعقد ودستور المدينة المنورة، وبالتالي نراهم يزعجون الأقليات في المناطق التي سيطروا عليها، وهو إزعاج مناقض لنصوص الشريعة ومقاصدها.
    كل ما سقناه يدل على أن المتطرفين، وتيار الفكر المأزوم لا يؤمن بالسنن الكونية وأثرها في بناء الأمم، والله تعالى يقول:"قد خلت من قبلكم سنن"، مع العلم أن معرفة هذه السنن فريضة شرعية، ومن خلالها يفهم التاريخ وتحلل أحداثه، وأن إهمال هذه السنن ينتج عنه قصر النظر وعدم تقدير العواقب والمآلات على الأمة الإسلامية.
    وقبل إنهاء هذه الكلمة لا بد من  الإشارة إلى عامل من أهم عوامل التحريض على الفتنة هو: فشو التكفير، 
    التكفير وضرورة تجريمه:
    إن التكفير هو إصدار حكم شرعي على شخص، أو جماعة بالكفر سواء كان أصليا أو حادثاً، وقد حذر منه سبحانه وتعالى فقال: وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا.
    وفي الأحاديث الصحيحة النهي الشديد والوعيد لمن يرمي غيره بالكفر، فقد روى البخاري وأحمد: "من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله"، "وإذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". والأحاديث بمثل هذا المعنى كثيرة، وما ذلك إلا لما يستلزمه الكفر من النتائج الخطيرة التي من جملتها إباحة الدم، والمال، وفسخ عصمة الزوجية، وامتناع التوارث، وعدم الصلاة عليه، ومنع دفنه في مقابر المسلمين، وغيرهما من البلايا والرزايا نعوذ بالله منها. 
    هذا وقد اختلف العلماء في مسائل التكفير وتبادلت الطوائف تهمته بحق أو بغير حق، إلا أنه بسبب ما ورد فيه من الوعيد حذر أشد التحذير من التكفير جماعة من العلماء حتى قال الإمام السبكي: "ما دام الإنسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فتكفيره صعب".
    وقد بالغ الإمام أبو حامد الغزالي حتى نفى الكفر عن كل الطوائف فقال: هؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد، والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين الى القبلة المصرحين بالتوحيد خطأ. 
    وفي جامع الفصوليين روى الطحاوي عن أصحابنا: "لا يخرج الرجل من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه، ثم ما تيقن أنه ردة يحكم بها، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها؛ إذا الإسلام الثابت لا يزول بالشك، مع أن الإسلام يعلو وينبغي للعالم إذا رُفع اليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام مع أنه يقضي بصحة الإسلام المكره". 
    وفي الفتاوى الصغرى:"الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدت رواية أنه لا يكفر". 
    وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه، فعلى المفتي أن يميل الى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم، زاد في البزازية: إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل، وفي التتارخانية: لا يكفر بالمحتمل؛ لأن الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية والاحتمال لا نهاية معه". 
     وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في الفتاوى: "وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أن ليس كل من قال قولا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفاً للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع، لكن للناس نزاع في مسائل التكفير قد بسطت في غير هذا الموضع-والمقصود هنا- أن ليس لكل من الطوائف المنتسبين الى شيخ من الشيوخ أو لإمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم، بل في الصحيح عن النبي أنه قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". 
    وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري عن النبي  قال: "إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة، لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقاً أدخل الله بها الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت ماله ودمه ولقي الله غداً فحاسبه". 
    فلا بد من التفكير في مشكلة التكفير، إن أهم قضية يجب أن يتداول حولها العلماء والمفكرون هي مسألة التكفير المتبادل؛ لأن التكفير هو مفتاح الشرور، لأنه مدخل استباحة الدماء والأموال والأعراض، وأي وطن ينتشر فيه داء التكفير فإن جسد وحدته سيتلاشى، وجدار بنيته سيتداعى وينهار. 
    الجسد والبنيان هما مثالان للمجتمع المتماسك في الإسلام:" مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبّك بين أصابعه. 
    وما ذكرناه من خطورة التكفير يجب أن ينعكس على الإفتاء بالكفر فإن العلماء نصوا على أن للحاكم أن يمنع من يتصدى للفتوى بغير علم قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم "المفتين" كما فعل بنو أمية وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس الى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟،
     فلأن يتصدى الحكام لمن يفتي بالكفر الذي يئول إلى الاعتداء على النفس أولى، ولهذا فإن الصيغة المعاصرة لهذا التصدي تكون من خلال سن قوانين تجريم التكفير باعتباره محرما شرعا كما في الأحاديث التي أشرنا إليها ولأنه يئول إلى إباحة إراقة الدماء. 
    وعندما نحذر من التكفير فإن هذا لا يعني أن غير المسلمين تستباح دماؤهم وممتلكاتهم؛ بل إنّ كل النفوس مصونة ولا يحق لأحد أن يعتدي عليها، وكلما ورد مما يفهم منه خلاف ذلك فهو متعلق بالرد على العدوان والإجرام ويستوي في ذلك المسلم وغير المسلم.
    وأؤكد في النهاية على جملة من الاستنتاجات: 
    1- إن منظومة السلم فقها وقيما ومفاهيم لا تستهدف غمط الحقوق ولكنها تتغييى الوصول إليها بطرق أكثر سدادا ووسائل أقرب رشادا أقله أن الوقت الذي يضيع في المحاربة والمغالبة لو استعمل بشكل عقلاني في جو ادفع بالتي هي أحسن لأعطى نتائج باهرة ترضي كل الأطراف وقد تحظى برضا الله سبحانه وتعالى، لأنها صانت الدماء والأموال والأعراض وقللت الكراهية وألفت بين القلوب، ولهذا فإن الفرص التي يوفرها السلم على المستوى الفردي والجماعي والجمعي والوطن لا تعوضها فترات النزاع والصراع التي تأتي في الغالب بنتائج عكسية بمعنى أن المغالبة الحادة من أجل إصلاح وضع أو تغيير وضع فاسد تزيد الوضع فسادا، وقد تقود إلى ضياع كل الحقوق، وتعريض الأوطان للضياع والتقسيم، ليصبح السكان "الأحياء" بلا أوطان ويسود الخراب بدل العمران وتخسر الدنيا والآخرة نعوذ بالله من الخسران.
    2- إن النزاعات ذات الطبيعة الدينية أو التي قد تستنجد بالدين ترجع إلى عوامل متعددة ومتغيرة قد تكون ثقافية أو سياسية أو اقتصادية وحتى في داخل الدين بين الطوائف المختلفة، وحتي بين الطائفة العقدية الواحدة بناء على اختلاف الحساسيات الفكرية والمواقف من التحديث. 
    3- أن الدين يمثل أحيانا وقودا لهذه النزاعات التي قد تكون في أصلها دنيوية وسياسية. 
    4- نموذج الصراع الدائم والمغالبة ليس مناسبا للمجتمعات الإسلامية وأنمقاربات أخرى أكثر إنسانية وأقلتكلفة بشرية ومجتمعية هي الأنسب. 
    5- علينا أن نعترف أن مجتمعا لا توجد لديه أرضية مشتركة تحوز قناعة جماعية في الحدود الدنيا للعيش المشترك لا يمكن أن يحتكم إلى الديمقراطية العددية دون الحبث عن مقاربات وتنازلات متبادلة تحوز رضى الجميع، وأن محاولة الإلغاء المتبادل تحت أية ذريعة معناها ومآلها إلغاء الوَطن كلّه وتعريض سكانه إلى البغضاء والشحناء ومن ثم إلى الدخول في حرب شعواء لا نهاية لها تفسد الدين والدنيا وفي ذلك من المفاسد ما لا يقبله شرع ولا عقل. 
    6- إن الوضع الكارثي لأمتنا ليس من المقبول ولا من المعقول أن يظل على حاله، لأن التوجهات التي يؤمها والمنزلقات التي نحدر إليها لا يعلمها إلا الذي يعلم الخبء في السموات والأرض. 
    7- إن ديننا كما تدل عليه النصوص والكثير من الممارسات التاريخية دين سلم ومحبة. 
    8- إن الحرب الأهلية غير مقبولة في الإسلام مهما كانت دوافعها وحوافزها سواء كانت دينية أو دنيوية، 
    9- إن ديننا وتراثنا يملك من أدوات حل الخلاف وتسوية الناع الكثير مما يستبعد اللجوء إلى الاحتراب والانشطار. 
    10- إن المنظومة الحوارية التي اشتمل عليها التراث للوصول إلى نوع من الرضى والتارضي من قبيل الحوار لإبرام "عقد الصلح" وما احيط به من الضمانات بالإضافة إلى توسيع مجالات توظيفة ليشمل كل ما يمكن أن يتصوَّر من ناع وخلاف بدءا من الخلاف العائلي إلى النزاعات الدولية، بمختلف الأدوات من تحكيم أو إبراء أو عفو، يمكن أن يتعتبر من أغنى المنظومات التشريعية والأخلاقية. 
    11- لو افترضنا حسن النيات ونبل الأهداف فإن التوسل إليه بالاحتراب ونشر البغضاء والشحناء ليس مقبولا. فإن الهدف النبيل يجب أن تكون وسيلته نبيلة، فلا يجوز التذرع بالوسائل السيئة للوصول إلى مقاصد حسنة، في اعتقاد المتذرع.
    12- إننا لا نسعى لأن نكون مرجعية شمولية تفتي لكل بلد لتتجاوز المرجعيات الوطنية والشرعيات الحكومية لتنزع شرعية الحكومة الفلانية وبالتالي إنشاء كيان للفتوى أعلى عابر للدول القومية ونعتبر من يقوم بذلك سواء كان دولة أوحزبا أو تنظيما سيعرض الأأمة لخطر شديد حيث يباع الدين في السياسة حتى لا أقول في سوق      
    لهذا يجب أن نفكر ونقرر طبقا لحساب المصالح والمفاسد الجمعية بطريقة التفكير خارج الصندوق، لتحيين فقه الوساطات والمصالحات والتنازلات والتحكيم وتفعيل قيم الحكمة والتسامح والمحبة لترتيب بيت الأمة ومن ثم نتقدم بأنموذج إصلاحي للعالم. 
     وقد يكون من المناسب تقديم المقترحات التالية: 
    - التعاون الكامل مع الحكومات مع خطورة أن ينظر إلى ذلك بوصفه تدخلا وتماهٍ مع الحكومات. 
    - إنشاء وزارات للسلم والمصالحة
    - تخصيص جزء من ميزانية كل دولة في العالم للسلم. 
    - تأصيل ثقافة السلم من خلال جمع النصوص الحاثة على السلم 
    - استنباط فقه السلم وقواعده ومقاصده 
    - إشاعة ثقافة السلم أخلاقه، آدابه، وأدبياته وسلوكه. 
    - توضيح مفاهيمه وقيمه وفوائده ومقاصده.
    - إدراجه في المناهج التربوية باعتباره مادة تواصلية. 
    -  تشجيع أساليب الوساطات والتحكيم وتفعيل أدوات الصلح.
    -تقديم دراسات مقارنة عن السلم في الإسلام وفلسفة الغربيين وبخاصة عند كانت وراسل. 
    - تشجيع الحوارات بين الشباب وبين العلماء.
    - تنظيم محاضرات وندوات ومناقشات في الجماعات والنوادي الفكرية حول قضايا السلم. 
    - زيارات ميدانية لمناطق التوتر الطائفي أو الإيديولوجي.
    - إنشاء منتدى لشباب السلم، يهيأ للمناشط السلمية وينشرها في صفوف شباب الأمة. 
    - إنشاء قناة للحكمة يتبرع لها أهل الخير تكون تابعة لمنتدى تعزيز السلم 
    - إصلاح منظومة الأفكار لوضع تصورات صحيحة شرعا وعقلا ومصلحة وحكمة، تجلب السلام والوئام. 
    من أجل أن نكون مع الجميع لتسهيل العيش المشترك والوصول إلى الصالح المشترك.
    الكلمة التأطيرية
  • بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبي الرحمة وشفيع الأمة وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار؛ وبعد 
    فانطلاقا من قول الله عز وجل لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسنوتيه أجرا عظيما-النساء: 114.
    ووفاء بوظيفة "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" التي اضطلع بها عند انعقاده للمرة الأولى العام الماضي؛ وهي "إعلان الحرب على الحرب لتكون النتيجة سلما على سلم"، بخلق تيار قوي ومتماسك في الأمة الإسلامية؛ يسعى إلى تأصيل فكر السلم على أسس شرعية متينة ومفاهيم محررة واضحة منسجمة، وإلى توصيله بكل الأساليب والوسائل التي يتيحها عصرنا إلى شرائح الأمة الإسلامية المختلفة. 
    ووعيا بأن ما حذر منه " المنتدى" في ملتقاه الأول من خطر انفجار جسد الأمة الإسلامية تزداد نذره بفعل تمدد الأزمات واتساع رقعتها؛ مما يشكل نزيفا حادا لم يقتصر على الإنسان والعمران بل امتد إلى الذاكرة التاريخية والإرث الحضاري الديني والثقافي، حتى أصبحت الألفاظ عاجزة عن تصوير المشهد العبثي المؤثث بالدماء والدمار والألم المادي والمعنوي.
    واقتناعا من "المنتدى" بأن طول المسافة ووعورة الطريق وسوء الفهم، وغير ذلك مما يحول بينه وبين الوصول إلى الأهداف التي يطمح إلى تحقيقها، لا يجوز أن يكون مثبطا عن السعي واتخاذ الأسباب ؛ بل يقتضي منه ومن من كل غيور على المجتمعات المسلمة وحريص على السلم الدولي استحثاث الخطى في قلب ميزان الشر إلى خير وسلم ونماء.
    واستبشارا بالصدى الطيب "للمنتدى" في الأوساط العلمية والفكرية داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها وفي عدد من المحافل الدولية؛ حيث أصبحت تتداول أفكاره ومصطلحاته، وتبحث المفاهيم التي فتح باب مراجعتها، ويناقش منهجه في فهم النصوص وتصور المفاهيم الشرعية وتنزيلها على الواقع المعاصر، ويستمع في المحافل الدولية -كمجلس الأمن ومنتدى دافوس - وفي وسائل الإعلام العالمية إلى تصوره لمفهوم السلم في الإسلام وللمقاربة الإسلامية لمكافحة التطرف العنيف، ويحتفى بالبيانات الصادرة عنه نصحا للأمة وتبيينا للموقف المنسجم مع شريعة الإسلام عقب عدد من  الأحداث  والظواهر التي طرأت بعد الملتقى الأول .
    وتفاؤلا بالقدرة على تحويل كثير من توصيات واقتراحات الملتقى الأول "للمنتدى" إلى مبادرات عملية ومؤسسات فعلية؛ كإنشاء "مجلس حكماء المسلمين"، و"جائزة الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه للسلم"، والمساعي المتعددة للمصالحة في أفريقيا بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين إخوانهم المسيحيين، والدعوة إلى صيف بدون حروب في تورونتو (كندا)، وإصدار بيان " ما هذه بطريق الجنة"، وتنظيم ندوات مع شركاء من أديان مختلفة في خدمة السلم، وإبداع مشاريع لإدماج الشباب في توصيل قيم السلم ...وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره، وقد يحجبه غبار الفتن ودخان موقدي الحرائق.
    وفي ظلال رعاية كريمة وعناية فائقة متواصلة من سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان؛ رعاية واكبت انعقاد الملتقى الأول وما تلاه من خطوات ومبادرات؛ وآلت على نفسها أن توفر لضيوف "المنتدى" فضاء فسيحا من التذاكر الحر لا تقيده إلا المسؤولية العلمية... وبدعوة من معالي الشيخ عبد الله بن بيه رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"
    انعقد بفضل الله وحسن توفيقه؛ في شهر رجب الشهر الحرام الذي تحقن فيه الدماء (من 09 إلى 11 منه سنة 1436 هـ الموافق لـ 28 إلى 30 أبريل 2015 م) بأبو ظبي مدينة التعايش والتسامح  والأمان؛ الملتقى الثاني لــ"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، بمشاركة نحو 350 من علماء المسلمين ورجال الدين والمفكرين من 80 بلدا من أرجاء المعمورة  يتقدمهم الإمام الأكبر د أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، ويؤازرهم نخبة من الشباب المتمرسين بوسائط التواصل الاجتماعي (الهاكاثون)، مع حضور وازن وإسهام فعلي لنخبة من وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية من بلدان إسلامية مختلفة؛ ولممثلي عدد من الأقليات المسلمة والتجمعات الإسلامية في العالم ، كل ذلك في جو من التعاون والتآلف والحوار البناء المتحرر من الأفكار المسبقة، للبحث عن سبل تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة.
    وبعد عكوف على تدارس موضوع السلم؛ تشخيصا لواقعه واستشرافا لآفاقه في خريطة المجتمعات المسلمة، وتأصيلا لمفاهيمه وقيمه وفقهه وقواعده ووسائله، وتحليلا لعبره في تجربة الأمة الإسلامية قديما وحديثا، وابتكارا لسبل ووسائل الدعوة إليه وبثه في عقول الناس ووجدانهم، أصدر المشاركون في "المنتدى":
    بيان أبو ظبي للسلم 2015
    09 رجب 1436 هـ/ 30 أبريل 2015م
    إن المتأمل في حالة كثير من المجتمعات المسلمة يروعه المشهد اليومي المؤثث بالدماء والأشلاء والدمار والألم المادي والمعنوي. وهذه البشاعة التي تعجز الألفاظ عن تصوير ما تختزنه من عنف عبثي لا تفوقها إلا بشاعة ارتكابها باسم الإسلام؛ افتراء على الرحمن الرحيم وعلى رسوله المبعوث رحمة للعالمين عليه الصلاة والسلام، وعلى أكثر من مليار من المسلمين وصم دينهم، وشوهت سمعتهم، واستهدفهم الاشمئزاز والكراهية.  
    ولا تعدم الأطراف المتورطة في هذه البشاعة ذرائع جاهزة لتبريرها سواء كانت طائفية أو إيديولوجية أو اجتماعية أو سياسية. كما يحلو لغالبية المسلمين أن يعزوا هذه الفتنة إلى مؤامرات خارجية؛ وكأن وجاهة شيء مما ذكر ينتهض مسوغا لحفلة القتل التي يتكاثر مرتادوها شبابا وشيبا افتئاتا على الدين والأمة والعقل والإنسانية.  
    وقد تبين لـ"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" بعد أكثر من عام على انعقاد ملتقاه الأول وتبشيره بالسلم والدعوة إليه نظريا وعمليا؛ أن القضايا التي شغلته ما زالت غيرَ مُستوعَبةٍ، والقيم التي دافع عنها غير مُتَمَثَّلةٍ، والنصوص الشرعية التي سردها غير ممتَثَلة. كما لاحظ فشل معظم الخطاب المتصدي لشرعنة القتل باسم الدين؛ لأنه يكتفي بالتنديد على شاكلة العموميات الصحفية، أو بالردود الجزئية، أو يستبعد النصوص والمفاهيم الشرعية من معالجة الداء فيسلم ضمنا بأن الإرهابي يعتمد على الشرع، ويُحدث خلطا بين الدين الموحى به والتدين الأعمى.
    وانطلاقا من الاعتقاد الراسخ لـ"المنتدى" بأن حلول معضلات الأمة الإسلامية لا يمكن أن تخرج إلا من دينها الذي ارتضاه الله لها بالأدلة البينات والحجج الواضحات؛ فإنه يرى أن كيفية قراءة النصوص الشرعية والاستنباط منها هي المعضلة، وهي الحل؛ فالمشكلة في عمقها مشكلة خطاب التجديد الذي من شأنه أن يهيئ أرضية السلم في المجتمعات المسلمة دون تجاهل الأبعاد غير الفكرية للأزمة. 
    إنه لا مفر ولا بديل عن تجديد صياغة الخطاب الديني بإعادته إلى أصوله، وإعادة تركيب المفاهيم الحقيقية الصحيحة لغة وعقلا ومصلحة، ومقاربة إعادة برمجة العقول وتوجيه الإرادة إلى البناء بدل الهدم، والإيجاد بدل العدم، ومقارعة الحجة بالحجة لتحرير العقل بالدين وتبرير الدين بالعقل، فلا تفاوت ولا تناقض؛من خلال منهجية جديدة في صياغتها، قديمة في جذورها، خارجة من رحم الإسلام وتراثه، ومن جذور المعارف الإسلامية والإنسانية، وبإنتاج خطاب جديد في مضامينه الزمنية، قديم في ثوابته الأزلية، يبني الأسباب الشرعية على الشروط الزمنية ويراعي الموانع البشرية. إنها فرصة المجتمعات المسلمة لتكتشف مجددا وفي قلب معاناتها ومآسيها منهجا أصيلا حجبته التحولات العميقة فيها وفيما حولها في القرون الأخيرة مع ضعف الاستجابة الحضارية عندها. 
    إن هذه المنهجية الجديدة  في تأصيل البنى المفاهيمية الشرعية هي وحدها الكفيلة بالكشف عن الأخلال والمغالطات التي يحملها فكر المتطرف والإرهابيين كاجتزاء النصوص، والإعراض عن الكليات في تصور مفاهيم دقيقة عظيمة الأثر في استقرار المجتمعات المسلمة، وفك الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع وبين الأول منهما ومنظومة المصالح والمفاسد، وإغفال سياقات التنزيل عامةً وخاصةً، والغفلة عن سنن الله عز وجل في الاجتماع والتاريخ البشريين بإضفاء الكمال على تجربة الأمة الإسلامية، والتماهي مع هذا التمثل بانتحال صفة الأمة المطهرة التي لا تكتمل مشروعيتها إلا بمفارقة جماعة المسلمين، ونصب إمام بوسائل القتل والسلب والنهب .
    إن تلكم المنهجية هي التي تدلنا على أن السلم فريضة في ديننا باعتباره مقصدا أعلى من مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن له أولية على الحقوق الثابتة أو المزعومة، المادية أو المعنوية، الفردية أو الجماعية، الدينية أو الدنيوية، لأنه لا ثبوت ولا ثبات لها إلا به، ففقدان السلم هو فقدان لكل الحقوق بما فيها الحق في الوجود، وهي الكفيلة بمصالحة المسلمين مع ذواتهم ومع غيرهم ليشاركوا البشرية ما وصلت إليه من قيم هي في حقيقتها تجسيد لما سبق في علم الله من قابلية بني آدم للخير والنبل وما أودع في فطرتهم من بحث عن المحبة والتعارف والسلم، وهي التي عليها المعول في التخلص من  مفارقة عبثية: تشوف عقلاء البشر إلى السلم واستماتتهم من أجل تحقيقه برغم كثرة العوائق والإكراهات في مقابل انتكاص فكر الأمة  ليفسح المجال للعنف الدموي المتدثر بلباس التقوى والطهرانية.
    إن تلكم المنهجية هي التي جعلت "صحيفة المدينة" الأصل في التجربة التاريخية للمجتمعات المسلمة وغيرها من أشكال العلاقات استثناء محكوما بظروف عابرة، وإن السياق الحضاري المعاصر يرشح هذه "الصحيفة" لتقدم للمسلمين النموذج الأصيل للمواطنة، إنه الوضع الملائم لحالة الأقليات في الديار الإسلامية، فالعقد الذي ينطبق عليهم هو عقد جديد بالنوع قديم بالجنس؛ تحترم فيه الخصوصية، وتتمتع فيه الأقلية بحرية كاملة، ويتضامنون في إدارة شؤون دنياهم طبقا لواجبات وحقوق محددة بالدستوري العقلاني الذي يكفل التوازن والتعايش السعيد وسيادة حكم القانون وتسوية الاشكالات السياسية بالعدل والإنصاف.
    وقد آن الأوان لكي يتصالح المسلمون مع دولتهم الوطنية باعتبارها شكلا من أشكال نظم الحكم الذي لا يخضع إلا لقواعد المصالح والمفاسد والترجيحات والموازنات، وعلاقة تعاقدية لا تفقد مشروعيتها بمجرد الأخطاء؛ ولا تعفي إخفاقاتها من واجب الحوار البناء والنصح الحكيم بين المتعاقدين؛ حتى يتمحض جهد الجميع لبناء القدرات والإمكانات، وسد الثغرات، والتعاون على البر والتقوى، والتطلع إلى الريادة، واستعادة موقع الأمة التي أخرجت للناس رحمة بهم ونصحا لهم.
    وإن "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" يؤكد عزمه على مواصلة حمل رسالته العلمية والعملية. فأما رسالته العلمية فببيان قيمة السلم ومحوريته في دين الإسلام وتأصيل المنهج الصحيح في التعامل مع النصوص والمفاهيم الشرعية، والربط العضوي بين تعليمات الشرع والظروف الموضوعية، وبين المصالح جلبا والمفاسد درءا والتطبيق العملي، لنعلي من شأن السلم، وتوفير أسباب الحياة، ونحط من الافتخار بالحرب ونبعد أسباب الدمار والهلاك، لتكون النتيجة أن من يمارس القتال والتدمير والتكفير والتهجير ليس له سند صحيح من الإسلام، ولا يعتمد على منهج مستقيم من مناهج تفسير النصوص.
    وأما رسالته العملية فبالمزيد من الانخراط في العمل الميداني والمبادرات الإصلاحية وتأسيس الهيئات والمنابر الكفيلة بإضاءة الشموع بدل لعن الظلام. ذلك فالغاية هي أن تنبت شجرة السلم، والتي تحتاج وقتا لتقوم على سوقها؛ وليس المهم من يستثمر أو من يستظل، ولكن المهم هو إنجاز المهمة التاريخية. (وقل اعملوا فسيرى عملكم ورسوله والمؤمنون-التوبة 105).
    القرارات والتوصيات 
    القرارات:
    -  اتخاذ التدابير اللازمة لتحويل " منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" إلى مؤسسة لها قانون منظم وهياكل إدارية وعلمية. 
    - إنشاء موسوعة السلم في الإسلام باعتبارها أول موسوعة في تاريخ الإسلام شاملة لفقه السلم وقواعده وقيمه ووسائله وفق منهجية "المنتدى" في التعامل مع النصوص الشرعية.
    - تنظيم ندوة حول تجريم التكفير في خريف السنة الميلادية الجارية.
    - عقد دورات علمية لترسيخ فقه السلم في أنحاء مختلفة من العالم.
    التوصيات:
    - متابعة الرسالة العلمية للمنتدى في تأصيل منهجية التعامل مع النصوص الشرعية وإحياء فقه السلم وقواعده وقيمه 
    - تأسيس "منتدى شباب تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"
    - تكوين فرق من شباب السلم ينشرون فكر "المنتدى" ويحاورون به نظراءهم في العالم.
    - انتداب ممثلين عن " المنتدى " للقيام بزيارات ميدانية لمناطق التوتر الطائفي أو الإيديولوجي.
    - إنشاء قناة يتبرع لها أهل الخير تكون تابعة "للمنتدى"؛ ويقترح لها اسم "قناة الحكمة". 
    - إصدار مجلة تعبر عن فكر "المنتدى" وتنشر بحوثا محكمة تأصيلية وفكرية وميدانية.
     - جمع ما ألفه دعاة التطرف والإرهاب قصد تصنيف وتحليل ونقد الأسس الفكرية والتبريرات المغلفة بلبوس الشرعية الدينية.
    - قيام الجامعات ومعاهد البحث بجمع وتحقيق نصوص المعاهدات الدولية في تاريخ المسلمين ودراستها من منظور التخصصات العلمية المختلفة. 
    - تخصيص منح دراسية للبحث في الآليات الاجتماعية والتشريعية والقانونية التي تضمن التقدم في تعزيز فرص السلم في المجتمعات المسلمة وعدم النكوص عن المكتسبات.
    - القيام بدراسات مقارنة عن السلم في الإسلام وفلسفة الغربيين. 
    - إدراج مادة عن قيم السلم في المناهج التربوية في المجتمعات المسلمة باعتبارها مادة تواصلية. 
    - تشجيع أساليب الوساطات والتحكيم وتفعيل أدوات الصلح، وإنشاء هيئات وأجهزة ووزارات للمصالحة والسلم في الدول التي فيها نزاعات (نموذج دولة وسط أفريقيا)
    - تخصيص جزء من ميزانية كل دولة في العالم للسلم. 
    - تكريس جزء من ميزانية الحروب للسلم وتعزيزه.
    - فتح حوار جاد وصريح مع كل الأطراف للقضاء على بؤر التوتر وإزالة المظالم من أي نوع لإرساء سلام دائم ومستدام في العالم. 
    - دعوة الدول الإسلامية إلى سن قوانين تجرم التكفير غير المبرر والصادر من غير أهله؛ باعتباره محرما كما تنطق بذلك نصوص الشرع الصريحة ولأنه يفضي إلى إباحة إراقة الدماء وقتل الأبرياء. 
    - التعجيل بخطط للعمل الميداني تفتح أوراشا كبرى في المجتمعات المسلمة؛ ومنها:
    * أوراش التحصين الاجتماعي
    * أوراش الإنتاج المضموني الداحض لمضامين فكر العنف والتطرف.
    * أوراش تقريب العلوم الشرعية لغير المتخصصين، والتكوين في فقه السلم للعلماء الشباب والخطباء والوعاظ. 
    - تشجيع الحوارات بين الشباب وبين العلماء حول المفاهيم المتوسل بها للتشكيك في قيم السلم وقواعده.
    -  توعية الأسر المسلمة – وخاصة فيى المجتمعات غير المسلمة-بأهمية التنشئة على قيم السلم فيى العلاقات الأسرية؛ لضمان استقرارها وعدم انجذاب الشباب قليلي الخبرة والعلم إلى دعاوى الفتنة بسبب غياب الانسجام الأسري.
    - تفعيل دور المرأة المسلمة في خدمة السلم على مستوى الأسرة والمجتمع خاصة وفي مختلف ميادين الحياة.
    - تخصيص الموارد المالية الكافية والتكوين اللازم لانخراط الشباب في استثمار وسائط التواصل الاجتماعي لتعزيز فقه السلم، واعتماد أسلوب "التثقيف بالنظير" لنجاعته وفعاليته في تحصين الشباب من آفات الفكر والسلوك.
    - التنويه بكل الجهود التي بذلت وتبذل في العالم الإسلامي للاقتصار على -الحوار وسيلة وحيدة وخيارا لا بديل عنه في تسوية النزاعات وحل المشاكل والمطالبة بالحقوق في غير حالات رد العدوان والدفاع الشرعي.
    - تشجيع كل المبادرات المشتركة للتعارف والتآلف والتعاون على الخير بين المسلمين وإخوانهم في الإنسانية. 
    - تثمين كل الجهود التي تبذل لرفع الحيف عن الأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي ما دامت ملتزمة بالإنصاف والموضوعية. 
    - تكثيف أشكال دعم المجتمعات المسلمة في الغرب والأقليات المسلمة عموما وخاصة من الناحية التعليمية والتربوية لتنجو من مزالق التطرف والعنف والصدام مع مختلف مكونات المجتمع، وتنخرط في تنمية أوطانها بما يضمن التعايش للجميع وتصحيح صورة ديننا الحنيف وصورة أتباعه في الغرب.
    - دعوة الدول والمنظمات الدولية إلى تفعيل قرارات الأمم المتحدة وعلى رأسها القرار رقم 65\224 بتاريخ ( 11-أبريل-2011م)  الخاص بتجريم ازدراء الأديان ، ويدعو وسائل الإعلام العالمية إلى ميثاق يحمي كل الأديان من التهجم والسخرية ، كما يدعو  المسلمين إلى تجنب ردود الأفعال العنيفة التي تزيد الطين بلة وتضيف مشاكل جديدة إلى مشاكلهم المستعصية. 
    - الإشادة بجهود دولة الإمارات العربية المتحدة في رعاية المنتديات والهيئات التنفيذية والثقافية العاملة في سبيل تعزيز السلم، وبتخصيصها جوائز عالمية لتشجيع أشكال الإبداع الذي يخدم قضية السلم في العالم والتنويه بمبادرتها غير المسبوقة وفي ظروف عصيبة من حاضر الأمة إلى توفير فضاء حر محتضن للعلماء والمفكرين ينهضون فيه برسالتهم ويؤدون أمانتهم في الدعوة إلى السلم وإصلاح ذات البين في مجتمعاتهم، وفي العالم أجمع.
    وفي الختام يتوجه المشاركون في منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بجزيل الشكر والامتنان لسمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان على رعايته النبيلة للمنتدى ودعمه المتواصل له وإيمانه برسالته وقيمه، ويضرعون إلى العلي القدير أن يحفظ رئيس الدولة سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ويبارك في صحته وعطائه، وأن يوفق نائبه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وولي عهده سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لكل خير ونفع، وأن يتغمد بواسع رحمته الشيخ زايد ويجعل ثمار هذا المنتدى في صحائف أعماله وسجلات أفضاله، وأن يحفظ للإمارات العربية المتحدة نعمة الأمن والاستقرار والتآلف والتعارف.
     كما يتوجهون بالشكر والامتنان لمعالي الشيخ عبد الله بن بيه على دعوتهم "للمنتدى" وينوهون بما يبذله من جهود علمية تأصيلية الجذور تجديدية المنزع لبيان منهج أهل الرسوخ في فهم النصوص وتنزيلها على الواقع، ومن جهود عملية لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة.  
    والشكر والامتنان مستحقان لكل من أسهم في الملتقى الثاني لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة بحضور أو بحث أو كلمة طيبة أو مساعدة. 
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
    لجنة البيان الختامي للمنتدى
    البيان الختامي
تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة - الملتقى الأول

2014
تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة - الملتقى الأول

  • تواجه المجتمعات الإسلامية في المرحلة الراهنة تحديات عديدة على كل المستويات التنموية؛ مثل محاربة الفقر والبطالة ومكافحة الأمراض والإدمان بأنواعه وسلامة البيئة، وامتلاك التقنيات اللازمة للتحديث. وهي تحديات ليست بجديدة على العالم الإسلامي، وربما تعود إرهاصاتها الأولى إلى نهايات القرن التاسع عشر، أو بدايات حملة نابليون على مصر التي نهض بمواجهتها الإصلاحيون الأوائل. 
    ولكن هذه التحديات بدت في الآونة الأخيرة وكأنها مستعصية على المواجهة أو الحلول، بسبب الصراع الفكري والطائفي الذي طغى على سطح الوعي الإسلامي في الوقت الراهن، وهو ما صرف الأمة عن جهود استكمال هُويتها الإسلامية المعاصرة  ودفع بها إلى الشقاق والافتراق واستقواء كل طرف بمن يعينه، ويحتضنه ولو على حساب مصلحة الأمة ومصيرها؛ فضعفت الثقة وغابت أجواء الأمن والطمأنينة، وابتعدت المجتمعات الإسلامية عن حقيقة الجسد الواحد المتراحم المتآزر المتعاون على البر والتقوى. وهي ظواهر تُسأل مؤسسات الأمة عن سبب استفحالها مقابل ضمور قيم المحبة والتعايش والسلم في المجتمعات الإسلامية مع كونها من أمهات القيم في سلم المقاصد الشرعية، ومن مقومات الاستقرار والبناء في سنن المجتمع البشري.
    ويزيد من ثقل المسؤولية وضرورة الإسراع بالاستجابة لهذه التحديات تطور هذه الصراعات في العقد الأخير، وتسارع وتيرتها حتى أضحى أثرها الواقع والمتوقع على الأمة في غاية الخطورة، وتتجسد في خمسة أبعاد هي التالية:
    أولاً: البعد النوعي المتمثل في درجة العنف غير المسبوق الذي لم يستثن أي نوع من الأسلحة، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل، التي يستعملها أبناء الوطن الواحد بعضهم ضد بعض. 
    ثانياً: البعد المكاني المتمثل في الاتساع والانتشار، الذي شمل رقعة واسعة من البلاد العربية والإسلامية، والمرشح لشمول مناطق أخرى. 
    ثالثاً: البعد الزمني، حيث إن هذه النزاعات أصبحت في استمرارها وديمومتها وكأنها أمر معتاد، لا تلوح له نهاية في الأفق. 
     رابعاً: البعد الفكري والنفسي، وهو بعد يغذي الأبعاد الثلاثة السالفة، حيث أفرزت هذه الفتنة أشد الأفكار تطرفاً، وأكثر الفتاوى شذوذاً وأشد الآراء تعصباً وتحريضاً، فاشتعلت الساحة بكم هائل من فتاوى التكفير والتضليل والاتهام بالفسق وإثارة البدع، فاستبيحت الدماء، ولم يعد للشرعية في الطاعة وصيانة الدماء وتجنب شق عصا الأوطان مكان، بل استبدلت بها دعوى الجهاد في غير محله، والنهي عن منكر بغير ضوابطه، مما يؤدي إلى ما هو أنكر. 
     خامساً: البعد الدولي، حيث أدى كل ما سبق إلى تشويه صورة الإسلام عالمياً، وكاد دين الرحمة والرشد، أن يوصف بأنه "دين إرهاب" إلى درجة أن بعض المتطرفين أضحوا يقترحون أن يحاكم الإسلام وأهله تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة!.
    إن هذه الصورة البشعة المأساوية، بالتأكيد  لا تمثل حقيقة الإسلام  دين المحبة والإنسانية، الذي أسس لقيم العدل والتسامح والشورى والرحمة والإحسان والوئام. 
    ذلك ما حاول "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" الذي عقد في أبوظبي على مدى يومي الأحد والإثنين 08-07 جمادى الأولى 1435، الموافق 10-09 مارس 2014 أن يقدمه للعالم؛ توضيحاً للمفاهيم، وشرحاً للمضامين، وبياناً للحق، ونداء للأمة الإسلامية وللإنسانية، أصدره جمهور من العلماء والمثقفين وقادة الفكر والمفتين في العالم، لإطفاء الحريق ولتدارك هذه الأوضاع، بمحاصرة نيرانها وحصار الأفكار الجائرة الظالمة التي أنتجتها، حيث ناقش العلماء والباحثون مجموعة محاور وموضوعات، تسعى إلى إخماد الحرائق والضغائن والأحقاد المتأججة في جسم الأمة، التي تهدد نسيجها الاجتماعي بالتفكك والخراب، وتضعف كل عوامل المناعة الذاتية، في مواجهة التحديات والأطماع والمؤامرات. وتركزت المناقشات والحوارات على تحرير المفاهيم وتصحيح التصورات، والحفر في الأصول الفكرية والحالة الثقافية، التي أفرزت هذه الأوضاع، تمهيداً لمعالجة عللها ومحاصرة آثارها، من خلال أربعة محاور رئيسية تندرج تحتها موضوعات متعددة هي التالية: 
     المحور الأول: القيم الإنسانية والعيش المشترك. 
    لا يوجد أدنى اختلاف في القيم الأساسية الكبرى كالحق في الحياة وكرامة الإنسان والحرية والمساواة والعدل؛ وإن احترام هذه الحقوق الضرورية ومراعاة ثقافة الاختلاف وترسيخ أهميتها، وإقامة الجسور بين مختلف الشعوب والأمم، هو وحده الذي يعيدنا إلى قيمة الإنسان، ويذكرنا أننا جميعاً نستحق هذه القيم بغض النظر عن العرق أو اللون أو الجنس أو الدين. ومن هنا تبرز أهمية دور علماء الدين وأهل الفكر في ترسيخ هذه القيم، وتحجيم القيم المضادة، ليكونوا جزءاً من الحل وليس جزءاً من المشكلة، كما يشاهد من انزلاق بعضهم في إثارة نعرات الخلاف بما يعود سلباً على قيم التضامن الإنساني وحسن التفاهم. 
    كذلك تناولت النقاشات في هذا المحور، مضامين القيم المركزية في تحقيق العيش المشترك، وبناء الأسس الفكرية والثقافية للتلاحم الاجتماعي والتراحم الإنساني على مستويين، هما:
        - تدبير الاختلاف، وثقافة الحوار.
        -آليات التعاطي مع المواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان. 
    المحور الثاني: تصحيح المفاهيم.  
     تتداخل وتتقاطع في المجال العلمي والعملي، وفق ما اصطلح عليه العلماء بالسياسة الشرعية  مجموعة من المصطلحات والمفاهيم؛ أصبحت بعض طوائف الأمة -لأسباب مختلفة - تتذرع بها لإثارة الفتن واستحلال الدماء المعصومة والأموال المصونة، وهو ما أوجب العكوف على دراسة هذه المفاهيم، وتمييز الفهم الأصيل المنبثق من مقاصد الشريعة وقواعدها الكبرى التي يشكل سوء فهمها وتنزيلها مدخلاً إلى فتنة الأمة وتفريق وحدتها وتنازع البقاء فيها.
    ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية:  
    -  الطاعة بين الإثبات والنفي مفهوماً ومقصداً.
    -   الدوافع الرائجة للتكفير (الولاء والبراء، عدم تطبيق الحدود الشرعية...).
    -   الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوجوب إلى الحظر. 
    -الجهاد.. المفهوم والضوابط.
    المحور الثالث: الفتوى في زمن الفتن. 
    الهدف من دراسة قضايا الفتوى في المنتدى، هو بيان خطورة ما يترتب عنها في زمن الفتنة وغموض الرؤية والتباس الحق بالباطل، بغض النظر عن النيات والمقاصد الموكولة إلى العليم بذات الصدور، ومن ثم جرت معالجة ما يُشترط في الفتوى، ومن تصدر عنه  من شروط ذاتية وموضوعية في أوضاع دقيقة، وسياقات خاصة لم يفت أعلام الأمة التنصيص على بعضها أو الإشارة والإيماء إلى البعض الآخر. 
    كما سعى المنتدى إلى بيان المسؤولية الشرعية وتضمين المفتين عن فتاويهم، أو الدعاة الذين قد يسهمون في نشر عدد من الفتاوى  يقتنعون بها ويتبنونها.
     وحتى لا تظل المعالجة العلمية لقضايا الفتوى والمفتين صيحة في واد، تُوِّج هذا المحور بالبحث في مناهج إعداد العلماء والمفتين لتمكينهم من الاضطلاع بأدوارهم إزاء مجتمعاتهم. فإصلاح أمر الفتوى لا يتم من دون تصور جديد لتكوين علماء ومفتي المستقبل، مع مزيد من العناية بفقه الواقع والمتوقع بكل أبعادهما وآثارهما. ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية: 
     -  صفات المفتي ومؤهلاته، وشروط الفتوى وضوابطها.
     -  الفرق بين فتوى الأفراد وفتوى الأمة. 
    -  مسؤولية المفتي والداعية. 
     - مناهج إعداد العلماء لتمكينهم من الاضطلاع بمهمة الفتوى.  
    المحور الرابع: إسهام الإسلام في السلم العالمي.   
    في عصر تطورت فيه قدرات الإنسان على التدمير وتعددت فيه المبررات لإشعال الحروب والفتن، من مصلحة الإنسانية أن تعيد اكتشاف وقراءة المخزون القيمي والمفاهيمي  الذي تحتضنه رسالة الإسلام. كما أنه من واجب المسلمين قبل غيرهم - ومن مصلحتهم - أن يقفوا وقفة متأنية يسائلون فيها أنفسهم: كيف يتعايشون في ما بينهم؟، وكيف يعيش معهم غيرهم  كما عاشوا من قبل آمنين مطمئنين على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، متمتعين بحقوقهم المعنوية والمادية؟، ويسهمون في عصر العولمة باستلهام مبادئ دينهم وقيمه في تقديم رؤى وتصورات ووسائل ونظم عملية لنبذ ثقافة العنف، وإيجاد سبل لفض النزاعات والصراعات المسلحة وإحلال السلام والوئام بين الشعوب والدول. فكما أن البشرية اليوم تمتلك وسائل إغناء كل أشكال الحياة على ظهر الكوكب، فإنها أيضا تمتلك وسائل جعل البشر يحيون حياة نعيم غير مسبوق في التاريخ، وإن ما تكتنزه الطبيعة البشرية من خير، وفقا لما يؤمن به أهل الاسلام وكذلك أهل كل الأديان ليشكل داعياً رئيساً للأمل الدافع للعمل الجاد، بل المستميت، لتعزيز السلم في مجتمعاتنا وفي مجتمعات العالم كافة. 
      ويتمثل أول أساس لتحقيق هذا الأمل، في اعتبار التعددية والاختلاف وتدبيرهما من أهم قيم السلوك الإنساني، وهما أمران قد شهدا في المنطقة خلال السنوات الأخيرة تراجعاً كبيراً بسبب المقاربات التي تستند إلى المكاسب الصغيرة وقصيرة المدى التي قد تأتي بها التوجهات الإقصائية. 
    ولا مناص من أجل تجاوز المشاكل الناجمة عن الخلاف، أو التنافس السياسي أو الأيديولوجي، من السعي إلى بناء جماعات محلية وإقليمية، تُدني التعددية ولا تقصيها، من خلال العمل التأسيسي الذي يشعر الأفراد والطوائف والمجتمعات من خلاله  أنهم موضع توقير واحترام رغم الخلاف. ولا سبيل إلى ذلك دون بناء قدرات الأفراد وتكوينهم لاستبطان هذه المعاني استمداداً من المرجعيات المعتمدة، ولا شك أن بلوغ هذه الغاية يحتاج إلى مرونة وإبداع، إذ إن الحاجة لا تدعو فقط إلى وضع الحلول الممكنة والاتفاق عليها، ولكن تدعو أيضاً إلى تنزيل تلك الحلول على أرض الواقع بشكل يسهم فيه الإعلام ويقوده العلماء.
    ويتضمن هذا المحور الموضوعات التالية: 
     -  المعاهدات والاتفاقيات الدولية في الإسلام.
     -  الإسلام وحرية التدين والعبادة.
    -  دور العلماء والإعلام في تعزيز السلم. 
    -   المسلمون والسلم العالمي.

    الورقة التصورية
  • بسم الله الرحمن الرحيم 
    الحمد لله رب العالمين السلام المؤمن، خلق الإنسان وأوضح له سبيل السلام، ودعاه إلى دار السلام.
     والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، الذي جعل وسيلة الإيمان الحب وسبيل الحب إفشاء السلام وذلك في قوله: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا أوَ لا أدلُّكم على شيء إذا أنتم فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم). 
    فلا تمام للإيمان بدون حب ولا حب بدون سلام. 
    أيها السادة: لماذا هذا المؤتمر؟ 
    إنه مؤتمر غير مسبوق في موضوعه وأوضاعه، أما موضوعه فهو "السلم"، وأما "الأوضاع" التي دعت إليه: فإنها الأوضاع الكارثية لهذه الأمة التي أصبحت لعبة الموت أمراً معتاداً فيها، وسبيل الحياة أمراً مستبعداً، تلك مشاهد الدماء والأشلاء والخراب والدمار لا تحتاج إلى تعليق. 
    لقد أصبح من المذهل والمحزن أنه ما من أمة اليوم يستشري فيها الصراع وإراقة الدماء أكثر من هذه الأمة، تحت عناوين وذرائع وشعارات لا يقرها شرع ولا يقبلها عقل. 
    كيف نشعب الصدوع ونلأم الجراح ونخيط خروق ثوب الأمة ونجبر كسر القلوب؟ على الرغم  من مقولة الشاعر: 
    إن القلوب إذا تَنافر ودُّها *** مثل الزجاجة كسرها لا يشعب
    أم كيف نطفئ هذه الحرائق؟ التي تلتهم الأمة وتفني زهرة شبابها، بل تقتل الصغار والكبار ولا تستحي النساء. أم كيف ننقذ ما بقي؟ أم كيف نسقي البلاد مياه العافية بعد أن رويت من دماء سكانها؟، كيف نضيء مصباحاً في هذا النفق؟ كيف ننير حوالك الظلمات التي لا صبح لها؟ 
    ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل
    كيف يشرق الإصباح ويكون أمثل أيضاً؟، وبعبارة واحدة: كيف نبدأ رحلة السلم؟ 
    ذلك ما ستبحثونه، ذلك ما سنفكر فيه معاً، وقبل كل شيء ما نسأله تعالى وهو القريب المجيب المرجو لكشف الضر وتفريج الكروب عنا وعن الأمة، أن يوفقنا لإنجازه بالنية الصادقة والكلمة الطيبة والنصيحة الحكيمة وأن يفتح آذان الناس وقلوبهم لكلمة الخير، وخير الكلم كما فتح بنبينا عليه الصلاة والسلام آذاناً صماً وقلوباً غلفاً. فتعاملنا هنا مع العقول والقلوب انطلاقاً من تلك الحكمة التي وردت في ديباجة ميثاق منظمة اليونسكو: إذا كانت الحروب تتولد في عقول البشر ففي عقولهم يجب أن نبني حصون السلم. 
    إنكم أيها العلماء تقومون بواجب ديني وإنساني، لهذا فإن طموحنا هو أن نبين الطريق الأفضل في ظل وعينا بعصرنا ونضع الجسور، ونشرح أهمية السلم، لعل أحدهم أن ينظر إلى هذا الطريق ليسلكه أو أن يستمع إلى هذه الموعظة فيتأمل فيها. إننا في هذا المنتدى نبحث عن مسوغات السلم والعافية بدلا من مبررات الفتن والحروب الجاهلية التي يحشها الإعلام المجنون، نعوذ به تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. 
    نريد أن نؤكد بدهية أولى وهي أن السلم الاجتماعي أفضل من الاحتراب وأن الوئام خير من الخصام. فواجب العلماء هو شن حرب على الحرب؛ لتكون النتيجة سلماً على سلم، إنه واجب شرعي، وإنه خدمة لديننا، إنه من أعظم الخدمات وأفضل القربات؛ إذا خلصت النيات. 
    إنكم أيها المسؤولون الكبار الذين احتضنتم هذه الدعوة ودعمتم هذه الفكرة إنما تخدمون دينكم وأمتكم خدمة جليلة. فنسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. 
    إنَّ مسؤولية المرجعيات الدينية كبيرة في هذه الفترة بالذات، وإن التكلفة البشرية والإنسانية "لا يمكن أن تترك أي شخص متفرجاً بل يجب علينا أنْ نكون إطفائيين؛ والإطفائي لا يسأل عمن بدأ وإنما يحاول أن يطفئ الحريق، ومن الواجب شرعاً أن يقوم العلماء والحكماء ببذل الجهد لإطفاء نار الفتن، وللإصلاح امتثالاً للأمر الإلهي العظيم وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا في سورة الحجرات، حيث وردت خمسة أوامر فيها أمر "فَأَصْلِحُوا" ثلاث مرات، والعدل "فاقسطوا" الجهد لتحقيق ما يمكن من الإصلاح؛ إنه واجبنا الديني والأخلاقي. 
      وأنتم هنا تتهيؤون للقيام بهذا الواجب الشرعي الذي يتحتم على كل من يستطيع أن يسهم فيه ولو بكلمة أن يفعل ذلك. وندعو العلماء الحاضرين والغائبين عن هذا التجمع أن يتأملوا هذه الرسالة، وأن ينخرطوا في هذه المبادرة، فالعبرة في ذات القول لا في القائل، فرب مقصر في العلم والعمل مثلي ينطق بالكلمة من الحكمة فينتفع بها من هو أرسخ منه قدماً وأعلى كعباً. 
    ويجب أن أوضح ثلاثة أمور من خلال الإجابة عن ثلاثة أسئلة: 
    أولها: لماذا لا تبينون المحق والمبطل؟ـــــ حسب وجهة نظر القائل ـــــــ .
     والثاني: أين قضية فلسطين وقضايا الأمة الأخرى؟.
     والثالث: لماذا لا تتحدثون عن السلم العالمي بدلاً من السلم الإقليمي؟  
    فأقول: 
    أولاً: إننا لم نأت هنا لتنصيب محكمة لفصل الخصام وتوزيع الأحكام، لنحكم لزيد على عمرو أو العكس، وبالتالي لنستمع إلى أقوال الخصوم والشهود والمحامين، جئنا هنا لنقول كلمة بسيطة هي حكم وحكمة : "الدعوة إلى السلم حق".
    ولنا في ذلك سلف من أصول الشرع ومن عمل العلماء، فمن المعلوم أن القاضي، وهو المنتصب لفصل الخصومات يدعو إلى الصلح بعد أن تبين له الحق خوفاً من الفتنة، وهي الاقتتال. 
    ولعلنا هنا نُذكِر بمذهب مالك، فيقول ابن عاصم الغرناطي: 
    والصُّلحُ يَسْتَدْعي لهُ إنْ أَشْكَلاَ       حُكْم، وَإنْ تَعَيَّنَ الحقُّ فَــــــــــــــــــــــــلا 
     مَا لمْ يَخَفْ بنافِذِ الأحـــكــــــــــــــــــــــامِ           فتنةً أو شَحنا أولي الأرحامِ   
    ويقول خليل: "وَأَمَرَ بِالصُّلْحِ ذَوِي الْفَضْلِ وَالرَّحِمِ كَأَنْ خَشِيَ تفاقم الأمر" ومعنى تفاقم الأمر: الفتنة بين المحكوم عليه وله، فيجب على القاضي أن يأمرهما بالصلح دفعاً للمفسدة ولا يحكم بما تبين له من الحق. فكيف بمن ليس قاضياً ولا محكماً بل قصارى أمره أن يكون داعياً أو منادياً إلى الخير؟ 
       أما السؤال الثاني، فنحن لا نتنكر لقضايا الأمة الكبرى في فلسطين أو غيرها، ولكننا  نبحث عن تعزيز السلم داخل المجتمعات المسلمة، فمن لم يرتب بيته لن يستطيع أن يحقق شيئاً في القضايا الكبرى لا سلماً ولا غيره. 
    أما السؤال الثالث: فنحن عندما نتحدث عن المنطقة، نتحدث عن أولوية من حيث  الضرورة، ونعتقد أن السلم في هذه المنطقة سينعكس على العالم كله. نريد أن نرفع شعاراً واحداً يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ.
    ولكن ما الذي يمكن أن يقترحه العلماء والحكماء؟ بل ما الذي يمكن أن ينصح به النصحاء؟ 
    أيها القادة، أيها العلماء، والحكماء: 
    أنتم الناصحون للأمة، أنتم الإطفائيون، لبيتم هذه الدعوة، وتناديتم اليوم، وتداعيتم لتدارك هذا الأمر الجلل، والخطب الأجل مدعوون إلى التفكير لهذه الأمة، لمحاولة التدبر والتدبير، لمحاولة التبصر والتبصير، لمحاولة إيقاف لعبة التدمير، لذلك فإنكم ستتحدثون عن مقصد السلم الاجتماعي، عن أولويته على غيره في سلم المقاصد، وما يؤدي إليه إهماله تحت أية ذرائع من المفاسد؛ سواء كانت راجعة إلى الاصطفافات الطائفية والمذهبية أو المفاصلات الأيديولوجية والتي أدت بالأمة إلى نفق مظلم لا يلوح ضياء في نهايته، أو راجعة إلى إشكالية التكفير المتبادل أم آيلة إلى فتاوى التضليل وإباحة الدماء واحتكار الحق أو الديمقراطية أو الديكتاتورية. 
    إننا هنا نحاول أن نؤصل كيف؟ بدلاً من أن نقف مع لماذا؟ 
      فإذا كان سؤال: لماذا يتعلق بالسبب الذي يحمل قيمة الدعوى التي قد تكون الجور والظلم والكفر مقابل الإيمان والديمقراطية والحرية والحداثة، فإننا لاختصار المسافة نقول: إذا كانت المطالبة بالحق حقاً فإن البحث عن السلم أحق، وهو بحث قد لا يلغي أصل الدعوى، ولكنه سيغير وسائلها فما كل عدل أو حق أو إيمان أو طغيان يبرر وسائل أسوأ ونتائج أردأ. 
      تلك هي دعوتنا ودعوانا، وهي: أن ليس كل الوسائل مقبولة ومبررة لصاحب حق يدعيه أو صاحب دعوى يحاول إثباتها، لأن البحث عن السلم حق، بل هو أحق في كثير من الأحوال من الحقوق الحقيقية أو المزعومة، لأنه حق الكافة في الحياة والراحة في الحركة والسكون والسعي في مناكب الأرض، فلا يحق لأي طرف أن يحرمهم أو يتسبب في حرمانهم من هذا الحق. 
      وسنبدأ حديثنا عن "كيف" بمقدمة عن أولوية السلام على الحقوق الثابتة أو المزعومة مادية أو معنوية فردية أو جماعية دينية أو دنيوية،لأن الحقوق فرع عن السلام فلا ثبوت لفرع دون أصل. 
    إن المبررات الدينية، والمظلوميات المتبادلة، والحق الذي أشبه الباطل، والباطل الذي أشبه الحق أدخل العلماء في فضاء الشبه والاشتباه الذي يؤججه الإعلام الذي أربك الأفهام وأزل الأقدام، كل ذلك لن يكون مهماً إلا في ثاني حال. 
      هناك ثلاثة أسئلة مفاتيح: ماذا؟ لماذا؟ كيف؟.
    إن الجواب عن السؤال الأول لن يتطلب من مؤتمرنا هذا عناء، إن الواقع يقدم الجواب الفظ المر. إنه واقع الخصومة والاحتراب الذي أشرنا إليه آنفاً، وكل يوم نستمع إلى الشروح المختلفة والخطب الملتهبة لم نقتنع بأي تبرير لعملية الإفناء المتبادل بأدوات الموت التي اخترعها الإنسان فلنتجاوز سؤال لماذا أيضاً، لأنه سؤال السببية الباحث عن العلة، والسبب يجب أن تترتب عليه المسببات والتي ترتبت عليه في الواقع لكنها مسببات لا شرعية ولا عقلية فنحن لا نريد أن نبحث عن أسباب تنتهي إلى نتائج لا شرعية ولا عقلية ... بل نكتفي بقوله تعالى:قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ
    أولا- معنى السلم ومفهومه :
    فما هو السلم الذي نبحثه اليوم وعنه؟ فالسلم ككل كلي مشكك منه ما هو من صميمه، ومنه ما ليس منه قطعاً ومنه ما يتمارى فيه كما يقول أبو حامد. فعدم الحرب هو سلم، وهو حد أدنى إذا فسرنا الحرب بأنها مواجهة مسلحة بين مجموعتين للوصول إلى الغلبة، كما هو التفسير الغربي باختصار، فقيام الحرب ليس سلماً مطلقاً، ويبقى وجود تحرشات وخصومات هل يدخل في السلم أو لا لأنه ينذر بالحرب والكراهية والبغضاء، فهذا الذي يتمارى فيه. 
    لهذا يمكن تعريف السلم: بأنه حالة تسود فيها الطمأنينة النفسية والروحية والسكينة بين أفراد المجتمع لتنعكس على العلاقات بين الأفراد والجماعات، ليكون السلم الاجتماعي حالة من الوفاق تضمن بالدرجة الأولى الكليات الخمس ومكملاتها: المحافظة على الدين، النفس، الأموال، الأعراض، العقول. 
      وتتمظهر في التضامن والتعاون لإيصال النفع إلى الجميع ودرء الضر عن الجميع، وتتجلى في اللغة والسلوك والمعاملة، فلا عنف في اللغة ولا اعتداء في السلوك ولا ظلم في المعاملة. 
      السلم يُوجد بيئة الحب والسعادة والانتماء إلى الأمة والوطن والانخراط في مصالحه، وهو قبل كل شيء مصالحة مع الذات قبل أن يكون مصالحة مع الغير، إنه قيم ونعم لا يدركها إلا من ذاق طعم الحرب؛ كما قال عمرو بن معد يكرب: 
        مَن يَذُقِ الحَربَ يَجِد طَعمَهَا  *** مرا وتتركه بِجَعْجَاعِ 
    أو كما قال الأعشى: 
           أذاقتهم الحرب أنفاسها  *** وقد تكره الحرب بعد السلم 
    نتفق مع الفيلسوف سبينوزا عندما يقول: ليس السلم عدم الحرب وإنما السلم اتحاد الأرواح. فإن كلمة اتحاد الأرواح حكمة، والحكمة ضالة المؤمن، فاتحاد الأرواح يعني اعتماد قيم راسخة في النفوس تمثل السلم الاجتماعي، تجلب الطمأنينة وتنزل السكينة وتتشكل في مظاهر التضامن والتعاون والتعاطف والتجاوب في الأفراح والأتراح. 
     من تلك المعاني ومن خلال ظلالها المختلفة المتفقة والمتنوعة المنسجمة يمكن أن نختصر السلم بأنه تجنب للخصومة والحرب وسعي للألفة والحب، وبالتالي يمكن أن ينقسم إلى موقف سلبي وإلى موقف إيجابي ديناميكي، قد يذكر هذا بالتقسيم"الكانتي" الذي خصص الفصل الأول من مشروعه للسلم الدائم من الزاوية السلبية، والثاني للمقترحات الإيجابية، ومازالت بعض الدول الأوروبية تدرسه الآن في مناهجها التعليمية 
      إننا نجيب عن كيف قبل أن نجيب عن لماذا؟ لأن الإطفائي الذي يحاول إطفاء الحريق والإنقاذي الذي يحاول إنقاذ الغريق لا يسأل لمَ ؟ بل يسأل عن كيف؟ وهذا لا يعني إلا أن الإنقاذ والإطفاء أهم الآن.  
    إن هذا المنطق يعترف بأن لماذا التي ستكون في مقام متأخر قد تلغيها نتائج الإجابة عن كيف، أو تسهل معرفتها لمعالجتها من أجل السلام الدائم المعروف عند إيمانويل كانت، الذي ألف قبل 200 سنة كتابه "نحو السلام الدائم" لأوروبا في حالة مشابهة من الحروب
    .
    ثانيا- تأصيل السلم وإسهام الإسلام فيه تاريخياً
      بدون سلام لا حقوق، لأن فقدان السلم هو فقدان لكل الحقوق بما فيها الحق في الوجود! فالسلام هو الحق الأول والمقصد الأعلى الذي يحكم على كل جزئيات الحقوق، ومن خلال الاستقراء، الذي هو أوثق طريق لتأكيد المقصدية يمكننا أن نؤكد اليوم، أنه لا مقصد يعلو على مقصد السلم، والدليل على ذلك: 
    1 - إن السلام  هو اسمه تعالى وهو اسم جنته التي أعدها لعباده المؤمنين، وهو تحيته التي اصطفاها للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة على ألسنة أنبيائه، فاسمه الملك القدوس السلام المؤمن
    وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ، ويحيي أهل الجنة بالسلام سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ، وابراهيم يستقبل ضيوفه الملائكة بالسلام رداً على سلامهم قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ، ويقول لأبيه: سلام قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ ، وعيسى  يقول: إنه محفوف بالسلام وٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا .. وفي قداس المجد عند المسيحية: المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وللناس المسرة. وموسى مازالت تحيته في العبرية "شالوم" يقول لفرعون: فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِ‍َٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ . وأمر الباري جل وعلا عباده بالبحث عن السلام وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ، وأمر المؤمنين أن يدخلوا في بيت السلم يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ، ووصف عباده الأتقياء بالرد على الإساءة بالسلاموإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا، وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ   ونحن نسلم على نبينا والصالحين في صلواتنا كلها يومياً. 
    وهذه الآيات والآثار تشير إلى السلوك العملي الذي يقدم السلام على طلب الحق، ويجب أن لا يفهم السلام بأنه مجرد كلمة بل هو قول وسلوك وقيمة كبرى ومبدأ ثابت.  
    2 - تعلمنا سيرة النبي ﷺ حرصه على السلام وتقديمه له على الحقوق الأساسية، وهذه أمثلة عامة وخاصة. ففي صلح الحديبية يتحلل النبي وأصحابه من واجب العمرة إلى البيت بعد أن أحرموا من أجل السلام، وكان أصحابه على استعداد للدخول في الحرب للرد على المشركين الذين منعوهم من دخول الحرم لأداء واجب شرعي، ولكنه حاورهم وفاوضهم ووقع معهم اتفاقا كان بعض الصحابة يرونه مجحفاً بما فيهم عمر ، وكان علي هو الذي يكتب الاتفاق بين يديه منزعجاً، من اعتراض قريش على اسمه تعالى الرحمن الرحيم " وعلى  وصف محمد رسول الله بالرسالة فقالوا: لا نعرف الرحمن الرحيم، ولا نعترف برسالتك، اكتب اسمك واسم أبيك، فقال له النبي: امحُ. فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فأخذ الكتاب منه ومحا بيده الشريفة، إلى غير ذلك من الشروط التي تتضمن تسليم من أسلم ولجأ إليه من أبنائهم دون أن يسلموا أحداً.  لقد كان عمر يقول: لم نعطي الدنية في ديننا؟. إنها معاهدة عظيمة تعلمنا أهمية السلام ومآلاته المختلفة عن مآلات الحرب. وقد قال عليه:"والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". قال الخطابي في شرح هذا الحديث: (إن حرمات الله هي القتال في الحرم والجنوح إلى المسالمة والكف عن إراقة الدماء). 
    وقال النووي في شرحه لحديث الحديبية من صحيح مسلم: (قال العلماء: والمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلها ودخول الناس في دين الله أفواجاً. وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي كما هي، ولا يحلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاؤوا إلى المدينة وذهب المسلمون إلى مكة وحلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي مفصلة بجنباتها ومعجزاته الظاهرة وأعلام نبوته المتظاهرة وحسن سيرته وجميل طريقته؛ وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازدار آخرون ميلاً إلى الإسلام فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب، قال تعالى: " إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا"، فسمى الباري جل وعلا ذلك الصلح فتحاً. 
    كل ما ذكر يدل على ثلاثة أمور: 
    - إن الفرصة التي يمنحها السلم للمصالح الدينية والدنيوية أنجع من الفرص التي تعد بها الحرب. 
    - إن السلم أرجح من الحقوق الجزئية. 
    - إن المفاسد المترتبة على التقاتل تفوق تلك المترتبة على التنازل. 
    وفي غزوة المريسيع (غزوة بني المصطلق)، لما كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، ونادى كل منهم باسم فريقه، اعتبرها الرسول دعوة جاهلية قائلاً: "دعوها فإنها منتنة". وتكلم رجال من المنافقين بكلام فيه إساءة شديدة، قال تعالى: يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ، فرحل النبي  في الهاجرة لوأد الفتنة في القصة المشهورة. 
    وحين انسحب خالد في غزوة مؤتة في معركة مع الروم سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فتحاً، "وأخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليه". 
    3 - ومن الأدلة على ذلك شهادته لسبطه سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما وأرضاهما بأنه سيد، لأنه سيتنازل عن حقه في الخلافة من أجل السلم. فقال رسول الله  كما تذكر الآثار في سيدنا الحسن: "إن ابني هذا سيد، وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". وكان تنازل الحسن لمعاوية بعد أن بايعه الذين كانوا مع أبيه علي رضي الله عنهما من أهل الحجاز والعراق، ومكث سبعة أشهر خليفة على العراق وما وراءه، قبل أن يصالح معاوية بتسليم الأمر إليه على أن يكون له من بعده وأن لا يطلب أحداً بتبعة، ودامت بينهما المفاوضات حتى أرسل معاوية إليه رقاً ليكتب فيه شروطه، وقال إنه ملتزم بها، وكان أصحاب سيدنا الحسن متحمسين لقتال أهل الشام، ولكن سيدنا الحسن قال قولته المشهورة: "والله ما أحببت أن ألي أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم   على أن يهراق في ذلك محمجة دم". 
    وكذلك لم يشارك أحد من أهل البيت النبوي الشريف في حرب الحرة ضد جيش يزيد، فقد نقل ابن كثير: عن أبي جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين رضي الله عنهما أن أحداً من آل أبي طالب وبني عبد المطلب لم يشارك في وقعة الحرة، وكان مع والده سيدنا زين العابدين في المدينة حرصاً منهم على السلم الأهلي.  
    4 -  من الأدلة على ذلك أن الإسلام سن المعاهدات فما كانت العرب تعرف إنهاء الحروب بالمعاهدات، فكانت تتفانى وربما استمرت الحرب بين القبيلتين عقوداً من الزمن، حيث دامت حرب البسوس أربعين سنة بين بني بكر وبني تغلب، وهما حيان ينتميان إلى أب واحد هو وائل. ووقع رسول الله عشرات المعاهدات مع مختلف الفئات والديانات لنشر السلم في جزيرة العرب كان آخرها عهودا في سفره إلى تبوك لتأمين الحدود مع الروم حيث لم يجر قتال؛ بل أعطى عهداً ليوحنه بن روبة صاحب أيلة أمنه على سفنه وقوافله في البر والبحر مقابل السلم، كما صالح أهل أذرح وأهل جربا، ولم يقع قتال ولا غنائم - حسب ما قاله صاحب السيرة الحلبية– . 
    وعظم سبحانه وتعالى شأن المعاهدات وجعلها تقوم على حسن النية والشفافية إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡ‍ٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ.
    وقد أرسى صلوات الله عليه، أسس السلام في صحيفة المدينة "دستور" في الداخل بين كل مكونات المجتمع مع اختلاف الديانات والأعراق، وأسس السلام الخارجي بتلك المعاهدات والاتفاقات في داخل الجزيرة وعلى حدودها. 
     واقتدى المسلمون في تاريخهم بهديه، في نشر السلم عن طريق الاتفاقيات والمعاهدات، فأبرموا أكثر من ألف اتفاقية ومعاهدة مع أوروبا خلال قرون عدة، وبذلك أسهموا تاريخياً في إرساء أسس السلم العالمي، كما أنهم كانوا يمثلون الجدار الحاجز بين الشرق والغرب، الذي حمى أوروبا في القرون الوسطى من موجة اجتياح المغول، فامتص الصدمات قبل أن يصبح المغول مسلمين.  
    5- ومن ذلك أن الإسلام ألغى قضايا الثأر الجاهلي، "وأن دماء الجاهلية موضوعة". وألغى مبادرة الأفراد والجماعات للثأر، وجعل ذلك للحاكم فقط، وجعل القتال الخارجي "الجهاد"، لا يقوم به إلا الحاكم لأنه لو قام به الأفراد لنشبت الفتن واضطرب السلام، فهو تدبير حكومي. 
    ومن ذلك ما فرضه الإسلام من الآداب الشرعية في العلاقة بين الوالد والولد من البر، والاحسان بالوالدين وحسن التربية للأولاد، وبين الحاكم والمحكوم من الطاعة للأول والعدل للآخر. 
    كل تلك الآداب لا تعتبر خنوعاً ولا مذلة ولكنها سلوك واع وأدب رفيع يسهم في تماسك المجتمع والسلم الاجتماعي وأنسنة العلاقات، التي لا تقوم على جدلية الصراع الهيغلي - المؤكد بأن التناقض هو المبدأ المحرك الحقيقي للعالم- ولكن على روح التسامح، لذلك  كان مبدأ العفو عن السيئة ومقابلتها بالحسنة ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ ، وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ من أهم المبادئ الخلقية لتعزيز السلم، ومعناها عمليا أنك لا تترك  حقك فقط، بل إنك تعفو عن من ظلمك،  وتصل من قطعك وتعطي من حرمك. 
    6 - ووضع الإسلام فقهاً متكاملاً لحل النزاعات بالوسائل السلمية العاقلة، تتمثل مفردات هذا الفقه في "كتاب الصلح"، وهو باب عظيم في كل كتب الفقه الإسلامي. 
    فقد عرفوا الصلح بأنه: معاقدة يرتفع بها النزاع بين الخصوم، ويُتَوصّل بها إلى الموافقة بين المختلفين. فهو عند أكثر الأئمة مندوب، وعند المالكية يكون واجباً إذا خيفت الفتنة والشر، فيعدل القاضي عن الحكم ويدعو إلى الصلح، كما أسلفنا. 
    وقد تقدمت مشروعية الصلح من الكتاب والسنة وإجماع الأئمة، وحكمته كما يقول الزاهد البخاري: هي أن الصلح رافعٌ لفساد واقع، أو متوقع بين المؤمنين، إذ أكثرُ ما يكونُ الصلحُ عند النزاع، والنزاع سبب الفساد، والصلح يهدمه ويرفعه، ولهذا كان من أجل المحاسن. 
    وأمر الله تعالى به في كثير من الآيات ودعا إليه في قوله: لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۢ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا . قال القاضي أبو الوليد ابن رشد: وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين.    
    فالصلح يكون في كل النزاعات والخلافات، كما سلف، ويكون مع كل الناس، سواء أكانوا دولاً أم أفراداً، ويكون في الخلافات الزوجية، كما يكون في الحروب الدولية أو الثورات الداخلية. وقد ذكر العلماء خمسة أنواع من الصلح حسب الطرف المشارك، والصلح يكون مع دولة معادية تختلف ديانة وسياسة، تدخل في حرب مع دولة مسلمة، ويسمى هدنة وعهداً  بنص القرآن الكريم. وبين الحكومة والخوارج "البغاة" الثوار وهو بنص القرآن، والصلح بين الزوجين خيفة الشقاق، والصلح في الجنايات، والصلح في الأموال.
    ومن مفردات هذا الفقه: 
    - التحكيم وهو: تولية حُكمٍ لفصل خصومة بين مختلفين، وهذه التولية قد تكون من القاضي، وقد تكون من قبل الخصمين، ويعتبر وسيلة لحل النزاع بواسطة طرف ثالث. 
    - الإبراءُ وهو عبارةٌ عن: إسقاط الشخص حقاً له في ذمة آخر أو قِبله. أما عن العلاقة بين الصلح والإبراء ، فلها وجهان أحدهما: أن الصلح إنما يكون الصلح بعد النزاع عادة، والإبراء لا يُشترط فيه ذلك. والثاني: أن الصلح قد يتضمن إبراءً، وذلك إذا كان فيه إسقاط لجزءٍ من الحق المتنازع فيه، وقد لا يتضمن الإبراء، بأن يكون مقابل التزام من الطرف الآخر، دون إسقاطٍ، ومن هنا: كان بين الصلح والإبراء عموم. 
    - العفو: ويكون في الدماء، فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ  .
     وهذه المصطلحات منتشرة في كتب الفقه في كل المذاهب، وهي مفردات فقه السلم، ولها آليات وآثار ونتائج، هي فض النزاعات بالحسنى، دون تدخل القضاء الذي قد يكون صعب التقبل. 
      أما قواعد فقه السلم وكلياته فهي: 
    * النظر في المآلات والعواقب. 
    * درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، 
    * اعتبار ترتيب التفاوت في المصالح، وتفاوت المفاسد، فيقدم الأهم على المهم، وهكذا للوصول إلى مرتبة الإلغاء. 
    كل هذه المظاهر وتلك الصور التي تتشكل أمامنا لبحث الإسلام عن السلم، باستقراء النصوص الشرعية ووقائع السيرة النبوية، يمكن منها استنباط مقصد أعلى هو مقصد السلم، الذي يجب تفعيله من خلال قيم واضحة هي: القيم الإسلامية والإنسانية. ومن خلال توضيح فقه السلم والمصالحة بمفرداته وقواعده وجزئياته وكلياته؛ ليرجح التعايش والانسجام ويصحح انحراف المفاهيم في بعض الأفهام، ويروج للمحبة والوئام، ويكبح جماح التكفير والتشهير والخصام، وذلك عن طريق وسائط الاتصال وقنوات التربية المتعددة، لتسود ثقافة العقل والفقه واعتبار المصالح جلبا والمفاسد درءا وسلوك الحكمة حتى يعيش المسلم بدينه في دنياه دون شعور بالاغتراب ولا تعرض للقلق  والحرج والاضطراب، وكل ذلك يدل على أن التراث الفقهي الإسلامي يحتوي على مادة ثرية وثرة لفقه السلم. 
    ثالثا- مفاهيم لخدمة السلم تتحول إلى ضده
    إن مسألة المفاهيم قضية في غاية الأهمية؛ ذلك أن المفهوم هو عبارة عن بناء مركب له دلالة تصورية تسمح بإصدار حكم قيمي. فكيف نصوغ هذه المفاهيم؟ ذلك هو التحدي الذي تقتضي الإجابة عنه، مراجعة المدلول اللغوي والشرعي، وكذلك المقاصد والعلل المولدة للأحكام، والواقع والبيئة التي هي مجال التنزيل.  
    إن المفهوم معرِّفٌ والمبدأ معلِّلٌ فالأول حدٌ والثاني مقصدٌ، وقد يعتمد الأول على الثاني، وذلك يفسر التداخل والالتباس، والمبدأ قد يحتاج إلى تعريف، ومعرِّفه هو المفهوم والحد. 
     فما هي المفاهيم التي يجب أن يصحح انحرافها ويقوم اعوجاجها؟ 
    تلك هي الأسئلة التي نحاول الإجابة عنها. 
    إن  جملة من المفاهيم كانت في الأصل تشكل سياجاً على السلم وأدوات للحفاظ  على الحياة، ومظهراً من مظاهر الرحمة الربانية، التي جاء بها الإسلام على لسان نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، فُهمت على غير حقيقتها وتشكلت في الأذهان بتصور يختلف عن أصل معناها وصورتها، فانقلبت إلى ممارسات ضد مقصدها الأصلي وهدفها وغايتها، فتحولت الرحمة إلى عذاب للأمة، اكتوى به المذنب والبريء واستوى في إشاعته العالم والجاهل. 
    ومن المعلوم أن المفهوم بناء مركب، فإذا اختل جزء من البناء، فقد خاصيته وبطل توظيفه، لأنه قد يأتي بعكس النتائج المرجوة كدواء اختل فيه عنصر أو وُصف من غير طبيب أو لمريض لا يلائمه. 
    تلك هي حالة الأمة إنها مريضة - كما يقول نيتشه: إن الحضارة تمرض وأطباؤها الفلاسفة -  فحضارتنا مريضة، ولكن الأدوية التي وصفت والعلاجات التي استعملت، مركبة تركيباً فاسداً فأهلكتها. 
    ولو تكلمنا بلغة أصولية لقلنا: إن الأحكام الشرعية التكليفية - الوجوب والندب والحرمة والكراهة والجواز- محاطة بخطاب الوضع، وهو الأسباب والشروط والموانع، ومن مجموع خطابيّ التكليف والوضع يتشكل المفهوم الصحيح: فإذا فككنا الارتباط بين الأوامر والنواهي، وبين الشروط توفراً والأسباب وجوداً والموانع انتفاءً، كانت الأحكام لاغية ومُخالفة للشرع.  كما أن انفكاك العلاقة بين المقاصد والغايات والوسائل والأدوات؛ إذ إن وسائل المقاصد السيئة سيئة، وأن لا يتوسل إلى المقاصد النبيلة إلا بوسائل نبيلة.    
    من هذه المفاهيم: 
    - مفهوم الجهاد. 
    - مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 
    - مفهوم تطبيق الشريعة.   
    - الولاء والبراء. 
    - الطاعة. 
    - الديمقراطية والحداثة. 
    ونحن في هذه الورقة سنكتفي بالإشارة إلى مواقع الخلل في توظيف هذه المفاهيم، دون شرح ولا بسط، اعتماداً على إدراك أصحاب الفضيلة. 
    1_ الجهاد بنوعيه الداخلي والخارجي ومبادرة الجماعات 
    وهو لغة بذل الجهد وفَاعَل هنا ليست للمشاركة، وإنما هي مبالغة مغنية عن المجرد  كسافر وجاوز. وفضل الجهاد وكونه ذروة سنام الإسلام أمر مفروغ منه، ولكن ما هو مفهومه وشروطه وأسبابه وموانعه، ومن هي الجهة المخولة للقيام به؟ 
    الجهاد ليس مرادفاً للقتال، ولكن بينهما نسبة العموم والخصوص، أي عموم من وجه، وخصوص من وجه. فليس كل جهاد قتالاً وليس كل قتالٍ جهاداً ولكن وباختصار قد يكون القتال أحد أفراد كلي الجهاد، إذ باستقراء النصوص الشرعية، يتضح أن الجهاد يشمل  كل القربات: فبر الوالدين جهاد "ففيهما فجاهد"، وطاعة الله تعالى جهاد، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داوود في سننه عن فضالة بن عبيد أن رسول الله قال: "والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله وجل". 
    وقد جاء في حديث ضعيف رواه البيهقي عن جابر أنه عند عودته من آخر غزوة تبوك قال: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". وفسره بمجاهدة الهوى.  
    وقد عرف ابن تيمية الجهاد بقوله: هو شامل لأنواع العبادات الظاهرة والباطنة، ومنها: محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر، والزهد، وذكر الله تعالى ومنه ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، ومنه ما هو بالدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة والمال". 
     وقسم ابن خلدون الحرب إلى أربعة أنواع  وذلك حسب دوافعها قائلا: إن أصل جميع الحروب إرادة الانتقام، نوعان منها حروب بغي وفتنة: حرب المنافسة (التوسع)، وحرب العدوان التي تقوم بها الأمم المتوحشة. ونوعان عادلان: حربٌ غضبٌ لله تعالى ودينه وهي جهاد، وحرب على الخارجين عن السلطان- وهي حرب للعناية بالمُلك كما سماها- 
    والحربان العادلتان لا يقوم بهما إلا الإمام، أي: الحاكم، فمن يحارب الدولة المعتدية في الخارج ويُجَيش الجيوش، ومن يحارب البغاة في الداخل هو الحاكم، كما يقول القرافي المالكي في فروقه، وهو يتحدث عن تصرفاته، ملاحظا أن هذا النوع من التصرفات لا يجوز للأفراد أن يتعاطوه وإنما يقوم به الحاكم. 
      فالجهاد "القتال"هو دفاع عن حرية المعتقد أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ  وهو دفاع عن المستضعفين وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا، وهو رد للعدوان وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ.
    وأصل العلاقة مع غير المسلمين السلم والجهاد في أصل تشريعه هو البحث عن "السلم الدائم" ولهذا طلب من جميع المؤمنين أن يدخلوا في السلم يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ، وطلب منهم عندما يرون أي بادرة للسلم أن يقبلوها، وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ.
    كان كل ذلك في ظروف لا معاهدات فيها تجمع العالم ولا ميثاق، ولا توجد فيها وسيلة لإبلاغ الدعوة إلا بإسناد حربي، ولا توجد فيها حدود إلا بالقوة أو بعد المسافة ولا توجد فيها أسلحة إبادة شاملة. 
    وقد تغيرت كل هذه المعطيات، فهل يمكن أن يدعو مسلم يفهم نصوص الشريعة ومقاصدها إلى القيام بغزو الأمم؟ إلا أن يكون مُختل العقل جاهلاً بِحقائق الإسلام وواقع العالم. 
     إن مفهوم الجهاد في الأصل كان من أجل السلم والرحمة، وأن المفهوم اليوم قد يستعمله أشخاص في غير محله وخلافاً لأصله فيفسدون في الأرض فساداً كبيراً  لا يرضاه شرع ولا عقل.  
     2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتصرف الأفراد 
    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ من مبادئ نشر السلم في المجتمع المسلم، الذي لم يكن في أيامه ولا أيام خلفائه يعتمد على شرطة منظمة؛ ولكن يعتمد على ضمائر الناس وتعاونهم وتضامنهم، لحفظ النظام العام. قال تعالى: وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ، واستمر هذا الأمر ملزماً لهذه الأمة محاطة بالأسباب والشروط والموانع. 
    وهنا أيضاً توجد مشكلة قيام بعض الطوائف بممارسة العنف الجسدي في تغيير ما تعتبره منكرا، غير ملتزمة بالضوابط الشرعية ولا بتحقيق المناط. يقول ابن القيم: فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى أن يزول ويخلفه ضده، والثانية: أن يقلّ وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه، فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة. 
    قال القاضي عبد الجبار في المغني: وقد اتصل بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكلام على الإمامة، ووجه اتصاله بهذا الباب أن أكثر ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقوم بها إلا الأئمة. 
    وفي حديث ابن عباس جاء رجل الى النبي، : فقال: كيف آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ولا تأخذني في الله لومة لائم؟. فقال: ليس ذلك إليك إنما إلى السلطان". ذكره أبو يعلى وابن الفراء. 
    فما تقدم محمول على قضايا يقتضي الإنكار فيها استعمال قوة ليست من صلاحية الأفراد أو يؤدي إنكارهم الى فتنة، وإلا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طبقاً لعموم الآيات والأحاديث، يسوغ لكل من فيه أهليته بشروطه الخمسة ومراتبه الثلاث، ودرجاته الأربع، وإهمال كل هذه الترتيبات والتراتبية يدل على خلل في إدراك المفهوم، وفي تنزيله على الواقع فينقلب من حفيظ للسلم الى مثير للفتنة. 
     3- تطبيق الحدود والتعزيزات الشرعية 
    من البديهي أن أوامر الشريعة لازمة التنفيذ، وأن كل ما يأمر به الله تعالى هو حق وعدل الى يوم القيامة، ولكن الإشكال هو في مفهوم تطبيق الحدود هل هو: أمر كالصلاة يتعلق بكل فرد ليقوم به بشروطه، أو كالصلاة على الميت تقوم به الجماعة، أو أنه نوع آخر من الواجبات له ضوابطه الشرعية لا يقوم به إلا الحاكم. 
    ولإيضاح ذلك نقول: إن القضايا الشرعية منها ما يتعلق أمر الشرع فيها بالأشخاص الطبيعيين، ويسمى بفرض العين، وعبروا عنه بأنه: ما تخص مصلحته الفاعل. وفيها (ما يتعلق بالمجتمع) ويسمى بفروض الكفاية، وعبّروا عنه بأنه: ما مصلحته تحصل بمجرد وقوعه، بغض النظر عمن قام به. وهذا ينقسم الى: ما يجوز لعامة الناس أن يقوم به كالصلاة على الجنائز، وتعلم العلم الزائد على فرض العين. ومنها ما لا يجوز للعامة أن يقوموا به، وهو الأحكام السلطانية، كإقامة الحدود والتعزيرات وإعلان الحرب والسلام بين الأمم، ومختلف التدابير العائدة على المجتمع بالفائدة؛ كنصب القضاة وتعيين الموظفين لجباية المال إذا وجد السلطان. 
    يقول إمام الحرمين: والتعزيزات آيلة إلى الإمام ومن ينوب عنه. وقال عن الشافعي: إن شاء الإمام عفا عنها، وإن شاء أقامها، حسبما يراه من المصلحة.- هذا معنى كلامه فليراجع في الغياثي. 
    ويقول عن الحدود: إن أمرها يرجع الى الإمام أيضاً، ولكن من المقرر أن ليس له الخيرة في إقامتها أو عدمه. 
    وهنا ننبه على مفهوم تطبيق الشريعة لنقول: إن المسلم عليه أن يتابع الشريعة، وأن لا يعدل عنها ولا يحيد، إذا ثبتت ورودا ودلالة؛ قال تعالى: ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ، وقال تبارك اسمه وتعالى جده وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ. 
    ولكن كيف يكون الإتباع؟ للإجابة عنه، فلنقل ما هي الشريعة؟ مع طي الأقوال والآراء الكثيرة حول المفهوم لغة واصطلاحاً. 
    نقول: إنها الإيمان " الاعتقاد"، وإنها الأحكام "العملية". 
    - دليل الأول: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ.
     - ودليل الثاني:  لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ ، فالشرعة الخاصة هي الأحكام العملية، ولهذا فإن المستوى الأول يدخل في دائرة الإيمان بكل ثابت، وهو تصديق الرسول  في كل ما ثبت عنه ثبوتاً قطعياً بدلالة قطعية، ونعني بالثبوت القطعي، أن يكون قرآناً أو حديثاً متواتراً سالماً من معارض قوي. ونعني بالدلالة القطعية أن يكون مفسراً عند الحنفية أو نصاً في مصطلح الجمهور لا يقبل التأويل. 
    أما المستوى الثاني: فهو الأحكام العملية، المحاطة بخطاب الوضع أسباباً وشروطاً وموانع، متفاعلة بأحكام التكليف. فهذه لا ينشأ عن عدم القيام بها خروج عن الملة إذا لم يقترن بإنكار أو جحد لقاطع كما عليه المحققون من علماء السلف والخلف. 
    ولهذا فإن تطبيق الحدود يدخل في الدائرة الثانية، إلا إذا خرجت من دائرة العمل إلى دائرة الاعتقاد، فكيف يحقق المناط في هذه المسألة درءاً للتكفير وإبعاداً لشبح الفتنة، بل وتجنباً للإثم؛ إذا صحت الأعمال وصلحت النيات.  
    إن من أفضل من تناول هذا الموضوع ابن القيم في"إعلام الموقعين" تحت عنوان: اختلاف الفتوى باختلاف المكان والزمان، فالمكان أرض العدو التي جعلها مناطاً لتأخير الحد أو تعطيله، واستدل عليه بالسنة وعمل الصحابة والإجماع والقياس. 
    أما السنة فحديث بسر ابن أبي أرطاة: " أن النبي نهى أن تقطع الأيدي في الغزو". 
    يقول ابن القيم: فهذا حد من حدود الله، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق لصاحبه بالمشركين حمية وغضباً، كما قال عمر، وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم. وقد نص أحمد، وإسحاق والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو. وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يُقام الحد على مسلم في أرض العدو. 
    قلت: ويؤخذ من هذا أن الحاكم الراعي لمصالح الدنيا والدين في مقام التنزيل يجوز له أن يعلق الحد أو القصاص إذا ترتبت عليهما مفسدة أعظم كما فعل عمر رضي الله عنه عام الرمادة في تعليق حد السرقة، وقال في غلمان حاطب بن أبي بلتعة الذين سرقوا: لولا أنكم تجيعونهم لأقمت عليهم الحد، وغرم حاطبا القيمة مضاعفة كما أوقف نفي المحكوم عليه في جريمة أخلاقية خوفاً من التحاقه بدار الكفر، وكذلك أجل علي رضي الله عنه القصاص لانتظار اجتماع الكلمة، وألغى سعد عقوبة شرب الخمر عن أبي محجن الثقفي. 
    والسؤال الذي نطرحه اليوم هو سؤال عن الواقع، ما هي درجة القلق في الكثير من البلاد المسلمة؟ وما هو استعداد الأفراد لقبول إيقاع العقوبة البدنية عليهم، وكيف يتأثر ولاؤهم للدين؟ وهل سيلتحقون بغير المسلمين؟.  
    وهل أوضاع بعض بلاد المسلمين تمثل شبهة لدرء الحدود بالشبهات؟ بناء على تشوف الشارع لدرئها كما في الحديث الذي رواه الحاكم، "ادرؤوا الحدود ما استطعتم" وحديث الذي قال: يا رسول الله إني أصبت حداً فاقم فيَّ كتاب الله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: يا نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال حدك". 
    وأحاديث الستر على النفس والستر على الغير" ياهزال لو كنت سترته عليه بثوبك لكان خيراً لك مما صنعت".
    وفي رسالة عمر بن عبد العزيز لبعض ولاته يأمر بالرجوع إليه في الصلب والقطع" رضي الله عنه " تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وفي رسالة أخرى: "ادرؤوا الحدود ما استطعتم بالشبهات، ولئن تَخطئ في العفو خير من أن تجاوز في العقوبة" .
    وختاماً: فإن وجوب إقامة الحدود في الظروف الاعتيادية لا غبار عليه، والاعتراف به والإقرار يدخل في دائرة الإيمان. أما إيقاعها على الناس فيدخل في دائرة العمل، والذي يقدر ذلك هو الحاكم يقول الشيخ تقي الدين ابن تيمية:  وقدر أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد. ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين  و"القدرة" هي السلطان، فلهذا: وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه. وقال أيضا: وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة. 
    وليس المراد من هذا أن نجامل الواقع لنعذر الحاكم أو المحكوم ولا نتجاهل الواقع لنُعذر.   فالمطلوب تحقيق المناط من الجهات المسؤولة المؤتمنة على البلاد والعباد، وليس بالضرورة أن يكون الفقيه، الذي لا يعرف جلية الأمر، ولا مآلات الأفعال ولا الإشكالات الداخلية، التي تقترب من الحرب الأهلية ولا التدخلات الخارجية التي أصبحت جزءاً من المعادلة في القرارات الوطنية. مع الإشارة إلى قاعدة "لا يسقط الميسور بسقوط المعسور"، ودليلها فاتقوا ما استطعتم"  ومعنى ذلك عملياً: - أن لا يعرو المحلُ عن عقوبة، لأن  الكلي العام هو العقوبة فلا يترك ما يمكن منه. 
    مسألة هامة على الجهات الولائية أن تحقق المناط فيها، وليس المفتي ولا الفقيه، الذي لا صلاحية له في تحقيق المناط في بعض القضايا، التي لا يدرك حقائقها ولا يتوقع مآلاتها. حتى لا يصبح تنزيل مفهوم تطبيق الأحكام الذي شرع من أجل السلم طريقاً إلى العنف والاحتراب؛ لأن بناء المفهوم لم يكن صحيحاً بل كان يتجاهل الشروط الموضوعية والواقع الزمني والإنساني، وهي عوامل تدخل في صياغة المفهوم شرعاً. 
    وبالجملة فإن تحقيق المناط إنما هو في بعض توجهاته تغليب لكلي قد يخفى في مقابل جزئي قد يكون أكثر ظهوراً بالنسبة للمتعاطي. وقد يكون موازنة بين مصلحة ومفسدة أو بين مصلحتين أو مفسدتين، وقد يسمى هذا النوع بارتكاب أخف الضررين أو اعتماد أصلح المصلحتين، أو درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. تلك الموازنات تدخل في تحقيق المناط، 
     قال الزقاق: 
    أخف مكروهين أو حظرين *** إن لم يكن بد كفي الضرين
                                                             قَدِّم،،،،،،
     4- الديمقراطية والحداثة 
      الديمقراطية أفضل السيئ - كما يقول بعض الغربيين- لا أحتاج إلى شرح مآثرها ومثالبها، إلا أن السؤال هو: هل التناقضات الجذرية بمعنى انعدام أرضية مشتركة يمكن أم تحل بطريقة الديمقراطية الغربية بعد تجربة حروب أهلكت ملايين البشرية؟ أم المفروض البحث عن مقاربات أخرى؟. 
    لا بد من علماء من مختلف الطوائف تتبنى فكر السلام الذي يرفض المغالبة والإقصاء وديمومة الخصام، ومن دون إلغاء فكرة الديمقراطية الغربية، التي تقوم على حكم الصوت الواحد، لكل فرد في البيئات المتهيئة لها، فإنه لا بد من إرفاقها بسلسلة من ضمانات السلام، لتكون عاملاً من عوامل السلام، وليست مفجراً وحافزاَ للحرب والخصام، والبحث الجاد عن عوامل العيش المشترك وتنمية المشتركات. 
    لقد قالوا عن الديموقراطية  كثيراً وثناء جميلا ومنه: إن الديمقراطية هي النظام الذي يعترف بالأفراد والجماعات بوصفهم ذواتاً، أي النظام الذي يحميهم. والديمقراطية تتحدد على نحو أوضح، بالأعداء الذين تقارعهم أكثر مما تتحدد بالمبادئ التي تدافع عنها. 
    ينبغي تجديد الديمقراطية لا بوصفها تغلُّب الجامع والشامل على الخصوصيات، بل بوصفها مجمل الضمانات المؤسساتية التي تتيح الجمع بين وحدة العقل الوسائلي وبين تنوع الذكريات، الجمع بين التبادل والحرية، فالديمقراطية هي سياسة الاعتراف بالآخر. 
    هذا أفضل ما يقال عنها إلا أن بعضهم يقول –الفيلسوف الفرنسي آلان باديو- : والحقيقة أن الديمقراطية لم تستطع أن تخفف حدة العنف داخل المجتمعات الغربية إلا بواسطة تحويل هذا العنف الى الخارج. 
    واستشهد على ذلك بحروب الغربيين في العالم ليقول: إنها كذبة أن نقول: إنه بفضل الديمقراطيات نحن نعيش في عالم بلا عنف، الديمقراطية لم تنه العنف بل صدرته إلى الخارج، لأنه إذا كانت ساحة ديمقراطية خاضعة للرأسمالية تريد البقاء عليها أن تكون ساحة رخاء نسبي. 
    ويقول الفيلسوف الألماني ليو ستراوس: إن الديمقراطية هي " استبداد العدد الأكبر"، وفعلاً فإنك ترى الأكثرية ولو كانت بنسبة قليلة من الأصوات المعبر عنها تستأثر بالحكم والثورة، والأقلية محرومة ومضطهدة وقد يدوم ذلك وقتاً طويلاً، حيث يستعمل الحزب الحاكم كل الوسائل للبقاء في الحكم. 
    ألا يحق لنا أن نوجد نظاماً مستوحى من مبدأ الشورى ومقصد العدالة الأعلى لإيجاد حل أفضل؟. ونعني بالديمقراطية والشورى، حقيقة النظامين لا الصور المزيفة والمنافقة، كتلك الانتخابات التي تمثل ديمقراطية الواجهة في بعض النظم العربية.  
    لا بد من البحث عن مقاربات كالشفافية الكاملة وحسن النية والعلانية، بمعنى أن أي طرف لا يريد استغلال انتصاراته لإنزال الأضرار المادية  أو المعنوية الدينية أو الدنيوية بأي طرف في الوطن، فلا استئثار ولا أثرة مع كل ضمانات العيش المشترك والتوافقات والتنازلات المتبادلة والبعد عن روح الانتقام، وادعاء تمثيل الحقيقة، وتقمص رداء الحق المطلق، والتمثيل التاريخي أو الزمني أو الديني للوطن، والوصول الى ميثاق عملي. 
    أما البيئات التي لم تكن أصلا مهيأة للديمقراطية، فقد تكون الديمقراطية فيها دعوة الى الحرب، لكن العدالة بمفهومها الإسلامي – المحافظة على الكليات الخمس والأمن من الظلم والحيف، وتنمية مكارم الأخلاق والسلم الروحي والمجتمعي، والاهتمام بتحسين طرق العيش والكرامة - هي الأسس التي يجب أن يُبحث عنها هناك اليوم، علما أن التكلفة البشرية والمادية للديمقراطية في مجتمع ليست له أرضية مشتركة قد تكون باهظة، وشريعتنا حريصة كل الحرص على صون الدماء، والمحافظة على قدر كبير من الوئام والصفاء. ولهذا فإن الإصلاح بدلاً من الثورة هو السبيل الأمثل والمنهج الأفضل، لأن الثورة تدمير بلا أفق وتدمير الإنسان ليس كتدمير البنيان، ذلك ما يقوله التاريخ. لهذا فمصطلح الإصلاح قد يكون أسعد لأنه مصطلح مألوف في الثقافة العربية الإسلامية. 
    فمفهوم الديمقراطية – التي يجب أن لا تكون ديانة - يجب أن يتم التعامل معه بتحفظ، كما أن مفهوم الحداثة هو الآخر يحتاج الى مراجعة، فالحداثة لا تعني التغريب والتحلل من الأخلاق، بل تعني أن نتمسك بثوابت الأصل، ونتواصل مع العصر في انسجام وتزاوج دون خصومة وصدام. 
     5- الطاعة 
    إن الطاعة التي يقررها العلماء – بناء على أحاديث صحيحة وآثار ثابتة وقواعد ومقاصد معروفة، أهمها، سد الذرائع وتجنب الفتن وسفك الدماء وضمان السلم واستمرار الاستقرار وتحصيل المصالح وتقليل المفاسد - يجب أن لا تُفهم على أنها استسلام للظلم من خلال الدعوة الى السلم، بل إنها التماس للعدل من طرق أقل ظلماً وأقرب رحماً، فالطاعة قد تكون تنفيذاً للقانون وهذه لا خلاف فيها، وقد تكون من باب التنازل عن حق ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ  الذي هو موقف أخلاقي قوي، وليس انهزاما يجعل الآخر في مواجهته، يراجع حساباته ويتراجع لشعوره بالنقص أمام الكمال والفضيلة، ليكون في النهاية ولياً حميماً للمتحلي بها، الذي سينال إعجاب الآخرين لأنه فعل ما لم تتوقعه النفوس الضعيفة الميالة إلى الانتقام. 
    إنه موقف متسام، موقف شريف ومقام منيف، هو مقام الأنبياء والأولياء. ولكنه أيضاً بحث عن طرق أكثر نجاعة في إصلاح الظالم، الذي يُنظر اليه بشفقة لأنه ضحية للأهواء. وهكذا فإن نظرية الإصلاح تتغلب على نظرية الجماح؛ إن من يسخر من الحديث عن الطاعة لم يدرك خمسة أمور: 
    - أولها: النصوص الواردة في ذلك، وأكثرها في صحيح مسلم، والذي بنوا عليه اتفاقهم الذي حكاه الحافظ ابن حجر وغيره. 
    - ثانياً: المقصد والغاية، وهو المنع من إراقة الدماء، وتعظيم حرمتها في الإسلام. 
    - ثالثاً: المحافظة على الجماعة، التي تربو مصلحتها على دفع المفسدة التي يراد تجنبها، كما قال هارون لأخيه موسى عليهما السلام إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي. 
    - رابعاً: المآلات المجهولة للفتن إذا نشبت. 
    - خامساً: الأمل في إصلاح الأمور في السلم أكثر من احتمال إصلاحها بالحرب والخصومة. إن الطاعة لها معنيان: معنى الامتثال وهي التي لا تكون إلا في المعروف، ومعنى الاحتمال وهذه بدون قيد إلا الكفر البواح. وهي: عدم الخروج المسلح من باب تسمية اللازم باسم الملزوم.. 
    ليست هذه مرافعة عن الظلم والجور، إنما هي مرافعة ضد المزيد من الظلم، فيصير المظلوم ظالماً إن لم يكن لغيره فإنه ظالم لنفسه. إن البيئات المتشنجة يجب أن تعالج الأمور فيها بالهدوء والتراضي، لهذا كانت الوصية النبوية "لا تغضب". 
     6- مفهوم الولاء والبراء 
    هو من المفاهيم التكفيرية الرائجة، ذلك أن الذين يعتمدون على هذا المفهوم لا يكلفون أنفسهم البحث عن مضمون هذا المفهوم ولا قيوده ولا بنوده، ولا يجمعون بين النصوص، بل لا يذكرون النصوص الداعية الى البر بالآخر، لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ، ولا تقسيم العلماء لمراتب الولاء كالفخر الرازي في تفسيره، وابن العربي المالكي في أحكامه، فأرهقوا الأمة وحرفوا هذا المفهوم الذي كان عاملاً للسلم؛ لأنه كان ولاء للدين وبالتالي فهو للوطن ليصبح طارداً وإقصائياً. قال الإمام أحمد: الولاية بدعة والبراءة بدعة فاحذروا منه، كما في رواية الأصطخري. وقد شرحنا ذلك في كتابنا "صناعة الفتوى وفقه الأقليات
    ".
    رابعا- فقه السلم وقيمه
    بقدر ما يكون المجتمع متمسكاً بقيم أخلاقية مشتركة يكون انسجامه وتعاونه وإيجابيته في الحياة، وبقدر ما لا يتبنى قيماً – بحيث يتجرد  من أي نظرية متسامية الى الحياة- تتدهور علاقته مع الآخر؛ لأنه لن يهتم إلا بمصلحته، أو يتبنى قيماً سلبية تقوم على المطلق بلا حدود في التصرف ليتصور – من حيث لا يدري- هو ذاته المطلق، فلا مقيدات النصوص تقيده، ولا مخصصات العموم تخصصه، ولا مقتضيات المصالح والمفاسد وكليات المقاصد والقواعد تسدده، فيشن الحروب بلا ضوابط، وهذا ما تمثله الأصولية مهما كانت الديانة التي تتدثر بردائها، والمعتقدات التي تتسربل بكسائها، ويتمظهر في منظمات العنف، وتيارات العدوان والعنصرية. أما قيم العقل والعدل والاعتدال والوسطية، فهي التي تحيي الإنسانية وتبث روح المحبة. يجب إحياء قيم المصالحة والمسامحة وليس قيم المغالبة والمضاربة، قيم السلام والوئام بدلاً من الخصومة والصدام. 
    إن قيم الصراع والنزاع ليست قيماً إسلامية ولو حاول البعض أن يكسوها لباس التقوى، إنها قيم غربية هيجلية، فهيجل هو الذي كان يرى أن التدمير هو أساس التعمير- الكلمة المترجمة من الألمانية الى الفرنسية- وأن المجتمع لا يقوم إلا على صراع العبد والسيد. 
    أما قيمنا فتقول إن بناء الثقة في النفوس والمحبة في القلوب هو الأصل، فقد ترك عليه الصلاة والسلام الكعبة ولم يهدمها لكي يبنيها على قواعد إبراهيم كما كان يود تأليفاً لقريش. ولما أراد الخليفة العباسي هدمها وبناءها على مقام ابراهيم نهاه مالك رحمه الله قائلاً: لا تجعل هذا البيت لعبة للأمراء، ولم يهدم وخلفاؤه كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار- والكلام لابن القيم-، ولما ولي الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز الخلافة وقد قل الفقه كتب الى ولاته: لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار. فالتدمير ليس قيمة إسلامية وإنما هي قيمة ناشئة عن جهل وتعصب غير محمود. 
    ولعل مثل السفينة يمثل حالة المجتمع المتضامن: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً".

    فما هي إذاً هذه القيم؟
    1- التعاون والتضامن: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ.
    2- إصلاح ذات البين: وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ.
    3- الأخوة الإنسانية والتعارف: يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ  ، هو أصل العلاقة وليس التغالب كما في الجدلية الهيغلية التي تقوم على المغالبة الدائمة بناء على ما سماه نظرية "السيد والعبد". 
    4- الحكمة: وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ .
    5- المصلحة: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ  .
    6- العدل: إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ .
    7- الرحمة: وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ  .
    8- الصبر: إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ  .
    9- قيمة التسامح الذي يعني اتساع الصدر والتماس العذر ومعرفة مراتب النهي والأمر. فاتساع الصدر يعني قبول ظاهرة الاختلاف، وفي وصايا المقري: تعلم الخلاف يتسع صدرك، فإذا عرف اختلاف العلماء وتباين مداركهم وتفاوت آرائهم اتسع صدره. 
    وإذا تعامل معه غير باحث عن الظهور والغلبة، ولكن عن الحقيقة غير مستعمل الوسائل اللفظية النابية متواضعا غير متعال ولا متعالم. ولعلنا هنا نذكر أنموذج الشافعي رضي الله عنه، قال يونس الصدفي: "ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة"، وقال: ما ناظرت أحداً إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإذا كان الحق معه اتبعته. 
      ومعنى قبول العذر أن لا تحمل من يخالفك على أنه كاذب، بل تحمله على محمل مقبول، كما في حكاية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مع ابن عمر رضي الله عنهما: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن ولكنه لعله أخطأ أو نسي".  "ما عبر الجسر أعلم من إسحاق، وإن كنا نختلف فما زال الناس يختلفون"، كما قال أحمد بن حنبل رحمه الله، أما معرفة مراتب النهي والأمر فهي أن تعرف أن النهي مراتب في الشرع، منه الحرام والكراهة، وأن تعرف أن المنكر مراتب، والأمر مراتب بالمعنيين السابقين كما أسلفنا.  
    10- قيمة الحب:  الحب قيمة، وهو محبة الخير للآخرين.  وهو محبة الله تعالى الذي هو أصل النعم، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي جعله مظهر الرحمة والكرم، ومحبة الناس الذين هم مجال الابتلاء، وفي الحديث "أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه"،  وفي رواية : "أن يحب للناس ما يحب لنفسه". 
    11- قيمة الحوار: وقد رسخ المسلمون هذه القيمة من خلال ما يعرف بآداب المناظرة. اذا لم ترسخ ثقافة الحوار فقد يصبح المجتمع أنانيا ينغلق فيه الأفراد والجماعات، كُلُّ حِزۡبِۢ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ  ، ويصدق فيه الحديث النبوي: "اذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك واترك أمر العامة".  
    12- قيمة الوسطية: وهي تمثل نوعاً من النسبية، التي هي سنة من سنن الكون والحياة، الوسطية في السلوك، الوسطية العلمية بين الظاهرية الحرفية والتأويلية المحرفة، إنها الاعتدال كما سماها الشاطبي.
    خامسا:  مسألة التكفير وفوضى الفتوى في زمن الفتنة
    لا بد من الإشارة الى عاملين من عوامل التحريض على الفتنة هما: فشو التكفير، وفوضى الفتوى. 
    إن التكفير هو إصدار حكم شرعي على شخص، أو جماعة بالكفر سواء كان أصليا أو حادثاً، وقد حذر منه سبحانه وتعالى فقال: وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا 
    .
    وفي الأحاديث الصحيحة النهي الشديد والوعيد لمن يرمي غيره بالكفر، فقد روى البخاري وأحمد: "من رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله":إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". والأحاديث بمثل هذا المعنى كثيرة، وما ذلك إلا لما يستلزمه الكفر من النتائج الخطيرة التي من جملتها إباحة الدم، والمال، وفسخ عصمة الزوجية، وامتناع التوارث، وعدم الصلاة عليه، ومنع دفنه في مقابر المسلمين، وغيرهما من البلايا والرزايا نعوذ بالله منها. 
    هذا وقد اختلف العلماء في مسائل التكفير وتبادلت الطوائف تهمته بحق أو بغير حق، إلا أنه بسبب ما ورد فيه من الوعيد حذر أشد التحذير من التكفير جماعة من  العلماء حتى قال الإمام السبكي: "ما دام الإنسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فتكفيره صعب". 
    وقد بالغ الإمام أبو حامد الغزالي حتى نفى الكفر عن كل الطوائف فقال: هؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد، والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين الى القبلة المصرحين بالتوحيد خطأ. 
    وفي جامع الفصوليين روى الطحاوي عن أصحابنا: "لا يخرج الرجل من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه، ثم ما تيقن أنه ردة يحكم بها، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها؛ إذا الإسلام الثابت لا يزول بالشك، مع أن الإسلام يعلو وينبغي للعالم إذا رُفع اليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام مع أنه يقضي بصحة الإسلام المكره". 
    وفي الفتاوى الصغرى:"الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدت رواية أنه لا يكفر". 
    وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه، فعلى المفتي أن يميل الى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم، زاد في البزازية: إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل، وفي التتار خانية: لا يكفر بالمحتمل؛ لأن الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية والاحتمال لا نهاية معه". 
      وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في الفتاوى: وأجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أن ليس كل من قال قولا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفاً للسنة، فتكفير كل مخطئ خلاف الإجماع، لكن للناس نزاع في مسائل التكفير قد بسطت في غير هذا الموضع-والمقصود هنا- أن ليس لكل من الطوائف المنتسبين الى شيخ من الشيوخ أو لإمام من الأئمة أن يكفروا من عداهم، بل في الصحيح عن النبي أنه قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". 
    وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري عن النبي قال: إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة، لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقاً أدخل الله بها الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت ماله ودمه ولقي الله غداً فحاسبه". 
    فلا بد من التفكير في مشكلة التكفير، إن أهم قضية يجب أن يتداول حولها العلماء والمفكرون هي مسألة التكفير المتبادل؛ لأن التكفير هو مفتاح الشرور، لأنه مدخل استباحة الدماء والأموال والأعراض، وأي وطن ينتشر فيه داء التكفير فإن جسد وحدته سيتلاشى، وجدار بنيته سيتداعى وينهار. 
    الجسد والبنيان هما مثالان للمجتمع المتماسك في الإسلام:" مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وشبّك بين أصابعه. 
    وعندما نحذر من التكفير فإن هذا لا يعني أن غير المسلمين تستباح دماؤهم وممتلكاتهم؛ بل إنّ كل النفوس مصونة ولا يحق لأحد أن يعتدي عليها، وكلما ورد مما يفهم منه خلاف ذلك فهو متعلق بالرد على العدوان والإجرام ويستوي في ذلك المسلم وغير المسلم
    .
    سادسا: مسألة الفتوى في زمن الفتنة
    والفتيا اصطلاحاً: "تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه". قال القرافي: إنها إخبار عن الله تعالى، فالمفتي كالمترجم، وعرفها الزقاق في المنهج بعد تعريف الحكم: 
    ..........................        ورَسْمُهَا: إخبار من قد عرفا
           بــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأنه أهلٌ بحكمٍ شُرِعا     والحكم وهي في ســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــواه
    فالفتوى لها شأن عظيم في الإسلام، فهي خلافة للنبي في وظيفة من وظائفه في البيان عن الله تعالى، فبقدر شرفها وأجرها يكون خطرها ووزرها لمن يتولاها بغير علم، ولهذا ورد الوعيد، ففي حديث الدرامي عن عبيدالله بن جعفر مرسلا:"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار". 
          ولعظيم خطرها ضمّن العلماء غير المجتهد إن انتصب؛ أي ضامنا لما أتلفه من نفس ومال. قال الزرقاني في شرحه لخليل: لا شيء على مجتهد أتلف شيئاً بفتواه، ويضمن غيره إن انتصب، وإلا فقولان، وأغلظ الحاكم على غير المجتهد، وإن أدبه فأهل، إلا أن يكون تقدم له اشتغال فيسقط عنه الأدب وينهى عن الفتوى إذا لم يكن أهلاً. 
      قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم "المفتين" كما فعل بنو أمية وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس الى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟. 
    أما البيئة التي تتجلى فيها هذه الأحكام، فهي الواقع الذي بفهمه وفقهه واستنباط حقيقته؛-حسب عبارة ابن القيم- يتهيأ المحل لتنزيل الحكم. فالواقع هو الأرضية بالتعبير المعاصر لتحقيق المناط. 
    ولأن الواقع هو مرآة المصالح والمنافع التي تجلب، والمفاسد والمضار التي تدرأ، فهو إذاً البيئة الحقيقية باعتبار ذلك المقصد الأعلى الذي تذود الشريعة عن حياضه وترد إليه المقاصد. 
    إن إهمال هذه المنهجية إفراطاً أو تفريطاً أو الإخلال بها يؤدي الى أخلال كبيرة، توقع أحياناً في تضييق شديد وحرج لعدم اقتدار المتعاطي على فتح الأبواب وولوج السُّبل الموصلة الى مقاصد الشرع والميسرة على الخلق، وفي الوقت نفسه المنضبطة بضوابط الاستنباط. 
    ولهذا فيمكن ترتيب قضايا الإفتاء في ثلاث درجات هي : أ، ب، ج. 
    ففي"أ" القضايا المعروفة التي يحتاجها الفرد كل فرد ويعلمها أكثر الناس لأنها مما علم من الدين ضرورة كالصلاة والصوم. 
    وفي "ب" القضايا المستجدة كقضايا المعاملات المعقدة والشركات وغيرها من القضايا الجديدة، وهذه تفتي فيها لجان متخصصة. 
    وقضايا "ج" وهي قضايا فروض الكفايات وبخاصة السلطانية عند الفقهاء: كقضايا الجهاد والحرب والسلم وأنظمة الحكم. وهذه لا يفتي فيها إلا المجامع الفقهية أو الجهات الرسمية المكلفة من قبل الدول المعنية بالفتوى لما قد يترتب على ذلك من المفاسد وتهديد السلم في المجتمعات المختلفة
    .
    الكلمة التأطيرية
  • بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
    البيان الختامي للملتقى الأول لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة
    أبو ظبي 07- 08 جمادى الأولى 1435 هـ/  09- 10 مارس 2014 م
    بناء على حالة الاضطراب والاحتراب التي تسود مجتمعات كثيرة من الأمة الإسلامية وما تخلفه كل يوم بل وكل ساعة من دماء وأشلاء ؛ فلا يعرف القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم سفك دمه؛ حتى صار دم الإنسان المكرم في سائر الملل أهون شيء في واقعنا ، وصار الإرهاب تهمة ملازمة للإسلام والمسلمين. 
    ونظرا لاتساع نطاق استباحة حرمة الأنفس والأعراض والأموال في الأمة، وفداحة مخلفاته على أمنها النفسي والاجتماعي، واستنزافه لطاقاتها البشرية والاقتصادية؛ مع غياب أي بصيص لنور الفرج -بموازين الأسباب البشرية- في آخر هذا النفق المظلم. 
    واعتبارا لنذر بدأت تلوح في الأفق باحتمال تفتيت جسم الأمة وإعادة تقسيمها من جديد على أساس تجزيء المجزأ وتقسيم المقسم؛ والعهد بذلك قريب في أطراف منها؛ مع كثرة الطامعين والمتربصين وقابلية الأطراف المتصارعة إلى الاستقواء بمن يعينها ولو على حساب مصلحة الأمة ومصيرها. 
    وتقديرا لكون خفض حرارة جسم الأمة تفاديا لانفجارها أضحى واجبا شرعيا لا يحتمل التأجيل، وأن ما تحتاجه الآن هو أن يقوم فيها إطفائيون، لا يسألون عمن أوقد الحرائق؛ بل همهم الوحيد كيف يكون إطفاؤها؛ حتى يتعافى جسد الأمة مما يهيضه ويرهقه. وإلا فإن تنازع البقاء يؤدي إلى الفناء.
    ولما كان داء الأمة الذي يهددها بالانفجار اليوم هو غياب السلم؛ مع أن نعمة السلم تضافرت نصوص الشريعة الثابتة، وقواعدها الراسخة على كونها مقصدا أعلى، وتواترت الأخبار على أن تحقيقها كان محور الممارسات النبوية، ومجال تأصيلات أئمة الأمة الإسلامية.
    وإدراكا لحقيقة أنه لم تعد هناك قوة في العالم قادرة على فرض السلم على أي مجتمع من المجتمعات إلا إذا تلمس طريقه إلى السلم باقتناع ذاتي من أبنائه ومبادرة جدية ومسؤولة من نخبه وحكمائه وعقلائه.
    ورجاء أن تكون مبادرة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة، ويتشوف أصحابها إلى أن يكونوا من أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض؛ لا بحثا عن خصومات فكرية أو طائفية أو سياسية؛ بل إشفاقا ونصحا للأمة بكل مكوناتها من عواقب ما تقدم تفصيله. 
    واستحضارا للنصوص الشرعية التي تضافرت وتظاهرت على تحذير المسلمين من الاقتتال وسوابقه ولواحقه، وعلى وجوب الإصلاح بينهم طلبا لتحقيق السلم، وعظم قدره في مراتب الأعمال؛ كقوله سبحانه وتعالى ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم – الأنفال 61) وقوله ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا- النساء 94) وقوله ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما- النساء: 114) وقوله (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين- الأنفال: 01) وقوله (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم – آل عمران:104-105)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا : بلى ، قال : إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة؛ لا أقول تحلق الشعر؛ ولكن تحلق الدين"\، وقوله في معرض الثناء عن سبطه الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما " إن ابني هذا سيد؛ ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
    وبدعوة كريمة ورعاية منيفة من سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة ، ورسالة من فضيلة العلامة الشيخ عبد الله بن بيه رئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد، وتعاون وتواصل مع فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب.
    وتحت شعار قوله تعالى ( ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة- البقرة: 208) التأمت في أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة يومي 07- 08 جمادى الأولى 1435هـ/ 09-10 مارس 2014م ثلة من علماء الأمة ومفتيها ومفكريها ووزراء الشؤون الإسلامية ومسؤولي الهيآت العلمية الشرعية فيها في" منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" أول منتدى شرعي علمي حول السلم ينعقد في العالم الإسلامي ليتداولوا الرأي في تشخيص أسباب الأزمة وفي سبل إيقاف نزيف الأمة.
    وقد انتظمت بحوث المنتدى ومناقشاته في أربعة محاور كبرى هي: 
    1-  القيم الإنسانية والعيش المشترك.
    2-  تصحيح المفاهيم.
    3-  الفتوى في زمن الفتن.
    4- إسهام الإسلام في السلم العالمي.
    وعكفت البحوث – التي ناهزت الثلاثين- والمناقشات مسترشدة بكلمة راعي المنتدى سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وكلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، والكلمة التأطيرية للعلامة الشيخ عبد الله بن بيه على تحليل الأصول الفكرية والحالة الثقافية التي أفرزت التلاشي التدريجي لقيم السلم والتعايش في الأمة؛ مع تلمس سبل العلاج بتحرير المفاهيم وتصحيح التصورات بناء على نصوص الشرع ومقاصده وتراث الأمة في تأصيل السلم تنظيرا وتنزيلا ورصيد البشرية وحكمتها في هذا المجال. 
    وقد خلص المنتدى بتوفيق الله عز وجل إلى النتائج والتوصيات التالية:
     
    الـنـتـائـج:

    أولا: في مفهوم السلم المتشوف إليه:
    السلم حالة تسود فيها الطمأنينة النفسية والروحية والسكينة تضمن الكليات الخمس ومكملاتها: المحافظة على الدين، النفس، الأموال، الأعراض، العقول، وتتمظهر في التضامن والتعاون لإيصال النفع إلى الجميع ودرء الضر عن الجميع. وتتجلى في اللغة والسلوك والمعاملة. 
    ثانيا: في الوعي بخطورة الوضع الحالي للأمة:
    1- التحذير من انفجار الأمة، مما يوجب على الجميع التنازل والتحاور تخفيفا لحرارة جسدها.
    2- التشديد على الضرورة الملحة والعاجلة لإعادة ترتيب البيت الإسلامي وإصلاح مكوناته أفرادا وجماعات ومؤسسات.
    3- التأكيد على الحاجة الماسة إلى تقوية المناعة الذاتية للأمة ضد التطرف والعنف الناشئ داخلها كيفما كان اتجاهه ومصدره.
    4- التذكير بأن المسلمين كانوا يواجهون التحديات والتهديدات بتماسكهم الداخلي واعتصامهم بحبل الله جميعا، وأن انخرام الوحدة وتشتت الصفوف وشيوع الكراهية وهدر الأرواح والأموال يزيد المسلمين ضعفا فوق ما هم عليه من ضعف علمي واقتصادي، ويغري بهم الطامعين والمتربصين .
    ثالثا: في المفاهيم صحيحها وسقيمها:
    1- إننا في عصر قيم كبرى تتداول وتوظف لتكون عامل بناء وتشييد أو لتصير معول هدم وتبديد. ومن ثم كان العكوف على تحرير المفاهيم وتصحيحها وإزالة الالتباس عنها مدخلا لا غنى عنه للعلاج.
    2- إن جزءا كبيرا مما تعيشه الأمة اليوم من فتن مرده إلى التباس مفاهيم شرعية لا غبار عليها في أذهان شريحة واسعة من المجتمعات المسلمة كتطبيق الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وطاعة أولي الأمر.....
    3- إنّ المفاهيم المتقدم ذكرها كانت في الأصل سياجاً على السلم وأدوات للحفاظ على الحياة ومظهرا من مظاهر الرحمة الربانية التي جاء بها الإسلام على لسان نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم. فلما فهمت على غير حقيقتها وتشكلت في الأذهان بتصور يختلف عن أصل معناها وصورتها انقلبت إلى ممارسات ضد مقصدها الأصلي وهدفها وغايتها، فتحولت الرحمة إلى عذاب للأمة اكتوى به المذنب والبريء واستوى في إشاعته العالم والجاهل.
    4- إن من أسباب ذلكم الالتباس: 
    أ‌- فك الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع.وبما أن خطاب الوضع هو الأسباب والشروط والموانع التي تكيف تنزيل خطاب التكليف؛ فإن هذا الأخير لا يتصور في الواقع إلا منزلا على خطاب وضع.
    ب‌-  غموض العلاقة بين الوسائل والمقاصد.
    ت‌- ضمور القيم الأربعة التي تقوم عليها الشريعة، وهي: الحكمة والعدل والرحمة والمصلحة.
    5- إن التربية والتعليم هما مستقبل الأمة وأملها لأن ما تكتوي بناره اليوم هو حصيلة تفشي الأمية من جهة وعجز نظمنا  التربوية من جهة ثانية عن إخراج المسلم الذي يبحث عن الحكمة أنى وجدت، ويحمل رسالة الحب لعيال الله، ويوقن أن الرأي قبل شجاعة الشجعان.
    6- إن الوضع الأمثل والأعدل هو حرص أولياء الأمور على قيم العدل والكرامة الإنسانية ما وسعهم ذلك وتفهم النخب العلمية والفكرية والسياسية لإكراهات أولياء الأمور ما وسعهم ذلك لأن هذا أضمن وأبقى وسيلة للسلم.
    7- إنه يلزم التذكير دفعا لأي شكل من أشكال الالتباس بأن سعي المسلمين في بلدانهم لإقامة الدين كله وإصلاح ما فسد من أحوالهم أمر مشروع باق ما بقي التكليف؛ شرط مراعاة ضوابط الشرع نفسه في فقه التنزيل.  
    8-  إن حقوق المسلمين التي أوجبها لهم الشرع أو ضمنتها لهم الدساتير والقوانين هي حقوق ثابتة ما لم تحل دونها أولويات السلم وشروط الشرع نفسه في تحصيل الحقوق. 
    9- إن السلم من أعلى مقاصد الشريعة الإسلامية لكونه ضامنا لحفظ كل المقاصد الضرورية وما يتفرع عنها من مراتب المصالح؛ وهو ما نطقت به نصوص الشرع وشهدت له التصرفات النبوية وسار عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن اقتفى أثرهم من السلف الصالح. ومن ثم فإن الإذعان لأولوية السلم على غيره من المصالح فريضة شرعية قبل أن تكون اعتبارا بالتجارب الإنسانية واستفادة من الحكمة البشرية.
    10- إذا كانت المطالبة بالحق حقا، فإن البحث عن السلام أحق.
    11- إنه لا حقوق بدون سلام: لأن فقدان السلم هو فقدان لكل الحقوق؛ بما فيها الحق في الوجود! فالسلام هو الحق الأول والمقصد الأعلى الذي يحكم على كل جزئيات الحقوق.
    12- إن منظومة السلم: فقهاً وقيماً ومفاهيم، لا تستهدف غمط الحقوق ولكنها تتغيى الوصول إليها بطرق أكثر سدادا ووسائل أقرب رشاداً، أقله أن الوقت الذي يضيع في المحاربة والمغالبة لو استعمل بشكل عقلاني في جو {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ- فصلت:34} لأعطى نتائج باهرة ترضي كل الأطراف؛ وقد تحظى برضا الله سبحانه وتعالى؛ لأنها صانت الدماء والأموال والأعراض وقللت الكراهية وألفت بين القلوب.
    13- إن كل المفاهيم التي يستند عليها في غير حالة الدفاع الشرعي عن النفس لتسويغ مشروعية العنف والاقتتال بين المسلمين كتطبيق الأحكام الشرعية وتغيير المنكر والجهاد وقتال البغاة... مما هو داخل في خطاب التكليف هي مفاهيم ضبطها الشرع نفسه بخطاب الوضع أي بضوابط التنزيل والتطبيق حتى لا تكر على مقصد السلم بالإبطال. فمن أراد تطبيق الشرع فليحذر من فصل خطاب التكليف عن خطاب الوضع. 
    14- إن حسن النية لا يسوغ التوسل إلى الهدف -مهما كان نبيلا- بالاحتراب ونشر البغضاء والشحناء؛ لأن الهدف النبيل يجب أن تكون وسيلته نبيلة، فلا يجوز التذرع بالوسائل السيئة للوصول إلى مقاصد حسنة في اعتقاد المتذرع.  
    15- إن  الإسلام وضع فقهاً متكاملاً لحل النزاعات بالوسائل السلمية العاقلة. تتمثل مفرداته في كتاب الصلح . والصلح مُعَاقَدَةٌ يرتفع بها النِّزَاعُ بين الخصوم، ويُتوصَّل بها إلى الموافقة بين المختلفين.وهو باب عظيم في كل كتب الفقه الإسلامي.
    16- إن المنظومة الحوارية التي اشتمل عليها التراث للوصول إلى نوع من الرضى والتراضي من قبيل الحوار لإبرام "عقد الصلح" وما أحيط به من الضمانات بالإضافة إلى توسيع مجالات توظيفه ليشمل كل ما يمكن أن يتصور من نزاع وخلاف بدءا من الخلاف العائلي إلى النزاعات الدولية، بمختلف الأدوات من تحكيم أو إبراء أو عفو، يمكن أن تعتبر من أغنى المنظومات التشريعية والأخلاقية. 
    17- إن قواعد فقه السلم وكلياته هي:
     أ- النظر في المئالات والعواقب 
    ب-  درء المفاسد مقدم على جلب المصالح 
    18- اعتبار ترتيب التفاوت في المصالح وتفاوت المفاسد فيقدم الأهم على المهم.
    19- إن فروض الكفايات تنقسم إلى ما يجوز لعامة الناس أن يقوموا به وما لا يجوز لهم أن يقوموا به، وهو أحكام الولاية العامة المنوطة بأولي الأمر كإقامة الحدود والتعزيرات وإعلان الحرب والسلام بين الأمم، ومختلف التدابير العائدة على المجتمع بالفائدة. 
    20- إن الجهاد في أصله وسيلة للسلم ، وهو شامل لكل القربات ، وماض إلى يوم القيامة بأنواعه المختلفة( جهاد الدفع وجهاد العلم والمال وجهاد النفس...) لكن جهاد الطلب بمفهوم غزو امم اخرى ليس مقبولا في عصرنا لزوال القوة المادية المانعة من الاتصال بالناس ودعوتهم إلى الخير.
    رابعا: في سبل العلاج:
    1- إنه آن الأوان أن تتجه المجتمعات المسلمة أفرادا  وجمعيات وتنظيمات سياسية وحكومات ودولا إلى التعاون على البر والتقوى، وتقديم المصالح العليا للإنسان والأوطان على المصالح الخاصة، واعتماد الحوار والتوافق منهجا وحيدا لتحقيق التنمية الشاملة.
    2- الدعوة إلى انفتاح جميع التيارات على بعضها البعض، وبناء جسور التواصل ليعبر منها الجميع إلى السلام. 
    3- الدعوة إلى "حلف فضول" جديد لعقلاء الأمة وإلى بلورة نظرية للتعارف تكون أساسا ثابتا لا يتزحزح للعلاقات الدولية انطلاقا من قوله تعالى ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
    4- إعادة تثبيت سلطة المرجعية في الأمة باستعادة العلماء مكانتهم وريادتهم داخل المجتمعات المسلمة، وقيامهم بواجب النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المنضبط بضوابط الشرع نائين بأنفسهم عن أي صراع أو تخندق فكري أو سياسـي ليكون صوتهم معبرا عن الأمة بكل مكوناتها وتكون كلمتهم محل تقدير وتوقير إن لم تكن محل إجماع. 
    5- بيان خطورة استنباط الأحكام من النصوص الشرعية والمدونات الفقهية مجردة عن حيثياتها وملابساتها للشرائح المتعلمة من الأمة، وتوجيهها إلى وزن الرجال بميزان الحق لا وزن الحق بميزان الرجال.
    6- إعادة إحياء المذهبية الفقهية بأصولها وتقاليدها العلمية باعتبارها سياجا حمى الأمة من الفتن الاجتماعية وضبط الفتوى بضبط أهلها وشروطها وحدودها.
    7- إن الديمقراطية ليست غاية وهدفا في حد ذاتها؛ بل وسيلة في البيئات المتهيئة لها لتدبير اختلاف المشارب الفكرية والمشاريع السياسية. ومن ثم فإن واجب دعاة الإصلاح أن يضعوا نصب أعينهم تحقيق العدل والمساواة دون تقديس للآليات مستحضرين السياقات التاريخية والبيئات والأعراف الخاصة بمجتمعاتهم حتى لا تصبح الديمقراطية في بعض المجتمعات دعوة إلى الحرب الأهلية.
    8- إيلاء عناية خاصة لثقافة السلم في المجتمعات المسلمة بعد أن ضمرت وضعفت وخلا الجو لثقافة العنف والاقتتال وانتزاع الحقوق بكل الوسائل مهما بلغت تكلفتها البشرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
    9-  إحياء فقه السلم المبثوث في بطون أمهات الفقه الإسلامي من كتب مجردة أو نوازل وفتاوى، وتطوير هذا الرصيد باستخراج أصوله وقوعده وضوابطه لاستثماره والبناء عليه وتجديده.
    10- بناء مشروع تربوي متماسك وملائم للعصر ينطلق من مقومات الأمة ومصادرها ويعلي من قيم التعايش السلمي والوئام والتسامح واحترام التنوع والاختلاف.
    11- ترسيخ الوازع التربوي في النظم التربوية وتصحيح الصورة النمطية التي تحصر الدين والشريعة في الوازع العقابي والسلطة التنفيذية .
    12- إعطاء الأولوية في نشر ثقافة السلام وبث قيم الوئام للناشئة وللشباب، ودعوتهم إلى الانخراط الفعلي في نشر ثقافة السلم في المجتمعات المسلمة،  وبلورة مقومات خطاب جديد يناسب احتياجاتهم لأنهم من جهة الأقل حصانة ضد خطاب الكراهية والعنف، ومن جهة ثانية أمل الأمة في تغيير ما بنفسها. 
    خامسا: في الـوسـائـل:
    1- الاستفادة من جميع الاستراتيجيات الهادفة إلى نشر ثقافة وقيم السلم ، ومما راكمته البشرية بخبرتها الطويلة من وسائل وآليات حل النزاعات كمؤسسات التحكيم والوساطة الدولية...
    2- استثمار كل الوسائل المتاحة لنشر ثقافة السلم والوئام (كتب ومجلات وكتيبات ونشرات وقنوات إعلامية ومواقع إلكترونية وتجمعات شبابية وجمعيات ومنتديات...)
    3- دعوة وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي إلى تحمل مسؤولية الكلمة وتقدير آثارها على التعايش والوئام، وإلى الانخراط في تعزيز ثقافة السلم في المجتمعات المسلمة. 
    4- دعوة  المثقفين والأدباء والمبدعين إلى الانخراط في دعم رسالة هذا المنتدى وإلى الإسهام في تعزيز ثقافة السلم والتعايش في المجتمعات المسلمة.
    5- الاستفادة من الحصيلة العلمية للبحث الأكاديمي الشرعي فيما يتعلق بفقه السلام  والوئام والمصالحة (حصر الدراسات وتصنيفها وتقويمها ونشر ما يستحق النشر منها...) 
    6- تطوير عمل المجامع الفقهية وآليات الإفتاء فيها حتى تستجيب للحاجات المتزايدة في المجتمعات المسلمة للفتوى وتساير الوقائع والأوضاع المستجدة في عالم شديد التداخل والتعقيد.
    7- الاستفادة من المبادرات الناجحة في تحقيق السلم في المجتمعات المسلمة.
    8- الانفتاح على فضاء الجامعات ومعاهد البحث، ودعوة المشرفين على البحوث إلى توجيه طلبتهم إلى الكتابة في موضوع السلم وطرق تعزيزه في المجتمعات المسلمة خاصة والعالم عامة.
    9- تشجيع البحث الميداني في مجال التعرف على العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية التي تشكل تربة خصبة لترعرع ثقافة الإقصاء والصراع والعنف.
    10- دعم المجتمعات المسلمة في الغرب تربويا وتعليميا وفقهيا بما يسمح لها ولأجيالها الصاعدة بفهم الإسلام في سماحته ووسطيته، ويجنبها مزالق التطرف والعنف والصدام مع مختلف مكونات المجتمع، ويدفعها إلى الانخراط في تنمية أوطانها بما يضمن التعايش للجميع وتصحيح صورة ديننا الحنيف وصورة أتباعه في الغرب.
    الـتـوصيـات: 
    1-  الشروع في  تأسيس مجلس إسلامي لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة يضم ثلة من ذوي الحكمة من علماء المسلمين وخبرائهم ووجهائهم ليسهموا في إطفاء حرائق الأمة قولا وفعلا. ونقترح أن يسمى " مجلس حكماء المسلمين "،وأن تعد لوائحه التنظيمية خلال شهر رمضان المقبل بحول الله.
    2- عقد منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة سنويا، ونقترح أن تحتضنه أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة.
    3-  نشر أعمال هذا المنتدى لتكون إسهاما في ترسيخ ثقافة السلم في المجتمعات المسلمة.
    4- عقد لقاءات وندوات في البيئات الإسلامية الأحوج إلى استيعاب نتائج هذا المنتدى حتى تكون مقدمة لتحويل ما جلاه من مقاصد وقيم وقواعد إلى ثقافة يعيش في ظلها  المسلمون ويلتمس فيها غيرهم حلولا لنيران انقسام المجتمع وصدامه واقتتاله التي لا تكاد تخبو في منطقة من العالم حتى تشتعل في أخرى.
    5- إنشاء مؤسسات وكيانات همها وهمتها تحقيق السلم وتصحيح المفاهيم ومواءمة مستجدات الواقع والاتفاقيات الدولية مع مقومات الإسلام في حال التحفظ عليها.
    6- إيجاد صيغة مشتركة بين البلدان الإسلامية لتنسيق تحفظاتها على بعض بنود المواثيق الدولية. 
    7- تنظيم مؤتمر دولي حول مقومات السلم اجتماعي بين الغرب والمجتمعات المسلمة.
    8- تخصيص جائزة سنوية لأفضل الدراسات العلمية في موضوع السلم.
    9-  تخصيص جائزة سنوية لأفضل مبادرة وإنجاز في مجال تحقيق السلم في المجتمعات المسلمة.
    10- إصدار مجلة أكاديمية منتظمة تعنى ببحوث السلم في المجتمعات المسلمة.
    11-  تأسيس جهاز إعلامي مسموع ومرئي ومكتوب، لا ينشغل بردود الأفعال بل يؤصل لمفاهيم السلم وقيمه في الأمة بتوضيحها وتبسيطها بالحكمة والموعظة الحسنة. 
    12- تأسيس فرق من الشباب المسلم المتشبع بدينه المتشرب لثقافة السلم، مهمتها القيام بزيارات لكل أنحاء العالم، بما فيها مناطق التوتر المسلمة وغير المسلمة لمخاطبة الشباب برسالة السلم والتعايش، مع تزويد هذه الفرق بوثائق واضحة ودقيقة حتى لا تنقل رسائل مغلوطة.
    وفي ختام أعمال هذا المنتدى المبارك لا يسع المنتدين إلا أن يتوجهوا بخالص الشكر وجزيل الثناء ووافر التقدير لدولة الإمارات العربية المتحدة على ضيافتها الكريمة  وتوفيرها كافة وسائل العمل وظروف التداول الحر للآراء ووجهات النظر،  ويتوجهون بالتضرع لله عز وجل أن يحفظ قائد هذا البلد سمو الشيخ خليفة بن زايد لبلده وشعبه وأمته وأن ينعم عليه بموفور الصحة والعافية، وأن يتغمد الله الشيخ زايد بواسع رحمته ويجعل ثواب هذا المنتدى المبارك في صحائف حسناته. كما يعبرون عن امتنانهم العميق لراعي المنتدى سمو الشيخ عبد الله بن زايد على دعوته الكريمة ورعايته المنيفة داعين الله له بالتوفيق والسداد ودوام السبق للمكرمات. 
    والشكر موصول لفضيلة العلامة الشيخ عبد الله بن بيه على بلائه الحسن في تلمس السبيل إلى عودة العافية إلى الأمة، ولفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف على جهوده وتعاونه في هذا المجال، ولمفتيي البلدان الإسلامية ومسؤولي وممثلي الهيآت العلمية الشرعية. 
    وشكر خاص للعلماء والباحثين الذين كابدوا ليغنوا هذا المنتدى بعلمهم وآرائهم واقتراحاتهم متحملين عناء السفر وبعد المسافة.
    والشكر مستحق لكل من أعان على تنظيم هذا المنتدى.
    والله نسأل أن يحفظ بلد الإمارات العربية المتحدة وسائر بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يديم عليها نعمة الأمن والإخاء والرخاء.
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. 
    لجنة صياغة البيان الختامي   
    البيان الختامي

الدراسات

 
مسيرة السلام
الكاتب: خليفة خالد

مسيرة السلام

تثبت الأيام أن المسيرة التي انطلقت من أبوظبي في عام 2014 جاءت في وقتها، لتخفيف حرارة جسد هذه الأمة، وبدأت بإعلان الحرب على الحرب لتكون النتيجة سلماً على سلم، بعد غرس شجرة السلم على يد الإمام العلامة عبدالله بن بيّه وأيادي الخير ممن أسهموا في غرسها لت…

المزيد

المركز الإعلامي

 

فعاليات الملتقى السنوي الخامس ل"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"

04 ديسمبر 2018

برعاية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، ورئاسة معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس "مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي"، تنطلق …

المزيد

منتدى تعزيز السلم ينوه بجهود قيادة الإمارات الرشيدة في صناعة السلام المصالحة الأثيوبية الأرترية

29 يوليو 2018

أصدر "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" بياناً رسمياً، ثمن فيه عالياً دور دولة الإمارات العربية المتحدة في صناعة ثقافة الوئام وتعزيز السلام في ا…

المزيد

الاصدارات

 
البيان الختامي لملتقى حلف الفضول - فرصة السلم العالمي

البيان الختامي لملتقى حلف الفضول - فرصة السلم العالمي

  

الكلمة التأطيرية للملتقى الرابع

الكلمة التأطيرية للملتقى الرابع

  

الكلمة التأطيرية للملتقى الثالث

الكلمة التأطيرية للملتقى الثالث

  

الكلمة التأطيرية للملتقى الثاني

الكلمة التأطيرية للملتقى الثاني

  

الكلمة التأطيرية للملتقى الأول

الكلمة التأطيرية للملتقى الأول

  

إعلان مراكش

إعلان مراكش

  

اجتزاء النصوص

اجتزاء النصوص

الجهاد رافدا للسلم

الجهاد رافدا للسلم

مجلة السلم العدد الأول

مجلة السلم العدد الأول

مجلة تعايش العدد الأول

مجلة تعايش العدد الأول

  


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية